islamaumaroc

نجيب محفوظ أو الكاتب العربي الذي يكتب عن مجتمعه-4-

  دعوة الحق

76 العدد

رواسـب الماضـي في المجتمــع
ليس من الممكن أن يكون كاتب من درجة نجيب محفوظ مجرد مقلد يأخذ عند الغير ويجتره من جديد.فقد رأينا بعض مواطن الالتقاء بينه وبين ألف ليلة، ولكن هل يمكننا أن نحكم بأنه اندفاع بكل سهولة نحو محاكاة الرواية العربية القديمة؟ هل ينحصر عمله في كتابة ألف ليلة وليلة أخرى بأسلوب جديد؟ السنا نجد عنده شيئا آخر، بل أشياء أخرى تختلف عما في ألف ليلة وليلة؟
التقليد شيء والالتقاء شيء آخر. التقليد ينبني على نية سابقة فيها اعتراف ضمني بتفوق النموذج المتبع. والمقلد يتخلى في قرارة نفسه عن الدعوى التي ترافق مجهود الفنان المتكبر، ويستسلم للمثال الذي وضعه نصب عينيه. وقد يتوقف في عمله فيكون لإنتاجه قيمة فنية، كما وقع لبعض الشعراء الذين قلدوا هو مبروس في ملحمتيه الالياذه والاوديسا، أو كما حدث للروائيين المسرحيين الفرنسيين، أمثال راسين وموليير، حينما قلدوا الدراسات اليونانية القديمة، فاستطاعوا أن يخرجوا من طور المحاكاة الإلية إلى درجة الإبداع والتجديد.
أما الالتقاء، فهو يحدث بطريقة عفوية. فقد تختلف اتجاهات الكتاب وأذواقهم ومقاصدهم، وتتباين نقط انطلاقهم، ولكنهم يتلاقون في بعض المواطن مدفوعين بمنطق تفكيرهم، أو منجدين نحو نفس المشاهد والحقائق. أنهم لم يحاولوا الأخذ عن بعضهم أو السير على نهج واحد، ولكن أفكارهم وحاستهم الفنية تشابكت في ملتقى لم يكن منتظرا أو-بالأصح- لم يكونوا هم يتوقعونه.
ولعل هذا ما حدث بالضبط لنجيب محفوظ. فليست اعتقد انه قرر في نفسه أن يضع نصب عينيه ألف ليلة وليلة كنموذج يستوحي منه وينسج على منواله. بل لربما كانت ألف ليلة وليلة بعيدة عن تفكيره حينما كان يكتب ثلاثيته ولا غرو، فان مقصده يختلف كل الاختلاف عن مقصد ألف ليلة وليلة. فهو روائي عصري بكل ما في الكلمة من معنى يحاول أن يصور المجتمع الذي يعيش فيه، بمئاسيه ومهازله، ويريد أن يكشف لنا من وراء العادات والتقاليد عن الإنسان في حقيقته العميقة التي تخضع للتاريخ وتسعى في ءان للسطو عليه.
وهو في هذا التصوير للواقع الذي يقبل عليه بنزاهة وإخلاص ويرصد له كل مجهودا ته، يحدث له بصورة طبيعية، كما رأينا في بعض الفصول أن ينر نحن معه أن هذا الالتقاء ناتج عن منطق الأحداث التي يقصها والبيئة التي يصورها.
ومعنى هذا أن المجتمع المصري في النصف الأول من هذا القرن لو لم تكن فيه طوائف من الناس يعيشون كما يعيش أبطال ألف ليلة وليلة، لما رأينا أثرا لهذا الالتقاء عند نجيب محفوظ. فالتشابه قائم في الأساس بين جانب من المجتمع وبين ألف ليلة وليلة، وما الكاتب إلا مسجل أمين لهذا الظاهرة.
ونحن نكتشف هنا أحدى مزايا نجيب محفوظ، حيث انه لم يتعثر في التفاصيل والجزئيات، وكشف عن حقيقة العميقة للمجتمع المصري، وهي انه مجتمع لم يتغير كثيرا عما كان عليه منذ مئات السنين في عقليته ورد فعله أمام الأحداث ومواقفه، بحيث أن جوه لا يختلف كثيرا عن جو ألف ليلة. ونشعر في نفس الوقت بان هذا التصوير يكاد ينطبق علينا، نظرا لما بين المجتمعين من التشابه المتين، وان تباعدت الديار، وقلت عوامل التفاعل في سالف الأيام.

فهو لم يغتر بمظاهر المدينة العصرية التي بدأت تنتصر في مصر، ولم يعتبر أن مصر هي هذا الطلاء البراق الذي تميزت به طبقة قليلة من المصريين، تكاد تعيش على هامش الحقيقة الاجتماعية، ولم يحاول أن يخدعنا بالصور السطحية. بل انه توغل داخل المجتمع حيث تظهر حقائق شعب عارية من كل تمويه، فنرى في قصة هاته العائلة المتوسطة المحترمة المشاكل الإنسانية التي يعانيها المصريون، بصفة عامة.
نعم، أن مزيته الأولى هي انه استطاع أن يحدثنا عن المصري الحقيقي الذي يمثل ملايين المصريين، المصري الذي يعيش بفطرته وبعقليته الحقيقية. وهذا ما يكسب روايته أصالة شعبية. فهذا الجيل الأول الذي يمثله السيد احمد عبد الجواد، وان كان يعيش في القرن العشرين، وسط مظاهر الحضارة العصرية، لا زال يعيش في جو ألف ليلة وليلة. فهو كما رأينا، سواء في موقفه العام من الحياة أو في أذواقه وميوله أو في الطريقة التي يفهم بها الحب، أو في تمسكه بالدين، أو في الطريقة التي يعبر بها عن الشعور القومي، يظل وفيا للصورة الخالدة التي رسمتها لنا ألف ليلة وليلة عن الرجل الشرقي.
   ولنتأمل قليلا شخصية السيد احمد عبد الجواد لنراه تارة في مجلسه بالعائلة وهو يثير حواليه الاحترام والإجلال، وطورا في مجلسه مع أصدقائه وهو يبرز عليهم بكرمه وظفه ودعابته، وطورا في حديثه مع الشيخ المتدين عبد المتولي عبد الصمد وقد طفحت نفسه بالعاطفة الدينية وبالرغبة في التنسك والتوبة، إلا تذكرنا بعض الشيء بشخصية هارون الرشيد الأسطورية كما تتراءى لنا من صفحات ألف ليلة وليلة؟
فالواقعية، إذن، هي التي دفعت نجيب محفوظ إلى الالتقاء مع ألف ليلة وليلة مثل ما حدث به في فصول أخرى من روايته إلى الابتعاد عنها، لان الأحداث والأشخاص والظروف اكتست صبغة أخرى.

بيـن المـاضـي والمستقــبل
إلا إنني لا اشك في أن نجيب محفوظ حينما انغمر في تصوير المجتمع بهذه الطريقة، كان مدفوعا بنية أخرى. وهذا ما لا يدركه القارئ إلا بالتأمل العميق في روايته من الأول إلى الأخر. فهو يتحاشى أن يتخذ موقفا شخصيا في القصة، ويجتهد في إخفاء آرائه تاركا للقارئ مهمة الاستنتاج والتعليق. وهذا مبدأ فني يتقيد به الروائيون الواقعيون في الغالب، اقتناعا منهم بان الأحداث تحمل الدلالة الكافية عن نفسها وان كل تدخل من طرف الكاتب فضول يمس بالصياغة الفنية وبحرية القراء.
ومع ذلك، فنجيب محفوظ ككل الروائيين الواقعيين، مهما تجرد ومهما حاول أن يكون  موضوعا، ولم فانه لم يختر موضوع قصته بصورة اعتباطية، ولم يتجه إلى جانب من الواقع الاجتماعي والإنساني إلا لأنه يحمل دلالة بالنسبة إليه. وليس من الممكن فهم الرواية ونقدها من الناحية الفنية إلا إذا استطعنا أن نكشف عن مقاصد الكاتب الخفية.
لقد أراد كخبير اجتماعي أن يبين الداء الذي تعانيه الأمة المصرية في مرحلة دقيقة من حياتها، فصور التباين وانعدام التناسب الموجود بين العقلية التي يعيش عليها المصريون والمهمات الجسيمة التي تنتظرهم. فهنالك مقتضيات الساعة التي يواجهها أبناء مصر: عليهم أن يتحرروا من الاستعمار، عليهم أن يقضوا على الفساد في المجتمع، عليهم أن يشقوا طريقهم نحو التقدم. وهنالك الشعب المصري الحقيقي بمزاياه وعيوبه وبقوته وضعفه.
فهذا الجيل الأول الذي يمثله احمد عبد الجواد يعيش ظروف الحرب العالمية الأولى ثم الكفاح ضد الانجليز من اجل استقلال مصر. فهل نجده في مستوى الأحداث؟ وهل هو واع بالمعركة القائمة، مدرك لمغزاها؟ ذلك ما يجيبنا عنه نجيب محفوظ حينما يصور لنا عقلية الجيل ويقابلها بالواقع الاستعماري والمخططات الاستعمارية، فنرى عالمين متباعدين في نوعهما، عالم القرون الوسطى بشعره وأوهامه وخيالاته، وعالم القرن العشرين بعلمه وواقعيته وتنظيمه.
لقد تحدث المصريون قبله عن هذه الصفحة المجيدة من تاريخهم، صفحة الوطنية والكفاح ضد
الاستعمار، فكانت صورهم حماسية بطولية تقوي النفوس وتبعث الإيمان. وتحدث هو أيضا عن هذا الكفاح ورسم عن مظاهرات الشعب واحتجاجاته لوحات رائعة، إلا انه لم يندفع وراء العاطفة والخيال محاولا أن يقدم لنا أناسا ارتفعوا فوق حدود البشرية ليرتادوا مواقع الكمالات، بل انه، بالعكس، حرص كل الحرص على أن يظهر لنا الجانب البشري، الجانب الذي ينطق عن واقع كل يوم الذي يواكب الفوارات الحماسية ويتناقض معها.
ولنقف قليلا عند الحادثة التاريخية، حادثة تكوين الوفد المصري برئاسة سعد زغلول عقب الحرب العالمية الأولى وما أثارته من ردود فعل لدى أبطال الرواية. فنحن هنا أمام مشهد رائع تتراءى فيه نبضات شعب بأكمله حيث نرى الجمهور بروحه الثائرة، والشباب المندفع المتحمس الطامح لقيادة الجماهير وتنظيمها، والفرد في عزلته وهو بتأرجح بين الشؤون الجماعية ومشاكله الشخصية، وما تكتنف هذه المواقف من إخلاص وصدق وشجاعة أو من نفاق وجبن ومكر.
فهذا احمد عبد الجواد، حينما يقدم له صديقه احمد عفت عريضة لتأييد سعد زغلول وصحبه يوقع بدون تردد ويعلن عن ارتياحه وسروره لهذا العمل ويقول: «كأني لشدة سروري بهذا التوكيل الوطني ثمل يعل ألكاس الثامنة..
ويعلق الكاتب: «ثم عاد إلى مكتبه واثر المزاح منبسط في أساريره، وانفعال الحماس في قلبه لا يخمد، شانه في كل ما يعرض له من مهام الحياة بعيدا عن داره، فهو يجد الجد كله كلما دعا الداعي إلى الجد، ولكنه لا يتردد عن تلطيف جوه بالمزاح والدعابة كلما لاحتا له صادرتين في ذاك عن طبع لا يملك معهما حيلة وان بدا ذا قدرة عجيبة على التوفيق بينهما، فلا جده بقاهر مزاحه، ولا مزاحه بمفسد جده».
ثم يشرح الكاتب فهمه للوطنية:«ليكن إذن وقته خالصا لحياته، وللوطن ما يشاء من قلبه وعواطفه بل وماله كلما تسير إذ لم يكن يضن به إذا وجب التبرع لغرض من الأغراض، إلى ذلك فلم يشعر مطلقا بأنه مقصر في واجبه على نحو ما. وعلى العكس عرف بين صحبه بالوطنية، أما لان قلوبهم لم تسخ بعواطفها كما سخا قلبه، وأما لان الذين سخت قلوبهم لم يذهبوا إلى حد التبرع بالمال مثله، فتميز بوطنيته. وعرف هو ذلك فأضافه إلى بقية مزاياه التي يباهى سرا في أعماق قلبه» «انظر: بين القصرين ص 292-293»
ولكن إلى أي حد ينساق مع عاطفته الوطنية؟ هل يماشيها في منطها إلى نهاية؟ ذلك ما يظهر لنا في فصل آخر، حينما اكتشف أن ابنه «فهمي» من الشبان الذين يشتركون في تنظيم المظاهرات وقيادتها ضد الانجليز. دعا ابنه وسأله: «دعوتك لأعرف كل شيء، أريد أن اعرف كل شيء، ماذا قصد
 صديقك بقوله انك من «الأصدقاء الجاهدين» وأنكما تعملان في لجنة واحدة؟.. صارحني بكل شيء دون تردد..
- الأمر بسيط جدا يا بابا، لعل صديقي بالغ في قوله كي ينتشلنا من ورطتنا.
فقال السيد وقد نفد صبره:
- الأمر بسيط جدا ... عل... ولكن أي أمر هو؟.. لا تخف عني أي شيء..
- سماها لجنة وهي لا تعدو أن تكون جماعة من الأصدقاء يتحدثون كلما اجتمعوا في الشؤون الوطنية فهتف السيد مغيظا محنقا:
- ألهذا استحققت لقب المجاهد..؟!
- يحدث أحيانا أن نقوم بتوزيع بعض النداءات الحاثة على الوطنية..
فتساءل السيد بانزعاج شديد:
- المنشورات!.. هل تعني المنشورات؟!.
- ليست إلا نداءات تحث على حب الوطن
ترك الرجل السبحة تسقط من يده إلى حجره، وراح يضرب كفا على كف ويقول وهو لا يتمالك نفسه من الانزعاج:
- أنت من موزعي المنشورات!.. أنت!.. إلا تعلم ما أجزاء الذي يضبط وهو يوزع منشورات؟..
- إني أقوم بالتوزيع بين الأصدقاء من الزملاء فقط، ولا شان لي بالتوزيع العام.. فليس ثمة مخاطرة أو خطر.. فهتف السيد بغلظة كأنه يداري خوقه على ابنه بحدة الغضب:
 -  أن الله لا يكتب السلامة لمن يعرض نفسه الهلاك، وقد أمرنا سبحانه بان لا نعرض أنفسنا للتهلكة..«نفس المصدر ص 372»
ويأتي بعد هذا مشهد آخر نرى فيه احمد عبد الجواد بمتجره وقد اقبل عليه الشيخ متولي عبد الصمد، ذلك الرجل الأشيب الذي يعتقد في بركته، فيقول له في وسط الكلام:
«أنت الخير والبركة يا شيخ متولي.. لقد نجاني الله من شر كبير، ولكن ثمة شر لا يزال يتهددني ويقض مضجعي.
مال وجه الشيخ نحو السيد في عطف مرة أخرى وتساءل:
- ماذا بك يا بني عفا الله عنك؟
فرنا السيد إليه بطرف واجم وغمغم في ضجر:
- ابني فهمي.
فرفع الشيخ حاجبيه الاشيبين متسائلا أو منزعجا ثم قال برجاء:
- محفوظ، بإذن الرحمان.
فهز السيد رأسه بأسى وقال:
- عقني لأول مرة والأمر لله.
- معاذ الله، فهمي ابني، وأنا اعلم علم  اليقين انه طبع على البر.
فقال السيد احمد متسخطا:
- باني حضرته إلا أن يفعل كما يفعل الشبان في هذه الأيام الدامية.
فقال الشيخ في دهش واستنكار:!
- أنت أب حازم ما في ذلك شك، كما كنت أتصور أن ابنا من أبنائك يجرؤ على أن يرد لك أمرا..
- لم يجرؤ على àذا صراحة طبعا ولكني دعوته إلى أن يحلف على المصحف بالا يشترك في أي عمل من أعمال الثورة فبكى، بكى من دون أن يجسر على قول: لا، ما عسى أن اصنع؟ لا استطيع أن احبسه في البيت. ولا يسعني أن أراقبه في المدرسة وأخاف أن يكون تيار هذه الأيام أقوى من أن يقاومه شاب مثله، ماذا اصنع ألهدده بالضرب؟.. الضربة؟ ولكن ما عسى أن بجدي التهديد مع شخص لا يبالي تعريض نفسه للموت؟
- وهل ألقى بنفسه في المظاهرات؟!..
- كلا ولكنه يوزع المنشورات..
- ما له ولهذا الأعمال!.. انه الوديع ابن الوديع ولهذا الأعمال رجال من صنف ءاخر، الم يعرف أن الانجليز وحوش لا تتطرق الرحمة إلى قلوبهم الغليظة؟.. وأنهم يتغذون صباح مساء بدماء المصريين المساكين؟.. كلمه بالحسنى، عظة، بين له النور من الظلام، قل له انك أبوه وانك تحبه وتخاف عليه. أما أنا فسأعمل من ناحيتي على إعداد حجاب من نوع خاص ولادعون له في صلاتي وخاصة صلاة الفجر، والله المستعان من قبل ومن بعد..»
ويختم المشهد بهذه النصيحة التي بوجهها الشيخ إلى «فهمي» عن طريق أبيه:
«قل لفهمي: أن الشيخ «متولي» ينصحه بالابتعاد عن موارد التهلكة، قل له سلم إلى الله ربك فهو القادر وحده على أهلاك الانجليز كما اهلك الذين من قبلهم ممن شقوا عصا طاعته..«ثم نال الشيخ نحو عصاه ليتناولها فأشار السيد إلى جميل الحمزاوي فجاءه بالهدية، ووضعها في يده، ثم ساعده على النهوض. صافح الشيخ الرجلين ومضى وهو يقول:
- غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون.. صدق الله العظيم»
لكل هاته المشاهد التي أوردنا جانبها الإنساني الذي يفرض علينا أن ننظر إليها بعطف وتفهم. ولكن الكاتب حين يعرضها علينا بلغت في الحقيقة نظرنا إلى ما كان يغلب على ذلك الجيل من رواسب الماضي. فالسيد احمد عبد الجواد والشيخ متولي ومن على شاكلتهما يمثلون عهدا تاريخيا انقرض. فهم شهود القرون الوسطى في القرون العشرين. أنهم لا يفهمون هذا الواقع الجديد الذي بدا يسري في المجتمع ولا يستطيعون أن يماشوا هذه المرحلة الجديدة إلي دخل إليها الشعب العربي، مرحلة التجديد والتطور.. فهم كالأغصان اليابسة في الشجرة المورقة.
حقا، أن شخصية احمد عبد الجواد والشيخ متولي لها طرافتها وجاذبيتها التي لا تنكر، ولربماكانت من الناحية الفنية، وحتى الإنسانية أكثر أصالة، ولكننا في الواقع تنجذب إليها كما تنجذب لشخصية «دون كيشوط» في رواية «سيرفانتس». ومن منا يريد أن يكون «دون كيشوط» أو يتمنى أن يكون الناس حواليه في المجتمع يشبهون دون كيشوط؟ وهنا لا يجب الخلط بين مقاييس الحياة الأخرى التي نواحه فيها الواقع اليومي ونكدح فيها ونرنو إلى المستقبل.
وبهذا المعنى، يمكننا أن نقول أن نجيب محفوظ قام بدوره كناقد للمجتمع، فهو حينما صور لنا تلك الشخصيات الطريفة الجذابة أراد في الحقيقة أن يبين لنا تباين العريض بين عقلية الجيل الذي تجسمه مقتضيات العصر والتطور وما يتطلبه زماننا هذا الصعب المعقد من وعي وحيوية. وانه يعرف مفاتن الشرق القديم وسحره حق المعرفة، ولربما يعيش تحت تخديرها، ولكنه في نفس الوقت يرى أن تقدم مجتمعه يتطلب من المصريين ومن العرب أن ينغمروا في هذا القرن العشرين بكليتهم. ففي الماضي أحلام جميلة ولكن يجب أن نصحو منها فأمامنا هذا المستقبل الذي يجب أن نفرغ له كل مجهوداتنا.
ولكن، على أي شكل سيكون هذا الانغمار في القرن  العشرين؟
سنرى في المقال المقبل ما هو جواب نجيب محفوظ.

                                 حـريــص
وذي حـرص تـراه بلـم وفـرا
                 لوارثـه، ويدفـع عـــن حمـــاه
ككلب الصيد يمسـك وهـو طـاو
                 فسريتــه ليأكلهــــا ســــــــواه
                                     ابن يونس النجم المصري

                           لـك الحمـد...!
لك الحمـد، أما من نحب، فـلا نـرى !
                  وتنظــر ما لا نشتهي، فـلك الحمــد!!
                                           أبو العلاء المعري

 

 

 

 


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here