islamaumaroc

[كتاب] التفكير فريضة إسلامية، تأيف عباس العقاد

  دعوة الحق

76 العدد

هذا كتاب من نوع كتاب (حقائق الإسلام) وكلاهما من الكتب التي الفت باقتراح وتكليف من (المؤتمر الإسلامي) وكلاهما من الكتب التي تهدف إلى تصحيح المفاهيم في شريعة العقل والدين بين أنصارهما وخصومهما على السواء..
ومن من المكرين المسلمين في العصر الحديث يستطيع أن يصحح هذه المفاهيم عرضا ومناقشة ونقدا ودرامة؟
ومن من المفكرين المسلمين في العصر الحديث يستطيع أن يقيس إبعاد حرب الأديان التي شنت عليها منذ قرون؟
ومن من المفكرين المسلمين صمد في مهب زعازع المذاهب والآراء دفاعا عن العقيدة الإسلامية والحضارة الروحية التي انبثقت عنها والثقافة الإسلامية التي كانت وما زالت الأداة الوحيدة لتناولها وفهمها..؟
ولكن الجواب لن يكون سلبا ولا إيجابا ولكنه-عمل- واضح وضوح الشمس و-عبقرية- حطمت سائر المقاييس..
والكتاب الذي نقدمه اليوم احد هذه-الأعمال- وإحدى هذه-العبقريات- التي ختمت يوم ختمت أنفاس المرحوم عباس محمود العقاد.!
وهذا الكتاب صغير الحجم ولكنه زبدة الأسفار وخلاصة السجلات وعصارة الأفكار. وهو يتناول قضية التفكير الإنساني باعتباره الأداة والفضيلة الإنسانيتين اللتين يملكهما الإنسان ولا يعطلهما إلا إذا تخلى عن إنسانيته وأصبح شيئا آخر..!
ففي الفصل الأول من الكتاب يعرض المؤلف العقل الإنساني في كتاب الإسلام-القرآن- عرضا وافيا في شتى الآيات التي تنطق بتمجيد العقل واعتباره حكما بين الناس ومقياسا لفهم المبادئ والعقائد وتصحيحهما.. وفي هذا الفصل يعرض المؤلف أيضا أنواع العقل على ضوء البحوث النفسية والفلسفية.
- فهناك العقل الوازع...
- وهناك العقل المدرك...
- وهناك العقل الحكيم...
- وهناك العقل الرشيد...
وإذا كان العقل يعم هذه الأنواع كلها فان فضيلة الإنسان تتجلى في تدرجه في مدارج العقل من درجة إلى آخري...
فهناك من الناس من لا يملك إلا عقلا بسيطا يكفه عن-الجنون- فحسب في حين انه لا يملك عقلا حكيما ولا رشيدا. ويفصل العقاد ذلك تفصيلا ويأتي بالآيات القرآنية الكريمة التي تشهد الأنواع العقل ومدرجه وحظ الإنسان منها وما يفرضه على المسلم من استعمال عقله من أي نوع كان ليضمن لنفسه فضيلة التفكير وفريضته...
فالعقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم والعقل الرشيد كلها مدعوة للتفكير وكلها مدعوة للفضيلة، وكلها مدعوة لتحقيق الإنسانية في الإنسان.. وذلك بنصوص القرآن التي لا تحتمل الجدال...
ويخرج المؤلف من هذا الفصل بخلاصة هي:«أن الجمود والعنت والضلال غير مسقطة للتكليف في الإسلام وليس لأحد أن يعتذر بها كما يعتذر للمجنون بجنونه فإنها لا تدفع الملامة ولا تمنع المؤاخذة بالتقصير».
وفي الفصل الثاني يتناول المؤلف?الموانع والأعذار) ويعني بها العوائق التي تعوق العقل عن الانطلاق والحرية والتفكير وفي مقدمتها الاقتداء الأعمى بأصحاب السلطة الدينية. والخوف المهين لأصحاب السلطة الدنيوية... والإسلام حرب على هذا العائق فهو من جهة لا تعترف بأي مخلوق يفرض نفسه للوساطة بين العبد وربه.. فلا كهانة ولا هياكل، ومن جهة أخرى لا يبيح لأي كان أن يظلم الناس أو أن يحتقرهم أو يهينهم أو أن يسلط عليهم الرعب والإفزاع والعذاب.
العقل ويتضمن فيما يتضمن القياس والبرهان الصحيح.. وهؤلاء الإعلام هم:
- الإمام أبو حامد الغزالي
- والإمام ابن تيمية
- والإمام السيوطي
وحملة هؤلاء كانت حملة لتصحيح الوضع الفكري لطلاب العلوم والمؤلفين فيها.. وكانت أيضا لرسم الحد الفاصل بين التفكير الإسلامي المستند على العقل السليم والتفكير الجدلي السفسطائي المسند على المغالطات والحيل وحب الغلبة ولو يقلب الحقائق والتدليس والخداع والإقحام..
ويخطئ من يزعم أن الغزالي وابن تيمية حاربا (المنطق) لمجرد كونه منطقا.. ولكنهما حاربا المناطقة والإصلاحات التي اسطلحوا عليها، وقد استعمل الإمامان الغزالي وابن تيمية قواعد منطقية في كتبهما للدفاع عن آرائهما ولدحض آراء خصومهما..
ويستخلص المؤلف من مناقشة آراء المسلمين في المنطق أن حرية العقل لا يقيدها في الإسلام حكم ماتور على مذهب راجح أو على مذهب مرجوح..
ولعل هذا الفصل من الكتاب أهم فصوله وأجدرها بالدراسة لسببين:
- الأول إن المؤلف جعله نافذة اطل منهما على تاريخ التفكير الإسلامي وشاهد منه ما وراء المذاهب والآراء وهو مشكلة الجدل التي كانت السبب في إفساد العلوم والعقائد معا.
- الثاني: أن المؤلف فرق بين المنطق السليم الذي هو من نتائج العقل الحكيم والعقل الرشيد اللين هما من عماد الدين.. وبين الجدل العقيم الذي هو مقوض الأفكار وهادم العقائد ومزيف العلوم والثقافات.
وفي الفصل الرابع من الكتاب يتناول المؤلف: الفلسفة ومدلولها فبل الإسلام، وفي عصور الإسلام الذهبية حيث كانت من المواد الثقافية التي شغلت عددا كبيرا من المفكرين المسلمين ودخلت في أهم الأبحاث الإسلامية في اللغة والدين والتشريع وعلوم الرياضة..
       وكان هدف المؤلف في هذا الفصل محددا في نقطتين:
الأولى: أن الفلسفة بمعنى البحث عن الحقائق ليست شيئا محظورا أو محجرا في تاريخ الفكر الإسلامي.. واتى المؤلف هنا بأمثلة من حياة الفلاسفة المسلمين الذين هضموا الفلسفة القديمة وزادوا في البحث أشياء  استدعتها ظروف المسلمين الخاصة.
الثانية: أن اضطهاد الفلاسفة-أن كان- فهم اضطهاد سياسي يهدف إلى انتقام أو نصفية حساب، ولا شان للدين بذلك لان إطار التفكير الإسلامي لا يضيق ولا يتحجر ولا يكبت العقول ولا يهدم الأفكار بل على العكس من لك فهو يأخذ طريقه إلى الناس عن طريق العقل الواعي والمنطق السليم..
ومن هاتين النقطتين خرج المؤلف إلى عرض الأصول الفلسفة للمذهب والآراء التي دونها كل من ابن سينا وابن رشد.. كما عرض تفكير المعتزلة وإخوان الصفا. وغيرهم لا في قضايا الفلسفة الطبيعية بل وفي قضية فلسفة ما وراء الطبيعة وكان عرضه يتسم بالتخليص والاقتضاب والإحالة على كتبه ورسائله التي تناول فيها هذه الموضوعات من قريب أو بعيد.
ويختم هذا الفصل بهذه العبارات:
«وموقف الإسلام اليوم كوقفه بالأمس انه لا يصبق بالفلسفة. لأنها تفكير في حقائق الأشياء: لان التفكير في السماوات والأرض من فرائضه المتواترة، ولكن المذاهب الفلسفية قد يظهر فيها ما يطيق بالإسلام ويخالفه حينا بعد حين. ولا تثريب على عقيدة يخالفها بعض العقول. لان الحقائق لا تطالب بموافقة كل عقل على سواء أو على انحراف. وحسبها من سماحة أنها لا تصد عقلا على سواء...
وفي الفصل الخامس يتناول المؤلف قضية العلم. وموقف الإسلام مكن العلم لا يحتاج إلى بيان بعد ان نطق القرآن الكريم والسنة المطهرة بما لا يترك مجالا للشك أو الطعن في أن الإسلام دين العلم. والعلم من أسسه ووسائله المعتمدة لفهم الحياة وما فوق هذا الكوكب الذي نعيش فيه...
ولكن المؤلف على عادته يخط خطا بين العلم المبني على تجربة وخبرة. أو بعبارة أدق المبنى على الكهانات والتخمينات والفروض، فالعلم الذي يعبده الإسلام ويجعله أساس سعادة المرء هو العلم المؤدي إلى خير الإنسان وخير المجتمع وهو في الوقت نفسه مبنى على يقين لا مجال فيه للفروض والاحتمالات والتكهنات ويضرب المؤلف لذاك أمثلة من أقوال العلماء الذين يحاولون تفسير الظواهر الكونية في السماء والنجوم والأجواء بتفسيرات ظنية فرضية ولا يقنعهم ذلك حتى يعمدوا إلى آيات القرآن فيحاولون تأويلها-استنادا على فرضهم- تأويلا يبعدها عن المقصود منها.
ولا يخاف المؤلف ولا يخشى تلك الأسطورة التي بزعمها الزاعمون، وهي إن العلم يسير سيرا يناقض الدين..! بل أن المؤلف تحدى هؤلاء تحديا معقولا مبنيا على برهان لا جدال فيه، وهو أن العلم ليس إلا ثمرة من ثمرات العقل.. والعقل من الأسس التي ينبني عليها الدين فأي تناقض يعنون..؟!
وفي الفضل السادس يأتي دور «الفن الجميل» والفن الجميل لا يعني في نظر العقاد ولا في نظر الواقع الفن المتهتك أو الفن الوثني أو الفن المانع الرخيص. ولكنه يعني تذوق الجمال وتفهمه والتمتع بطيبات الحياة وما أودع الله فيها من مباهج ومسرات...
فالحياة ليست عذابا وليست جحيما وليست مفازة فقراء تلون فيها ولا جمال ولكنها مسرح الأعمال والأقوال ومضمار المواهب والكفاءات فهي جديرة بان يحياها الإنسان وجديرة بان لا يحرم الناس من جمالها...
ونظر الدين في الفن الجميل بهذا المعنى هو نظر الحكمة التي لا يلتوي مفهومها.. والواقع الذي لا تحجبه الأقاويل والترهات والشهوات المحمودة والأفكار المنحرفة الشاذة..
والعقاد متحرر في فهم التصوير والرسم وله في ذلك استناد على أقوال كثير من العلماء الذين تناولوا هذا الموضوع من الناحية الشرعية ونظروا بسعة أفق وتحرر وواقعية إلى مقاعد الشريعة ومكارمها...
وتتابع فصول الكتاب إمامنا فنرى فيها فصول
- المعجــــزة
- أمام الأديان
- الاجتهاد في الدين
- التصــــوف
- المذاهب الاجتماعية
- العـرف والعـادات
وفي كل فصل من هذه الفصول نجد العقاد العالم المطلع الخبير الذي يسخر كفاءته وعلمه وفكره لإظهار الحقائق وعرض الحجج والبراهين لتدعيم العقيدة الخالدة في ضمير الإنسان، وهي عقيدة الإسلام وآداب الإسلام وأنظمة الإسلام بما فيها الشخصي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي..
ومنطق العقاد بعيد عن الجدل وحب الغلبة والإقحام، ولكنه رزين ومتعمق لا يفرض فرضا ولا يقلد قولا ولا ينساق مع العواطف ولا يدافع عن الحق إلا بالحق...
ولنأخذ راية في المعجزة التي جاءت بها جميع الأديان..فهو يقول: أن الإسلام جاء بالنواميس الطبيعية التي هي سنة الله «ولن تجد لسنة الله تبديلا» ولكنه يومن كذلك بإمكان المعجزة لأنها ليست بأعجب مما هو حادث مشاهد أمام الأبصار والبصائر.
إذن فالإسلام يضع المعجزة في موضعها من التفكير ومن الاعتقاد فهي ممكنة لا استحالة فيها على الخالق المبدع لكل شيء ولكنها لا تهدي من لم تكن له هداية من بصيرته واستقامة تفكيره...
ولنأخذ رأيه أيضا في الاجتهاد والتقليد بعد عرض واف للموضوع قال:
«أن العجز عن الاجتهاد والعجز عن الحياة مقترنان، وان المسلمين يحتفظون بمكانهم بين أمم العالم ما احتفظوا بفريضة التفكير...
وفي التصوف نجد المؤلف يقسم أهل التصوف إلى قسمين:
- أهل التصوف العقل
- وأهل تصوف القلب
ولكل قسم آداب ومميزات ثقافة نفسية ظهرت في الأدب الصوفي الذي تركه أجيال المتصوفة في الشرق والغرب منذ قرون.. على أن الإسلام لا يقر.
- ذهب الحلول
- ولا مذهب وحدة الوجود
- ولا مذهب سقوط التكليف
ولكن التصوف بمعنى تطهير النفس ورياضتها رياضة شبيهة برياضة الجسم لا غنى للمجتمع عنه بشرط إلا يتجاوز حده المطلوب.
والتصوف نوع من يقظة الضمير أدى ببعض الناس في القديم إلى «الرهبانية» وأدى بآخرين في العصر الحديث إلى نوع من «الوجودية» المنطلقة من قيود الأعراف الاجتماعية التي تضغط الوجدان تارة وتعذب الضمير تارة أخرى..
والإسلام يفتح نافذة العقل والوجدان أمام ذوي الضمائر الحية المستيقظة حتى لا تطوح بهم مشاعرهم المرهقة إلى عالم الرهبانية ولا إلى عالم الوجدانية.
وفي الكتاب إلى جانب هذا قضايا خطيرة في تاريخ الإسلام أعارها المؤلف خبرته واطلاعه ومنطقه فجاءت في ثوب قشيب. كأنها قضية اليوم أو الأمس القريب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here