islamaumaroc

تطور المغرب الثقافي والاجتماعي في القرون الوسطى ونصيب المرأة في هذا التطور

  دعوة الحق

76 العدد

يتألف المغرب من أقاليم ثلاثة: مراكش.والجزائر، وتونس. وهو في طبائعه وخصائصه يختلف عن الشرق الأدنى والأندلس تبعا لاختلاف العناصر القومية التي تسكن في كل منها. فحين الفتح العربي كان المغرب ما هو لا بالبربر، وظل هؤلاء أصحاب الكثرة في إرجائه، ولكنهم تعلبوا تدريجيا حتى أصبحوا مع مواطنيهم العرب، لا يعرفون جامعة لهم إلا جامعة الإسلام.
والبربر كانوا يعتمدون على نظام القبائل، والبطون، فتغلب عليهم الدارة، بما فيها من صلابة وبسالة، وقوة في سبيل الحفاظ على الأخلاق المرعية عندهم، وعلى تقاليدهم. لذلك فان المغرب، وان تأثر قليلا بالحضارة الأندلسية بفعل الجوار من حيث الثقافة والعمران، ثم ازداد تأثرا بعد إن اختلط ببلاد الأندلس اثر اجتياز المرابطين والموحين والمرينيين العدوة إليها، إلا انه لم يتأثر كثيرا من الناحية الأخلاقية، فحافظ على عاداته العشائرية وعلى مقاييسها، وخصوصا في ناحية الحفاظ على الأعراض، والغيرة على الحرم. ولما شرع أهل المغرب يقتبسون مكن حضارة الأندلس شيئا من نعيمها فرفعوا القصور، واجتلبوا الجواري من الأندلس والشرق؛ حرصوا على أخلاقهم العشائرية فلم يطلقوا لأنفسهم العنان في ارتكاب الموبقات، ولم يجاروا الأندلسيين في إطلاقهم حرية المرأة، بل حجزوا عليها في دور الحرم، وأقاموا على خدمتها وحراستها الخصيان من أرقاء الصقالة وسواهم. وكانوا يحضرون عليها الخروج من الدار. وإذا أعوزها الأمر ففي جنح الليل، على أن تكون محجبة.
وأما الناحية الثقافية فقد تأخر نضجها في مراكش والجزائر لان البربر كانوا علاوة على اكتفائهم بالعلوم الدينية واللسانية، يعزفون عما عداها حرصاء على لغتهم القومية. ومنذ انحلال دولة بني الأغلب في تونس وغيرها، أوسط القرن السابع للميلاد، إلى زمن احتلال آل عثمان شمالي إفريقيا، وذلك في القرن السادس عشر، استمر المغرب تحت ربقة حكومات من سلالات البربر تتوزعه فيما بينها ولم تحسن الإدارة، ولم تعن كثيرا بالشؤون العمرانية والثقافية. بيد أن دولة واحدة هي الدولة الرسمية، التي قامت في طاهرت الجزائر (271م)، شاءت أن تتمثل بدولة بني الأغلب العربية التي كانت في تونس، والتي احتلت أجزاء كثيرة من شمالي إفريقيا وجزر البحر المتوسط. شاءت تلك الدولة أن تتشبه بها في تعزيز الثقافة، بيد إنها حرصت على أن يتم هذا البعث الثقافي على لغتها البربرية. فظهر في عهدها وبلغتها طائفة من الأدباء، وكان على رأسهم أبو يزيد الرستمي. أما وان مؤسس الدولة الرستمية عبد الرحمن بن رستم كان فارسيا فقد تجلى السبب في انفرادها دون الدول الأخرى في العناية عناية حقيقية بالعمران والثقافة، ولكن الذي بقيت أتساءل عنه هو: لماذا اظهر هذا الفارسي تعصبه للغة البربرية دون العربية؟ أكان مصدر ذلك النكاية بالعرب؟ أم تأليفا لقلوب البربر حوله؟ أم للأمرين معا.
على أن البربر لم يستطيعوا في النهاية الصمود طويلا تجاه التيار العربي والحفاظ على لغتهم كلفة علم وسياسية. بل لم يلبئوا أن سايروا النهضة خلال أيام الموحدين والفاطميين في المغرب وبني زيري والصنهاجيين، فظهر علماء كثيرون في المغرب باللسان العربي المبين. ثم تعاقب على شمالي إفريقيا منذ القرن الحادي عشر إلى الخامس عشر شعراء وكتاب مرموقون. أشهرهم ابن خلدون وأبو علي التميمي: معري المغرب، وأبو حسن علي المراكشي فيلسوف المغرب، وساهم معهم في ذلك بعض السيدات وكانت  اشهرهن عائشة الشريفة. وقد نوهت دائرة المعارف للبستاني (ص 788) بسيدة أخرى، وهي زينب إسحاق النفزاوية التي تزوجها السلطان يوسف بن تاشفين (453-500هـ) وهو من دولة المرابطين.
غير انم الذي يقال عن مراكش والجزائر لا ينطبق على تونس فهي كانت، وزلا تزال، قنطرة بين المشرق والمغرب تتأثر بالمغرب فتبدو وسطا بينهما. وهي أشبه شيء لبنان الذي يلتقي فيه كل من الشرق والغرب.
وإلى هذا فان تونس توفر لها باكرا، ما لم يتوفر لواها من بلاد المغرب: توفر لها ولاة احتضنوا الثقافة ورعوها، وعملوا لنشرها. وكان أول من رفع لواء الأدب العربي فيها عبد الرحمن بن زياد المعافري، الشاعر الفحل، الذي ولي قضاء القيروان (94-161هـ). ثم سرعان ما قامت فيها دولة الاغالية العربية (184-296هـ) التي جرت مجرى العباسيين في تعزيز الثقافة وأهلها، وأوفدت البعثات إلى الشرق لطلب العلوم والآداب. وقد اشتهر فيها علي ابن زياد العبسي، وهو أول من ادخل كتاب الموطأ، ومذهب مالك إلى شمالي إفريقيا، كما اشتهر عبد الله ابن قطن. وكان يعتبر أماما في اللغة والآداب. وكان للنساء نصيب من تلك النهضة، واشتهرهن مهرية الأغلبية الشاعرة المطبوعة. وكان كل من جامع الزيتونة في تونس الذي شيد سنة 141هـ . وجامع القيروان منارة للعلوم الدينية والأدبية تشع أنوارها حولها فتهدي السبيل.
غير أن تونس أصيبت بنكسة بعد الاغالبة، وأصيبت اللغة العربية فيها وآدابها بصدمة اشد قضت على إزهارها. ذلك بان بني زيري البربر الذين خلفوا غالبة على القيروان (362-543هـ) تعصبوا لقوميتهم وللغتهم فترجموا إليها الكتب العربية التي يحتاجون إليها، وأهملوا لسان العرب. حتى إذا قام بنو حفص في تونس (625-941هـ.) خلال عهد دولة الموحدين، نهجوا نهجهم في الاعتماد على العربية، وفي تنشيط الحركة العلمية الأدبية. فعادت النهضة العربية سيرتها الأولى.
وفي أيامهم استأسد الأسبان وأنصارهم، واضطروا المسلمين في الأندلس للجلاء تباعا عنها. فهاجر أكثرهم إلى شمالي إفريقيا، ولا سيما إلى تونس. وكان بينهم العلماء، والأدباء، والفنانون. كما أن بينهم الصناع، والنجار والزراع.
وكان هؤلاء المهاجرون يمثلون الحضارة الأندلسية على أسمى مراتبها، فأفادوا تونس وغيرها فرائد جمة في جميع نواحي الحياة. وكان لهم في تونس على ماروى الشيخ محمد بيوم (صفوة الاعتبار 127 ج) مدينة خاصة ابتنوها كانت تمتاز عن غيرها في الهندسة وانتظام الشوارع. فإذا بتونس تشهد في عهد بني حفص، نهضة عامة، وإذا ببعض التونسيات يساهمن في هذه النهضة أسوة بأخواتهن الأندلسيات ولا بدع فعند التونسيين من المرونة والاستعداد للتطور ما ليس عند كثير من الأقطار العربية الأخرى.
على أن المغرب الأقصى وان لم يتأثر باللاجئين إليه من الأندلس بمقدار ماتا ثرت بهم تونس في النواحي الثقافية والاجتماعية والفنية إلا انه امتاز على الأمصار المغربية الأخرى بحفاظه على الطابع الإسلامي العربي الأصيل خلال القرون الوسطى وبعدها، ولا سيما في الناحية الأخلاقية.
واني وان لم احظ حتى الآن بزيارة هذا القطر الشقيق إلا في الفرصة أتاحت لي التعرف على بعض أهله في أوربا منذ مطلع هذا القرن، كما أتاحت لي سماع الثناء على أخلاقهم الطيبة ففي زيارتي الأولى لانكلترا سنة 1913 أسعدني الحظ بالاجتماع في مانشستر ببعض التجار المراكشيين، وبسماع الثناء الكثير من الانكليز على استقامتهم في المعاملات وصدق لهجتهم. زد على ذلك أنهم كانوا في انكلترا يحافظون على زيهم المغربي وعلى تقاليدهم الإسلامية حتى أنهم كانوا إذا جاء العيد يعيدون وكأنهم في المغرب فيقيمون الولائم الوطنية، ويدعون إليها الجالية الإسلامية لتشاركهم في أفراحهم وشعائرهم الدينية.
على أن الأحوال العامة في المغرب وان تبدلت فيما بعد خلال الاحتلال الفرنسي تبدلا كثيرا شمل أقسامه الثلاثة على السواء إلا أن المغرب الأقصى أعرب عن مناعة اشد من سواه، وهو رغم كل ما أصابه من فتن استعمارية لا يزال يحتفظ بطابعه الإسلامي العربي أكثر من البلاد العربية كلها.
ومن حسناته انه وان كان يبني الآن صرح مستقبله على قواعد جديدة فهو لم يقطع صلته بماضيه المجيد. وفقه الله لما يحبه ويرضاه.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here