islamaumaroc

ثقافة القرآن ثقافة عالمية

  دعوة الحق

76 العدد

من الناس من يولدون ويكبرون ويقضون الأعمار المعتادة أو الطويلة. ومع ذلك فأنهم لم يتمتعوا بمعرفة جوانب البيئات التي عاشوا بين أحضانها، شانهم شان الحمار يحمل أسفارا يتناول المهتدي سفرا منها فيتوجه بمعرفة ما اشتمل عليه إلى الوجهة التي خلقه الله ليتوجه إليها، أما الحمار فمهمته تنتهي بكونه حاملا أسفارا ينقلها من جهة إلى وجهة. ومن آتاه الله الوعي فقد آتاه خيرا كثيرا، وقد أمرنا الله عز وجل بصورة غير مباشرة بان ننعم النظر فيما خلقه في سماواته وأراضيه، فقال منددا بأقوام ضاقت عقولهم وعجزوا عن مسايرة سنن الله في خلقه فقال جل من قائل (وفي أنفسكم أفلا تصبرون؟) قال هذا حينما كان المشركون يطلبون أن يروا المعجزات والخواريق للعادات. وأولى الناس بالتفكر المومنون وأولاهم بذلك النبئون والمرسلون. وليس من الحق أن نضع حدود مفاهيم القرآن الكريم حيث وصل بها المفسرون القدماء وكذلك المحدثون فان المفسرين إنما فسروا القرآن داخل حدودهم الضيقة وأيام عزلهم عن بقية أطراف العالم. أما اليوم وقد اتصلت حلقات سلسلة الخليفة وأصبحت الدنيا متقاربة المكان والزمان والتفكير وأصبحت لنا الوسائل التي تمكننا أن توسع نطاق أفكارنا إلى الحد الذي وصلته الساعة، دون أن تدعي أن هذه النهاية، فإنما نحن في وسط الطريق، لسنا ندري ماذا قطعناه منها ولا ما بقي أمام البشرية أن تقطعه، ولنا أن نسجل معطياتنا ومكاسبنا في هذه المرحلة الحلوة التي نقطعها. إنما نحن أدركنا الفرق بين حاضرنا وماضينا لأننا في الماضي وكانت ثقافتنا طيلة السنين العشرين الأولى من حياتنا كلها مأخوذة عن الإنتاج المتأثر إلى أقصى الحدود بثقافة القرون الوسطى. فلما هاجمتنا أوربا وغزت بلادنا واحتلت أفكارنا ووجهت وعينا، مثل ما أخذتنا معارفها وحضارتها فإذا بنا نتحول من امة معصوبة العينين إلى امة سميعة بصيرة، ودفعنا الإعجاب بالجديد-بالنسبة ألينا- إلى أن نكتشف أن العالم كان موجودا قبل الإسلام، وان الإسلام نفسه أحالنا في ترغيب وترهيب على أن نسير في الأرض لننظر ماذا اتنجه الأقدمون، وما كانت تصرفهم، وما بلغوه من المجد والشموخ، وكيف كانت عاقبة الذين من قبلنا كنتيجة للنهج الذي انتهجوه في تاريخهم أن خيرا فخير وان شرا فشر. واختلفت قراءتنا للقرآن هذا اليوم عما كنا نقرؤه في ربيع عمرنا ، فإذا أخذنا نقرا عن تاريخ الأقدمين ثم نتلو بعد أورادنا القرآنية نجد تقاربا شديدا بين ماضي البشرية وحاضرها، وان ما كنا نعده بعدا بين حضارة الإغريق والرومان ومن سبقهما من البابليين والأشوريين والأقباط والفنقيين والعبريين وبين الحضارة القرآنية الإسلامية لم يكن له من وجود إلا في تنايا عقولنا الضيقة، وإلا فان القرآن يمثل الدرة الغالية وسط عقد اللؤلؤ المكنون الحضاري. وقلما فكرنا في النماذج الإنسانية الشالة التي يرددها القرآن الكريم.
وكان البعض منا يحسب أن القرآن لم يعرف إلا ما اشتملت عليه الثوراة والإنجيل وغاب عنا أن نفكر في ذي القرنين، فانه إغريقي يوناني مقدوني، فهذا الملك العظيم الذي قاد الأمة الإغريقية إلى أرقى أمجادها التاريخية رقيا كان ثمرة لما بذله من جهود في سبيل العلوم والفنون، وما بنته من حضارة جذرية قررت الإطار العام للحضارات التي أتت بعدها. ليس ذو القرنين سوى لاسكندر الأكبر المقدوني. فهذا الملك الذي إنني عليه الحق بقوله (أنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا) ونوه القرآن بإعماله الإصلاحية في حماية الأمم المتحضرة من جاهلية رحل الأسيويين المسلمين في التوراة جوج ومأجوج، وفي القرآن يأجوج ومأجوج لهو عرض لمظهر نبيل من مظاهر الحضارة اليونانية. وكان له ابن حالة-حسبما ذكره المفسرون- وهو الذي رحل إليه للأخذ عنه موسى وقتاه يوشع بن نوح عليهم السلام وقال الله في ذلك (فوجدا عبدا عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما) والقرآن الكريم بهذا العرض النزيه يفهمنا أن البشرية ليست بين ابعاضها فواصل ولا حواجز، ولا طبقات، فهذا موسى عاهل العبرانيين ومن أولى العزم من الرسل، يرحل لملاقاة رجل إغريقي، ليأخذ عنه علما لا يعلمه. وهذا هو التعليم الصحيح في لعلى مستوياته ونقل لنا القرآن الكريم بعض تصرفات الخضر الإغريقي عليه السلام وأصبح في التاريخ الإسلامي شيخ مشايخ المسلمين، ومشغل الصوفية بسلوكه وهديه صفحات من المجد والكرامة. ولسنا الآن في معرض تحليل الجزئيات، وإنما قصدنا أن نثبت اعتراف الإسلام بفضائل الحضارات القديمة والاعتناء ببعض فروعها، وهي التي تناسب الأسلوب القرآني الذي يتناول الشؤون من ناحية عرض امجد الأعمال، وامجد الأشخاص، وهنالك شخص ثالث يوناني يسميه القرآن (لقمان) ونقل لنا القرآن بعض وصاياه لابنه واعتبرناها عناصر أساسية في التربية الإسلامية. فلنعلم ألان إنها وصايا يونانية اقرها الإسلام بنفس القيمة التي كانت لها في امة الإغريق. وصورة الحج الإسلامي لا تختلف كثيرا عن مواسم الإغريق في زيادتهم (الاكربول) وإنما لم لم ينفذ الحكم على سقراط في الوقت المحدد، لأنه كان في الأشهر الحرم التي كان اليونانيون يحرمون فيها إزهاق النفوس. وإذا قال الله سبحانه (وان من امة إلا خلا فيها ندير) فانه يعني من بين هذه الأمم اليونان. وهذا يونس عليه السلام وهو ذو النون كان من (نبنوى) وهي قرية في صميم العالم اليوناني الواسع القديم وسماله القرآن نبيا، ولكن اليونانيين لم يسموه بهذا الاسم حيث كانت لهم دول غير الدول السامية، فكانوا يسمون رجالاتهم حكماء، وكانوا يسمونهم أبطالا ولم تكن النبوة بمعناها السامي معروفة لديهم، رغم أنهم كانوا يعرفون السدانة والكهانة، والسحر، لكن هذه المراتب كانت وثنية، أما الموحدون فكان لهم عالهم، ولهم فلاسفتهم، يدافعون عن الأفكار الصالحة، وكانت الطبقات الممتازة منهم ذات ديانات خاصة تختلف عن الديانات الشعبية، ومن ذلك عقيدة التوحيد وما أجدر أفلاطون وارسططالس وإضرابهما أن يكونوا أنبياء ورسلا. نكن العالم اليوناني الحكيم لم يكن بقيل النبو آت بالصورة التي كانت عليها في بوادي بابل حيث عاش إبراهيم عليه السلام، ووجه الفكر السامي له طابعه النبيل، أما الرسالات في العوالم المتحضرة الأخرى من مصرية وبابلية وأشورية فكانت الحكمة والحجة وهي التي مهدت الطريق النصرانية لما اخدت بين طرفي الثقافتين السامية ورسولهم بقوله (أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين) ونوه القرآن بالسفن والمواخر، وما كانت الرواسي في البحر كالإعلام من سفن أمم البحر الأحمر، وإنما كانت سفنا إغريقية ورومانية وفينيقية، ذلك لان القرآن يرى في البشر أنهم بنوا رجل واحد، وإنهم متجاورون متبادلون للمنافع، ولم يعترف بغير الفارق العقدي. أن القرآن لا يعيش في عزلة وإنما البسه حلتها رجال صالحون كانوا في عزلة فنظروا القرآن بمناظرها وقد تدهشهم بعض التعابر القرآنية لأنها في صميم خضم الحياة البشرية العامة فقد قراوا قول الله (كما راسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) فأما الكتاب فقد عرفوه وهو الحي وإما الحكمة فاختلفوا فيها لأنهم غفلوا عن دراسة نفسياتهم وما اصطفت به من انتمائها إلى عالم الكتاب.
 ولو ساروا على طرق التفصيل وانتقوا من تاريخ الحضارة أسالبها لما عسر عليهم أن يجدوا المفهوم الاجتماعي لعبارة الحكمة. ذلك أن العالم باعتبار الهداية والعمل الصالح يقسم إلى عالم الكتاب وعلى رأسه بنو إسرائيل؛ وإلى عالم الحكمة وعلى رأسه الأمم اليونانية. فلما نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء قرآنا جامعا بين الكتاب والحكمة باعتبار أن الأمرين معا تراث أنساني، للمسلمين أن يستفيدوا من احدهما كما يستفيدون من الأخر. وبحسب النظرة السطحية يبدو أن القرآن اخذ من عالم الكتاب-بني إسرائيل- أكثر مما اخذ من عالم الحكمة-اليونان- وليس الأمر كذلك بل الكتفان متساويتان، فقد نقل القرآن لنا من الحكمة ما لا يقل عما أخذه من الكتاب مع الزيادات القيمة والتعليمات الموجهة والتعديلات القومية «أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم» فحيثما كانت الحسنى اخذ بها القرآن الكريم ومثل ما هيمن على الكتاب هيمن على الحكمة، فاستعمل المحاورات السقراطية في نحو قوله سبحانه (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدنا) والمنطق الارسطاطاليسي في مثل قوله (ولو اتبع الحق أهواؤهم لفسدت السماوات والأرض) ومثل لنا جانبا من ترف الرومانيين حين قال (ولولا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من قصة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسروا عليها يتكئون وزخرفا) وتأمل في قوله سبحانه (وسروا عليها يتكئون وزخرفا) وتأمل في قوله سبحانه (وسروا عليها يتكئون) وتذكر أن مجالس لهو الرومان كانت ذات أسرة فخمة يشرب عليها المترف ويداعب القيان، ونرى في هذه المعجزة العظمى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم علما بأنه عليه الصلاة والسلام لم يطلع على هذه المجالس ولا يمكن أن يحدثه بتلك اطاصيل احد ممن عرفهم فبقى الأمر وحيا صرفا. وفي هذه الآية مزيج من الثقافات بحيث علم أن التمدد على الأسرة في جامع اللهو كان شان الارستقراطية الرومانية، عرف إلى جنب ذلك أنهم كانوا يتنافسون في زخرفة الأبواب وتطعيمها بالنقوش وتصفحها بصفائح ومسامير الذهب والفضة، ففي ذكر الأبواب بجد الفكر نفسه منجذبا إلى اعتبارين، إما أن الكلام من باب حذف النعت كقول القائل: فلم أعط شيئا، ولم امنع، يعني لم أعط شيئا كثيرا ولم امنع شيئا قليلا، فالأبواب غير الموصوفة لفظا موصوفة معنى بأنها أبواب مبالغ في زخرفتها، وأما أن السباق سباق حديث مع العرب بصفة مباشرة، وكانت ببيوتهم بمكة والمدينة ليست لها أبواب اكتفاء بأبواب الدور لان المعمارية العربية المأخوذة عن الهندية والفينيقية كانت الدور فيها عبارة عن حصن صغير قلما توجد له نوافذ إلى الخارج، وإذا وجدت النوافذ فإنها غير مفتقرة إلى الألواح الزجاجية حيث يوجب إغلاقها حالة شبيهة بحالة الاختناق لشدة الحرارة وانحباس الاهوية في أكثر الأحيان، فكانت أبواب البيوت في الداخل إنما ترخى عليها الستور ولا تتخذ لها المصاريع، حتى أن التشريع نص على الأدب في دخول هذه الحجر حيث يقول الله سبحانه:(ليستأذنكم الذين ملكت إيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد الصلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن) فلو كانت الحجر ذات مصاريع خشبية لكانوا أمروا بان يغلقوها عليهم بالمزاليج ولكنها كانت ذات ستائر ليس إلا. والمعتاد أن الخدم والأطفال في الدار يلجون الحجر كلها من غير استئذان فأمروا أن يستأذنوا في الأوقات المعهود فيها أن بفضى الرجل إلى أهله إذا استيقظ لصلاة الصبح فانه سوف يغسل للانصراف إلى المسجد، والبلاد الحارة يشتد فيها الميل الجنسي فقبل أن يغتسل المسلم يريد-في أكثر الحالات- أن يفضى إلى أهله، وقد تدخل الخادم أو الطفل فيجد سيد البيت داخل سريره لقضاء إربه من أهله فكان النهي عن الدخول إلا بعد استئذان وإذن وكذلك عند راحة وسط النهار فلقد كان الأنصار أصحاب أعمال وملاك آبار فإذا كانت الظهيرة عادوا من أعمالهم إلى بيوتهم وقد تدعوهم الحاجة إلى الخلوة بأهلهم فمنعت الخادم والطفل من رفع الستر عن باب الحجرة التي فيها سيد المنزل إلا بعد إذن واستئذان، وكذلك الشأن بعد صلاة العشاء. وفي هذا تنبيه للرجل بان لا ينساق إلى شهوته في كل وقت وحين لأنه يتعرض بذلك إلى هتك حجاب الوقار بينه وبين خادمته وولده وبنته، لأنهن ماذونات في أن يلجن دون إذن فيما عدا الأوقات الثلاثة.
وإنما نكبد المجتمع العربي هذه الصعوبة لأنه مضطر لاقتصاد ثمن المصاريع الخشبية، ولأنه في حاجة إلى شم الهواء. وكانوا يرون الأبواب ذات المصاريع نوعا من الترف الذي تتوق إليه نفوسهم. فلذلك سيق مساق الكفاف والتقشف وعدم الانسياق إلى متاع الدنيا. وإما المعارج فكانت تلك المعارج العريضة البالغ عرضها أربعة أمنار فأكثر المقامة من الرخام القليلة الارتفاع فيما بين الدرجة والدرجة، وهي تشمل نوعين: نوعا يتمثل في المدرجات الدائرية المحدقة بميادين صراع اللهو (الكالسيوم) فإنها معارج تشكل مظهر من مظاهر الترف المجموعي ومعارج مستطيلة في صدر قاعات الاجتماع عند الرومانيين،ـ يقوم عليها الخطباء ومندوبو الأمة ويجلس في أعلى درجاتها الإمبراطور وحاشيته وكلا المعراجين يعبر عن الرخاء والحضارة والترف أما سقف الفضة فلسنا ندري ماذا دعا العرب إلى أن يجعلوها حلما من أحلامهم وأمنية غالية من أمانيهم.

وفي كثير من المناسبات يقول الله سبحانه (أولم يسيروا في الأرض فينظروا) وهذا معناه أن اتساع الفكر بالسباحات وكسب المعلومات يساعد الدعوة الإسلامية ويجعل فهم الناس ميسورا لما يقصه عليهم القرآن من حقائق الكون. والدنيا لله يجبي منها ما يشاء فيرضاه، ويمقت ما لا يرضيه ويحث على الإعراض عنه. وجاء الإسلام فوجد الدنيا عند أهلها طبقات، والناس في مراكزهم الاجتماعية درجات، وفي أكثر الحالات كانت أحسن الأنظمة لأرفع الطبقات، وأسخفها للطبقات المنحطة، هكذا وجد الإسلام وضعية الناس فرفعهم دفعة واحدة إلى أعلى المستويات، لأنه لم يشأ أن ينزل بالراقين إلى درجة المنحطين، بل عمل على إلحاق المستويات المنخفضة بالمراتب السنية. فقد كان بمكة أصناف من الأزواج منها ما هو سفاح محض، وكانت طبقة الإشراف تتزاوج على الطريقة التي اقرها الإسلام وحدها واعتبر ما سواها سفاحا حراما، وكانت الشريفات يتمتعن بميزة الحجاب وأكثر ما مدح الشعراء ذوات الخدور اللائي كن لا يطلن المكث حتى في نواحي الخيام بل كانت أقامتهم في خدر خاص، فإذا حان وقت الرحيل أنيخت لهن المطايا ليركبن الهوادج، فينقلن من الخدر إلى الهودج إلى أن ينزلن في خدر لائق بشرف محتدهن، في حين كانت فيه المرأة العربية من الطبقات الواطئة تعتبر من التبرج أن  تطوف بالبيت عارية البدن إلا من سترهة شبيهة بـ (بالبكين) في وسطها دون صدرها، فكره الإسلام الإسفاف بالمرأة إلى حد أن أصبح المتنطعون يلجئون إلى واد بناتهم دون أن يجدوا من ذوي الأحلام من يردعهم، ووضع المرأة في نصابها كانسان دي حرمة وبايع المرأة كما بايع الرجل. وأكرم الله عقائل من مختلف القبائل فتزوجهن عليه الصلاة والسلام ورضي عنهن وبواهن اسنى ما كانت تطمح إليه اجل امرأة في الدنيا، وكان المقياس الحضاري في يد الروم فكانوا يتخذون للرقيق والأسيرات اللباس القصير، أما الارستقراطيات والمحجبات عند بعولتهن من الإشراف، وقد يمكن القول بان اللباس الطويل الفضفاض المجرور الذيول لم يكن بالمباح أن تلبسه امرأة من الطبقات الوضعية مثل ما كانت الشريفات يتنزهن عن اللباس القصير ولا سيما في الحفلات والاجتماعات المختلطة. ورضى الإسلام للمرأة اللباس الطويل، فأمر بان يكون لباس عامة المومنات، واقرأ أن شئت قول الله سبحانه (يا أيها النبيء قل لأزوجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) وترى السباق المرتب هنا ترتيبا خلقيا إنسانيا، فأزواج النبي عليه السلام يجب عليهن أن يتسترن إعلانا لخلة الوقار والحياء، وسترتهن لا يعني البطالة والفراغ، فقد كن قائمات بواجب التبليغ في البيت وبواجب المهنة أيضا، فهذه سودة رضي الله عنها كانت تحترف الدباغة على ما تقتضيه هذه الحرفة من تقشف وعناء، ولكنها في وقت الصلاة كانت تلبس لباسها الطويل المنسحب على الأرض لتصلي في الصفوف الأخيرة خلف الرجال، وما كان الإسلام ليخص بالفضل فريقا من المومنات دون الأخريات، فكان التكريم في الدرجة الأولى لأزواج الرسول وبناته ثم شاركهن غيرهن من شاء من المومنات. وهنا نجد أيضا رائحة التأثير الحضاري الروماني مثل ما لمسناه في الحياة القرشية المتأثرة برحلتي الإيلاف، رحلة الشتاء إلى اليمن في الجنوب شبه الجزيرة العربية، ورحلة الصيف إلى الشام شمال شبه الجزيرة، فان اليمن بلاد الرمال ومواطن الاحقاف يسهل فيها السير أيام الشتاء، لان الأمطار تثبت الإقدام في الرمال، بخلاف الشأن في الصيف فإنها تكون مهيلة منهالة، أما طريق المكيين إلى الشام فاغلبها التيبس والحر، وليس من المعقول أن يتردد تجار قريش بأحلامهم الثاقبة وأحاسيسهم المرهفة ونخوتهم الخارقة دون أن يتأثروا بالحضارة الرومانية البزنطية، ومن غير شك أنها كانت هي المقياس، وهذا عبد الله بن جذعان كان يصنع الفالودج ليطعم ضيوفه من أفضل ما يطعمه الرومان، وليست مجالس القيان بمكة واتخاذ آلات الطرب واللهو وإشاعة الترنم بالغناء إلا أخذا عن حضارة الروم في جوانب من جوانبها، وإذا اخذ الذين يكفرون بالرحمن من الحضارة عيوبها فان الإسلام اخذ بمزاياها، ومنها الثياب الضافية الفضفاضة السقراطيات وكل المسلمات ارستقراطيات لأنهن يشكلن طبقة واحدة هي طبقة الرماة المسلمة دون بحث في لونها ولا في أصلها وفصلها، فهي بنت الإسلام وكفى. وظلت وهي امة سوداء مضرب الأمثال في الجهاد والتضحية ما دام القرآن يتلى أيام نزوله وبعد نزوله إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله. نعم لقد كان اخذ العرب عن الروم وفارس والقبط وبني إسرائيل مشوها حتى نزل القرآن فرد الأشياء إلى أصولها، واستخدم نفس القواعد الراقية التي استخدمها الروم، ولو نزل بلغة لاتينية لأدرك أسراره اللاتينيون. لكنه نزل عربيا لمخاطبة العرب في الدرجة الأولى، وهم وان لم يكونوا من المعرفة في مستوى الروم فهم من الناحية الخلقية والنفسية أعلى كعبا منهم، وإنما ينظر الله إلى القلوب ولا ينظر إلى المظاهر التي لا ترتكز على دعامة الإيمان فقد استخدم القرآن المنطق الإغريقي فرد على السفسطائيين أقوالهم بعد أن حكاها عنهم، كقوله سبحانه حكاية عنهم (أنا وجدنا آ’باءنا على امة وأنا على آثارهم مهتدون، وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها أنا وجدنا آباءنا على امة وأنا على آثارهم مقتدون) فهذه سفسطة محضه. لان قائليها أنفسهم لا يومنون بهذا القيل، لأنهم لا يمكن أن يكونوا مثل آبائهم في كل شيء، ولان كل جماعة لابد أن تعترض بعض أفكار من تقدمها، لكن لما أحرجوا استعملوا لغة المغالطة، فرد الله عليهم ردا منطقيا سهلا على رسولهم، فقال له (قل أولوا جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبائكم) وحكى عنهم نوعا من الخطابة-وهي ما نسميه في وقتنا الحاضر بالديماغوجية- وهو أسلوب من الكلام لا يزين الفكرة بالألفاظ وإنما يجندها بطريقة انتقاء الألفاظ ورصها رصا موجبا كقوله تعالى حكاية عن الدهريين (هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد) فإذا حللت هذه الألفاظ عن طريق الإسناد. اللفظي لا يوجد فيها ما بخير بإنكارهم للبحث ولكن تفصيلهم لتمزق الأشياء وتأكيدهم بقولهم كل ممزق تبرعا دون أن يطلب منهم، فيه إيماء بان هذا غير ممكن، والخطابة تختلف عن الشعر، في أن الشعر يزيد على ذلك تشويقا إلى الفكر المرادة بطريقة الإطراء أو تتغير من فكرة يرغب في معارضتها بالالتجاء إلى استهجان بإحدى طرقه كقوله (أراغب أنت عن آلهتنا يا إبراهيم) فأنهم في حوارهم هذا يوحون إلى المستمعين بان ما يتركه إبراهيم آلهة حقيقية لهم، ولو رغبوا في الأسلوب الحيادي الذي لا تكييف فيه لقالوا: أراغب أنت عن معبوداتنا، فرد عليهم في بعض محاوراته مع أبيه بطريقة برهاني شعري في آن واحد فقال (يا أبت لم تعبد
 ما لا يسمع ولا ببصر ولا يغني عنك شيئا) وفي الجدال بقوله(لا اعبد ما تعبدون ولا انتم عابدون ما اعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا انتم عابدون ما اعبد لكم دينكم ولي دين) إلى قوله (إنما اعبد رب هذه البلدة التي حرمها، وله كل شيء) وقد اشتمل الجدل هنا على شعر أيضا. وبعد أن اثبت عظمة معبوده خطا معهم خطوة خطوة إلى الإمام فقال (أن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وان يسلبهم الذبابا شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) ثم يلقي بها صريحة فيقول (وما قدروا الله حق قدره) فقد استخدم القرآن المنطق الإغريقي في أروع صور التطبيق. كل هذا على لسان الصادق المصدوق الذي لم يتقدم له أن تعاطي العلوم (وما كنت تدري من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك)
فاخذ القرآن من كل امة أحسن ما عندها وفسح صدره للفنون الجميلة إلى الحد الذي ارتضاه، وبينما نجده يندد بالوثنية إذا به يلتقط لنا صورة بالغة في الروعة لو قدر لمنصف ماهر أن يسجلها لأخذت بمجامع الألباب. ففي موطن بالغ من الجدية كل مبلغ يزف لنا سلوى للترويح والادكار، فان من أصعب المواقف المعنوية موقف النشر والحشر. فإذا نشروا من قبورهم ونودوا بان يقصدوا مكان الحشر يأخذون في قصده كل السبل والطرق كما قال الله سبحانه (وهم من كل حدب ينسلون) فهذا تعبير لا غموض فيه وجاء وجاء في نفس الموضوع (يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون) ولا يمكن أن يضرب لتفهيم العرب مثل ابلغ من هذا المثل، ويجوز أن يضرب لهم بإقبالهم على موسم الحج أو سوق عكاظ لكن الذين لا يحجون ولا يذهبون إلى عكاظ عددهم كثير جدا فتبقى الصورة غامضة في أذهانهم. أما النصب والصنم ففي كل قبيلة له مكان يقصد في مواسم معينة فيأتيه أهل القبيلة ومن في حلفهم من القبائل الأخرى ليقضوا حوائجهم ويتزاوروا أقرباؤهم ويقررون الحرب أو الهدنة معللين ذلك كله بأنه من مراسيم النصب أو الصنم أو البيت. وإذا علم أن من شانهم في اجتماعهم بالنصب أن نساءهم يرقصن مرجرجات الأرداف استنادا لقول أمريء القيس:

فعن لنا سرب كان لعاجه
                 عذاري دوار في ملاء مديل

وهذا منظر اخاد للشباب وللرجال والنساء عموما فإذا وقع التمثيل به أسرع محبه إلى الخاطر إسراعا لا يضاهيه إسراع. وها تبجيل لأحد الأوضاع الجاهلية مما يتدرج في الثقافة العربية بصفة عامة. وهناك اعتبارات استثنائية تتمثل في قوله سبحانه (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وقوله (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث) وهكذا يزخر القرآن بالأمثال والحكم والمواعظ والإحكام. وهو يخاطب البشر تارة ويتوجه إلى العرب تارة ويشير إلى العجم حبنا بعد حين. «ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقراه عليهم ما كانوا به مومنين» ثم يصب هذه الثقافات كلها في قالب واحد بعد تأكيد ما يتأكد منها والازدراء بما يزدري، في أسلوب رائع وهيمنة لا تحدها اللحدود (ولو كان من غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل).


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here