islamaumaroc

دراسات حول الأدب المغربي الحديث -2-

  دعوة الحق

76 العدد

4) مصاعب تواجه الأدب المغربي الحديث.
يجتاز الأدب المغربي أذن فترة دقيقة من تاريخه وذلك لكثرة المصاعب التي تواجهه، وتعرقل نحوه، وتبطئ به عن التطور، واللحوق بالآداب العربية الأخرى، في بلدان عربية أخرى، ومصدر دقة فترته هاته انه بسبيل أن يجد ذاته، أن يكفيها حسب مقتضيات الشخصية المغربية، وان يسلك بها سبيل التفتح، لتلقي مع الآداب العربية والغربية فتتفاعل معها، وتأخذ منها وتعطيها، وبالتالي تشارك في الآداب الإنسانية، وتساهم في التخفيف من إلام الإنسان وإحزانه، وتساعده على حل مشاكله والخروج من أزماته، فأدبينا إذن في مرحلة انتقالية،   دائما تكون محفوفة بالمخاطر، لأنها بصدد استبدال وضع بوضع، وحال يحال، وهذه عملية معقدة بالغة التعقيد، يتجاذب فيها القديم والحديث ثوب الأدب، وتقوى فنون أدبية كانت ضعيفة، وتظهر فنون جديدة لم تكن من قبل، هذه تحتاج إلى جهود متواصلة لإرساء قواعدها، والتمكين لها من التربية الأدبية،، المغرب الأدبي يجتاز اليوم مرحلة شبيهة بالمرحلة التي اجتازتها مصر الأدبية في مطلع هذا القرن، عندما أخذت نتنبه لشخصيتها وتجبل يد الإصلاح في أجهزتها الثقافية وأوضاعها الأدبية.
فلا عجب إذن إذا وجدنا مصاعب كبيرة تواجه المصاعب؟ المغربي الحديث تعوقه عن السير الحثيث، فما هي هذه المصاعب؟
لعل الصعوبة الأولى التي تواجه أدبنا الحديث، هي الرقعة الضيقة التي يشغلها في حياتنا الثقافية، إذ أن مثقفينا ينقسمون إلى قسمين، هناك من لا يقراون، مكثفين بالشهادات الجامعية التي يحملونها، وهناك من يراءون، ولكن في الآداب الجانبية، وهؤلاء يكونون الأغلبية، وهناك أقلية هي التي تقرا في الآداب العربي، رغم ضآلتها تنقسم قسمين: طائفة تقرا قراءة مرتجلة خاضعة لمحض المصادفة وليست قراءة جادة هادفة وطائفة-وأفرادها قليلون- تقرا جادة مخلصة صادقة، بيد أن الآداب الشرقية تظفر بقسط كبير من اهتمامها، وقليلا ما تلتفت إلى الأدب المغربي الحديث، لتشجعه ونتجاوب معه، وبذلك يكون أدبنا الحديث لا يشغل كما قلت آنفا إلا حيزا ضيفا من حياتنا الثقافية، فحوله حزام من اللامبالاة، ونطاق من الإهمال والصد والأعراض، ومن المعلوم أن أي أدب لا يكتب له أن يتنفس بكامل الحرية ولا أن يتوثب للنهوض بكل قواه، إلا إذا فسح له في الطريق وخلى بينه وبين الانطلاق، ولست أعنى الانطلاق فيما يتناوله من قضايا ومشاكل وآراء فقط، بل اعني كذلك الانطلاق في مساحة واسعة من المجتمع، لأنه بهذا الانطلاق يتاح له أن يستفيد من اكبر عدد ممكن من المواهب والملكات، فتغذيه بلبن جديد، وتمده بكثير من عناصر الحياة، وتكون سنده في النماء والتطور.
وثانية صعوبة تواجه أدبنا الحديث، هي النظرة التي ينظر بها إليه من قبل أكثرية مثقفينا، والطريقة التي يتلقونه بها، والمقياس الذي يقيسونه به، وخلاصة ما يقال عن نظرتهم إليه أنها نظرة استخفاف وإهمال، ولماذا؟ لعاملين اثنين: العامل الأول انه صادر عن مغاربة، على طريقة المثل الذي يقول (مغنية الحي لا تطرب) فنحن لم نتعلم بعد كيف نحترم أنفسنا، ويفوتنا إننا إذ نستخف بأديب مغربي، فنحن مسؤولون-أحببنا او كرهنا- عن فشله وعزوفه عن فنه لو قدر له ذلك، ويفوتنا إننا بهذا العمل نقتل المواهب وهي في المهد، ولا نفسح لها في الظهور، وأما العامل الثاني فهو إننا نريد أن تكون أعمال أدبائنا ناضجة قوية تقف مرفوعة الرأس إمام أعمال كبار أدباء الشرق، وإلا فهي لا تحظى منا بأدنى اهتمام، وكيف يستطيع أديبنا أن يصل إلى هذا المستوى الذي نريده بين غمضة وانتباهها، أو بين يوم وليلة؟ كيف يتأتى لأديبنا أن يكون قابا بارعا ناضجا في يوم ميلاده الأدبي؟ لماذا لا نشجعه  استحق منا التشجيع، ونبارك أعماله إذا برهنت على حسن الاستعداد، ونتوجه إليه بالنقد البناء، لننبهه إلى أخطائه

ونأخذ بيده نحو هدفه البعيد، مخلصين في ذلك كل الإخلاص؟ إننا لا نفعل إزاء أدبائنا إلا شيئا واحدا، هو التحطيم...
وثالثة صعوبة تواجه أدبنا، هي أن أدباءنا الناشئين حين يريدون أن يجددوا ويبتكروا، يجدون أنفسهم يبنون على غير أساس، إذ ليست وراءهم تجارب طويلة قام بها أدباء مغاربة من قبلهم في ميدان القصة والمقالة والمسرحية، فيضطرون إلى الاعتماد على تجارب أدباء غير مغاربة ومن الشرق العربي بالذات، وتكون النتيجة أنهم يجتحون إلى تقليدهم أحبوا أو كرهوا، وإذا بك تجد قصتهم أو مسرحيتهم أو مقالهم لا تخلو من العناصر الشرقية، التي لا يعجزك أن تردها إلى أصولها من أدب فلان أو فلان من أعلام النهضة الأدبية الحديثة في الشرق العربي، وهذا يشبه إلى حد ما، مكان كان عليه الأمر في مصر، عندما أراد أدباء مصريون أن يكتبوا القصة، فاخذوا هيكلها وأصولها وقواعدها، بل وحبكتها وحداتها وببيئاتها عن الغرب، عندما لم يجدوا تاريخا قوميا وراءهم في هذا الفن، يبنون على أساسه.
ورابعة صعوبة تواجه أدبنا الحديث، هي انه يشق الطريق نحو النور، في الوقت الذي بلغت فيه الآداب العربية الشرقية درجة عالية من القوة والنضج والتفوق، سواء في الكيف أو في الكم، فالمطابع الشرقية تتبارى في الرمي بالإلف الكتب من كل لون وفقن، وهذا الفيض الزاخر من الإنتاج الأدبي المتنوع يملا مكتباتنا ويغزو أسواقنا، ويأخذ على قارئنا قبله وعقله ويصرفه عن إنتاجنا المحلي، فإذا ظهر كتاب لاديبق مغربي-وما اقل ما ظهر- جاء كقزم إزاء عملاق، وكالنجم في حضرة القمر، فتضاءل وانزوى على استحياء، وأين هو ذلك القارئ المغربي الذي تأخذه الغيرة على أدب بلاده، فتمتد يده إلى لك الكتيب المغربي الغريب في وطنه،وليعرفه من زوايا النسيان والإهمال؟وهكذا يظهر الكتاب المغربي فلا يكون له في أوساطنا الأدبية ذلك الصدى الذي يشجع صاحبه على الإقدام على محاولة ثانية، فإذا كان ذا عزيمة صادقة وثقة بالنفس، استمر في عمله متحملا الصدمة في صمود وعزم، وإلا انصرف عن الإنتاج وعزفت نفسه عنه.
والأدب الشرقي ماض في تطوره الجريء، سخيا إلى ابعد حدود السخاء، ينشر رسالته في الحياة العربية، ويروي غلة كل متعطش إلى الآداب الرفيعة، ونحن نبارك خطواته الجريئة، ونهب بأنفسنا أن نغترف من منهله الزاخر، ولكن يجب أن يكون هذا باعثا لنا على أن نتعهد وجودنا الأدبي بالرعاية والعناية، وان نلتفت إلى أنفسنا لنقول كلمتنا-مهما كانت متواضعة- في كل موضوع وفن، مقتنعين بان النبتة الصغيرة لا بد أن تستحيل إلى درجة عظيمة، متى لقيت من يتعدها بالسقيا، وان الأدب الشرقي نفسه اجتاز نفس المرحلة التي نجتازها اليوم في الأدب والثقافة، فلنأخذ منه العبرة، ماضين نحو أهدافنا البعيدة.
وصعوبة خامسة تواجه أدبنا المغربي الحديث، وهي غموض تاريخ الأدبي المغربي في أذهان جل أدبائنا الناشئين بنصوص مبعثرة، وأكثرها مخطوط، يحتاج إلى من ينقض عنه الغبار، ويحققه ويرفع به إلى المطبعة، كما يحتاج إلى ذلك المؤرخ الذي يرتب فصوله، وينظم مراحله، ويعرف برجاله ويبرز العناصر التي ساهمت في تكوينه، والعوامل التي أثرت في اتجاهاته، حتى يكون أديبنا على بينة من تاريخ بلاده الأدبي، شاعرا بمدى مساهمتها في الآداب الإنسانية، واضعا يده على شخصيتها الأدبية، متبينا أخر وضع وصل إليه الأدب المغربي في حقبته الأخيرة، السابقة لعهده الحديث، الأمر الذي يجعله قادرا على أن يبدأ من حيث انتهى من سبقوه، مستفيدا من تجاربهم وآرائهم ومحاولاتهم، وبذلك يسير الأدب المغربي في تسلسل تاريخي واعي خاضع لإرادة موجهة، ومن المعلوم أن معرفة تاريخ أي فن من الفنون، تلقي ضوءا على طبيعة سيره، وأسلوب تطوره، متى اتضحت مراحل الماضي، أمكن التغلب على مشاكل الحاضر، ولا نهضة للجديد إلا على أساس القديم، بل لإبقاء للجديد إذا استند إلى القديم، واستفاد منه، واتخذ منه نقطة انطلاق، وقد رأينا أن النهضة الأدبية الأخيرة في الشرق العربي كان ممن اكبر العوامل المؤثرة فيها أحياء القديم، وان اكبر أدباء الشرق العربي عم لؤلئك الذين درسوا القديم واستوعبوه.

5) كيف يبعث الأدب المغربــي؟:
مرت على الأدب المغربي حقبة من تاريخه، كان فيها من أقوى الأدب العربية، وكيف لا وهو-علاوة على قوته الخاصة- الوارث الشرعي للآداب الأندلسي الرفيعة؟ ولكن هذا الأدب أصيب بنكسة فيما بعد، واخذ يفقد حيويته وطابعه الأصيل، تبعا لتقهقر اللغة العربية بعد إعلان الحماية، باستثناء بعض المعاقل التي تحصنت بها اللغة العربية، والتي تتمثل في بعض الهيئات الوطنية، حيث كان الأدب المغربي يرسل شيئا من أشعته بين حين وحين، وان كان هذا الأدب بحكم انضوائه تحت تلك الهيئات يتسم باللون السياسي في غالب الأحيان.
واليوم نريد لهذا الأدب أن يتصل حاضره بماضيه، وان يواصل أداء رسالته الإنسانية، حيا نابضا واسعا الخطوات، حتى يواكب المغرب الحديث، ويسايره في تطوره، وجل المثقفين في المغرب يحسون بالأزمة الأدبية ويتوقون إلى حياة أدبية أفضل، وهذا كما قلنا سابقا فيه بعض الضمانة لانفراج أزمتنا الأدبية، ولكن يجب إلا يترك الأمر لمحض المصادفة، وإنما يجب أن نفكر جيدا في سائل بعث الأدب المغربي والنهوض به إلى المستوى اللائق بماضيه الحافل الرائع، وإذا كانت المصاعب والمشاكل التي تواجه هذا الأدب قد تكشفت لنا بما فيه الكفاية أو بعض الكفاية، فلم يبق أمامنا إلا أن نبحث عن أهم الطرق الناجعة لتغلب أدبنا على مصاعبه، ليجدد ما بلى من أزيائه، ويقوي ما ضعف من روحه، وتكون الانطلاقة الكبرى التي ننشدها.

وبعد، فما هي الوسائل الكفيلة يبعث الأدب المغربي؟
الوسيلة الأولى التي أراها جديرة بالاعتبار، هي أحياء الأدب المغربي القديم بصفة خاصة، والاتصال بالأدب العربي القديم بصفة عامة، فإذا كان الاطلاع على التاريخ السياسي القومي يذكي الروح الوطنية، ويدعم المشاعر القومية، فان الاطلاع على تاريخ الأدب القومي ينبه الأمة إلى شخصيتها الأدبية، ويلهب في أفرادها الشعور بالمجد الأدبي القديم، ومن تم يشعرون بمسؤوليتهم الخاصة، إذ يجدون أنفسهم أمناء على هذه الوديعة الغالية: ثمار قرائح الأجداد التي أسلموها بناء رفيعا في الأدب والثقافة، الأديب إذ يلمس اثر مساهمة أمته في الميدان الأدبي والثقافة تستيقظ فيه أسمى المعاني القومية، ويتوق إلى أن يضيف تجاربه الخاصة إلى تجاريب من سبقوه، ويحسن بأنه مدعو إلى أن يقول شيئا يضاف إلى محصول أمته الأدبي، أما إذا كان الأديب يجهل هذا الجانب الهام من تاريخ أمته فلا يعرف مدى مساهمتها في الآداب العربية، فانه يشعر بكونه في نوع من الفراغ، وينعدم فيه الإحساس التاريخي بمجد أمته الأدبي، ولا تعيش في وجدانه الفني أطياف الأدباء الراحلين من أبناء أمته، ولا تتخايل له تلك اليد التي تمتد إليه، حاملة تراث الإباء والأجداد، لتسلمه إياه، ومن ثم فهو يفتقر إلى حافز مهم يدفع به-لو وجد- إلى النشاط الأدبي المتصل جيل الأدب الجديد في كل امة، يحتاج إلى التعرف على جهود الجيل الذي سبقه، ليشعر بمسؤوليته الخاصة، ويلقي عنه الشعلة ماضيا بها إلى الإمام في عزم وقوة إرادة، وينطلق من حيث انتهى، مواصلا أداة الرسالة الفنية، التي هي رسالة خالدة تتعاقب الأجيال على أدائها، كل جيل في حدود إمكانياته الخاصة، وتجاربه الخاصة، وما قلناه بالنسبة إلى الأدب المغربي القديم، نقوله بالنسبة إلى الأدب العربي القديم، فالاطلاعه على هذا الأدب يضع أيدينا على التراث العربي المتترك، لنخرج عن إقليميتنا الضيقة، ويتسع صدرنا للحضارة العربية في مختلف إشكالها ومدارسها، وبذلك نستطيع أن نجمع بين الاتصال بالأصول العربية العريقة، والشعور بالصخصية المغربية الأصلية.
ولكن هذه النافذة وحدها لا تكفي في هذا الصدد، فإذا شئنا نهضة أدبية رائعة، فعلينا بفتح نافذة أخرى على الآداب الأجنبية، سواء بطريق في التفكير ليست كطرقنا، وأنماط في الذوق ليست كأنماطنا، وأصناف في الشعور ليست كأصنافنا، وألوان في الأداء الفني ليست كألواننا، فتطعم بكل ذلك أدبنا وتلحقه ونغذيه، فإذا المدارك تتسع، والأفاق ترحب وتمتد وإذا العناصر الإنسانية تجد سبيلها إلى أدبنا من طريق واسع لأننا خرجنا قليلا عن حدود الذات، واتصلنا بأناس من غير جنسنا، فتعرفنا على مشاعرهم وعواطفهم التي لا تعدم أن نجد لها صدى في مشاعرنا وعواطفنا، ذلك هو مبدأ الإخوة الإنسانية التي تكون الآداب الرفيعة دعامتها الكبرى وسندها القوي، ونحن لا نريد أن نذهب بعيدا في ضرب الأمثلة، فهذه النهضة الأدبية الأخيرة في الشرق العربي، لم تكن إلا وليدة إحياء الأدب العربي القديم من جهة والاتصال بالآداب الأجنبية من جهة أخرى.
أما الوسيلة الثانية لعبت الأدب المغربي، فهي تقوية البرامج الأدبية في مدارسنا الثانوية وفي كلية الآداب، وفي سائر معاهدنا التي تخرج الطليعة من أبناء هذا الجيل، فالمدرسة والمعهد والكلية هي العصب الحي في جسم الأمة، وهي التي لا أقول عنها أنها تخرج الأدباء وتكونهم، ولكن أقول عنها هي التي تتيح الفرصة للمثقف أن يكون أديبا، بما تهدف إليه من تعليم طرق التفكير، وتربية الذوق الفني، وإعطاء القدرة على النقد والمقارنة والموازنة والبحث والاستنباط، وكلها اسحلة لا غنى للأديب عنها، ويؤسفني أن أسجل هنا على كلياتنا ومعاهدنا ومدارسنا طرق التفكير، وتربية القدرة على النقد، ودقة الملاحظة. فالتعليم الجامعي في حقيقته، لا يعني بإعطاء الطالب كمية هائلة من المعلومات في شتى الفنون فقط، فهو يعني بالدرجة الأولى بتكوين جبل قادر على الفهم الصحيح، والنقد الهادف البناء، والتفكير العميق وليس المهم في البرامج الأدبية أن تكون واسعة عميقة فقط فاهم من ذلك أن تكون مطبقة بكيفية دقيقة، كفيلة بجعل الطالب يستفيد منها على أحسن الوجوه، وإلا فما جدوى برنامج طويل عريض يدرس بكيفية لا تربى ذوقا، ولا تقوم تفكيرا، ولا يحدث انقلابا في ذهن الطالب، ويحمله على أن يعيد نظره فيس كثير من الأشياء، على ضوء من المقاييس الصحيحة والقواعد الثابتة؟ أنا التمس العذر لكلياتنا لكونها تعاني أزمة في الأساتذة، ولكن من واجبها أن تعمل لتلافي هذا النقص في حدود إمكانياتنا، فان مسؤوليتها خطيرة إمام الأجيال المقبلة.
ووسيلة أخرى أراها جديرة بالاعتبار، لبعث الأدب المغربي وهي أن تفتح صفحنا ومجلاتنا الأدبية صدرها لقبول إنتاج يتم عن موهبة أو عن حسن استعداد، وإلا تبقى موقوفة على حدود ضيقة تضم بضعة أشخاص، فالمجلة إذ تفعل هذا يمكنها أن تكثف عددا من الأدباء المغمورون، وان تذكي شعلة الأدب في كثير من النفوس الحائرة، حتى تكون مدرسة لتدريب المتأدبين على عملية الإنتاج، ليكونوا من بعد أدباء يؤدون رسالتهم أحسن أداء، وقد اخذوا لها عدتها اللازمة، والمجلة إذ تتوخى دائما الإنتاج الرصين عندنا، ذلك الإنتاج الصادر عن تجربة طويلة، لا تعطي نظرة صادقة عن حياة الفكر المغربي، وإنما تصور فكر الطليعة والطليعة عندنا أقلية جدا، ومعنى هذا أن الجوانب الصغيرة الأخرى من الفكر المغربي سيبقى مجهولة لا تعرف طريقها إلى النور، وبذلك تكون مجلاتنا لا تمثل منا إلا حيزا صغيرا جدا لا يمكن من يتصفحها من إلقاء نظرة شاملة على الفكر المغربي الحديث. نعم. في الوقت الذي تكون عندنا صحف ومجلات متعدد ومتنوعة تتسع لنشر الإنتاج الأدبي على اختلاف مستوياته، إذ ذاك يتأتى لمجلة أن تصد عنها كل المحاولات الأدبية العادية، وان تكفي بنشر الإنتاج القوي الرائع، إذ الفكر يجد متنفسا له في مجلات وصحف أخرى من الدرجة الثانية، إما بالنسبة لبلد كالمغرب ما زال متخلفا من الناحية الأدبية، فلا معنى في نظري لارستقراطية المجلة. والأولى أن نتيح الفرصة لمثقفينا أن ينشروا إنتاجهم، بشرط واحد لا بد من مراعاته، هو أن يكون ذلك الإنتاج تدل على مجهود وعلى موهبة وحسن استعداد، ومجلاتنا لا يمكنها أن تقوم بهذا العمل إلا إذا تخلت عن جميع الاعتبارات الأجنبية عن الروح الأدبي الأصيل، عند تقدير لما يرد عليها من إنتاج أدبي.
وهناك وسيلة أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها، وهي-بكل صراحة- ترك الكل العقلي، والإقبال على القراءة بكيفية مستمرة، وليست اعني بالطبع تلك القراءة السريعة اللاهادفة، والتي تملا بها أوقات الفراغ، ولا القراءة الخاضعة للمصادفة وحدها، وإنما اعني القراءة التي لا تقل ضرورة عن الخبز اليومي، وعن الهواء والشمس والنار، القراءة التي تهز الأعماق هزا، وتعيد خلق الإنسان من جديد، وتنقله من أرضيته إلى آفاق رحيبة، القراءة التي تصنع الرجال، وتؤثر في الأحداث، وتعير التاريخ، وتعرف الإنسان بنفسه وبالعالم المحيط به، وبالدور الذي خلق ليلعبه على مسرح هذه الحياة، هذا النوع من القراءة هو الذي نحتاج إليه، لا تصفح الكتب والمجلات والصحف لدفع ملل، أو هروب من مسؤولية، أو التماس متعة موقنة رخيصة، وان المتردد على مكتباتنا التجارية باستمرار ليلاحظ-والأسى يغمر قلبه- أن الكتاب القيم تمر عليه الشهور، وهوة معروض للبيع، دون أن تمتد إليه يد، فإذا استثنينا نخبة ضئيلة من مثقفينا، نجد البقية التي تكون الأغلبية تنقسم إلى قسمين: طائفة لا تقرا وليست القراءة طلبتها وطائفة تقرا، ولكن قراءتها لا تكاد تتجاوز الأدب الرخيص المتمثل في القصص الجنسية، والنتيجة هي أننا لسنا شعب قارئ، وكيف يتأتى للأدب إن ينهض في وسط لا تقرا ولا يعتبر القراءة ضرورة يومية كالغذاء والشمس والهراء؟
وليس في وسطنا المغربي ما يدفع الفرد إلى القراءة، وهذه عة أعراض أكثريتنا عنها، طالما كانت في الغالب عادة يكتسبها المثقف من الوسط الذي يعيش فيه.. ووسطنا ما زال لحد ألان لا يشجع على تكوين هذه العادة، سواء قصدنا بالوسط العائلي، أو الوسط المدرسي، أو الوسط العام الذي يشمل الأندية وما إليها، فإذا وجدنا عندنا فردا يهوى القراءة، ويقبل عليها باستمرار، فذلك هو الإنسان الذي استطاع بإرادته أن يسمو على تقاليد البيئة، ويتحداها في عزم ما يجعلهم يسمون على الوسط الذي يعيشون فيه.

وان مسؤولية المدرسة في هذا الصدد لخطيرة جدا، فهي التي يجب أن تتولى عادة القراءة في أبنائنا، ابتداء من الطور الابتدائي، ويؤسفني أن أقول عن مدارسنا أنها ما وزالت لم تنهض بهذا الواجب بين واجباتها العديدة، ففي الوسط الحي المثقف المتقدم يكون المجتمع كله مسئولا عن تربية هذه العادة عند الفرد، ولكن بالنسبة لمجتمع مختلف فان المدرسة هي التي تتحمل المسؤولية الكبرى، لكونها تملك من الوسائل ما لا تملكه القطاعات الأخرى من المجتمع، فادا شئنا نهضة أدبية حقة، فعلينا بتربية عادة القراءة عندنا، وتعهدها في أبنائنا حتى يتكون عندنا جيل قارئ، ويجب أن نحمل أنفسنا حملا على القراءة المتصلة الجادة، بالرغم من عوامل الكسل العقلي التي تحيط بنا، تلك العوامل التي يجب أن نتحداها بكل قوانا وما تملكه من الوسائل.

ومن وسائل بعث الأدب المغربي لن يشعر مثقفونا بمسؤوليتهم نحو أمتهم، فمتى شعروا بهذه المسؤولية خرجوا من الطور السلبي إلى الطور الايجابي من حياتهم الثقافية، وجدوا في القراءة التي تؤهلهم للقيام بواجبهم، دون أن يقرؤوا لأنفسهم فقط، مستأثرين بمتعة القراءة وفائدتها، وإنما يحاولون أن يشركوا معهم الآخرين في تلك المتعة وتلك الفائدة، ثم هم يشعرون بواجب التوجيه الملقى على عاتقهم، فكل نواحي النقص في بيئتهم يرسلون عليها شعاعا من بيانهم، حتى تظهر للجميع واضحة جلية، ويكونون رواد المجهول، يرسمون للأمة سبلها إلى مستقبلها المرموق، وينشرون بين الناس الخير والحق والجمال، هذه المثل العليا التي لا يكون أي شعب كريما فاضلا حيا بدونها. الأديب الشاعر بالمسؤوليته عنصر حي في أمته، لا ينسى لحظة تبعات مسؤوليته، حيث يجعل ثقافته في خدمة أمته، وقد آن الأوان ليشعر مثقفونا بمسؤوليتهم، بوصفهم خلاصة عبقرية الأمة وعنوان حضارتها الفكرية، فتلك هي الضمانة لخروجهم عن سكوتهم وخوضهم معترك الحياة الأدبية، يكشفون المجهول، ويوضحون الغامض، ويقومون المعوج، ويهدون الحائر.

ومن بين تلك الوسائل أيضا المزيد من الشجاعة الأدبية، فعندنا من المثقفين من يملكون حسن الاستعداد، بل أن بعضهم يملك مواهب غير عادية، ولكنهم لا يجرؤون على أن يظهروا أمام القراء بآرائهم وأفكارهم، ظنا بها إلا تكون ناضجة قوية تستحق احترام القراء لها، ولذلك فهم يرجئون مسالة النشر في الصحف والمجلات، إلى أن يتمكنوا من القدرة على إنتاج أدب رائع ممتاز يطابق الصورة التي ترسم في خيالهم عن الأدب كما يجب أن يكون. وانه لخطا هذا الذي يرونه، وذلك لسببين: السبب الأول أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف قيمة لآرائه وأفكاره، إلا إذا عرضها على الآخرين، ليخذ رأيهم فيها، فقد تكون صائبة وهو يحسبها خاطئة، وقد يكون العكس، والسبب الثاني هو أن الكتابة مسالة مران، تتطلب زمنا طويلا حافلا بالإنتاج، قبل أن يستقر القلم بين أصابع الأديب، نعم ليست الكتابة مجرد أن يكون عامرا بالآراء والأفكار، ثم تسجلها على الورق، لتخلق منك كاتبا، الكتابة مران طويل وتجربة مديدة نستمر مدة طويلة، يمر خلالها الفكر والقلم بمراحل من التدريب والتجريب، وإذن فخطا كل الخطأ أن ينتظر المثقف ويهمل نفسه، حتى يستكمل جميع وسائل الكتابة الصحيحة الممتازة، ذلك أن الكتابة لا تستكمل وسائلها إلا أثناء تجربة الكتابة نفسها، فكما أن السياحة لا تعلم إلا في الماء، لا على الشاطئ، فذلك الكتابة كفن، لا تتحدد طرائقها إلا إثناء عملية الإنتاج، خطا كل الخطأ أن ينتظر بعض مثقفينا حتى يستطيعوا أن يظهروا فجأة ككتاب ممتازين، يبهرون القراء ويسحرونهم، وموقفهم هذا من شانه أن يضيف عاملا آخر إلى العوامل التي تؤخر ظهور النهضة الأدبية في بلادنا.

ومن وسائل نهوض الأدب المغربي أيضا، التشجيع المادي والأدبي، فأديبنا لا يلقى عندنا ما يستحقه من عناية وتكريم، يعيش بيننا وكأنه ليس منا، يذكر اسمه مقرونا بالتفاهة والفضول وخفة الوزن، يقابل إنتاجه من طرف أكثرية مواطنيه بالاستخفاف وغير قليل من الازدراء، يخرج له البحث أو المقال أو الكتاب فلا يكون له صدى، أن أحسن لا يجد من يقول له أحسنت، وإذا أساء لا بحد من يقول له اسات، قد يهب دمه وأعصابه لعمله الفني، حتى إذا فرغ من تذبيحه اخذ يطوف به على الناشرين-وما اقلهم عندنا- يستجديهم أن ينشروا كتابه، وكثيرا ما لا يحالفه الحظ، فيرجع خائبا يجرر أذيال خيبته، وهذا بعض ما يعانيه أديبنا من ألوان اللامبالاة، بل الازدراء أيضا، وهو ما دام في هذا الوضع، انطوى على نفسه، وداخله مركب النقص، إلا إذا كان ذا عزم شديد، وهذه عرقلة أخرى تضاف إلى العراقيل التي تعرقل نهضتنا الأدبية حياة الفن إنما هي إعجاب وتقدير، والأديب شانه شان المغني كلما ارداد الجمهور إقبالا عليه، واحتفاء، كلما تفتحت مواهبه للبذل والعطاء، وكلما صد واعرض عنه، كلما عزفت نفسه وانقبضت عن الإمتاع والإيناس، لا أقول يجب أن تخدع أديبنا عن نفسه، وعن حقيقة قيمته، وان ندخل عليه الغرور الكاذب، والنفخة الجوفاء، وإنما أقول: يجب أن نشجع الأدباء الصغار وان نكرم الأدباء الكبار، والتشجيع ليس معناه محرم المدح والثناء، فمن التشجيع ما يكون نقدا، ولكنه النقد البناء الذي يضع العمل الأدبي في موضعه من غير تحامل ولا مداراة، بل أن ارفع ألوان التشجيع أن تنقد الأديب المنتج، مظهرا لحسناته وسيئاته على السواء، فالعمل الأدبي إذ يستحق النقد يكون متوفرا على قيم فكرية وجمالية استلفتت نظر النقاد.

وتقف اللامبالاة في مقابل هذا النقد النزيه، اللامبالاة التي هي أقبح واشد ضررا بالأديب حتى من الاحتقار والازدراء، وأديبنا المغربي ما زال يعاني كثيرا من هذه اللامبالاة الهدامة القاتلة.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here