islamaumaroc

نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -3-

  دعوة الحق

76 العدد

 
قبل أن أبدا هذه الحلقة أريد أن أجيب عن اعتراض تقدم به إلى مشافهة تفر من طلبة الجامعة. وينحصر انتقادهم في أمرين: احدهما ما قراؤه في المقال الأول من الكلمات الجافية الخشنة الموجهة إلى المدعو ريني الحبشي. والثاني قالوا كيف تحتج بالقرآن والحديث على خصمك، وهو لا يؤمن بهما، فأجبتهما عن الأول بان الجفاء والشتم والبذاءة كانت ابتداء من الحبشي، ولم تكن موجهة إلى، ولا إلى أبي، ولا إلى شخص احترمه، بل كانت موجهة إلى خالق السموات والأرض الذي اعبده وبعبده جميع المؤمنين به فلو أن شاتما شتمني فأجبته بشتم مثل شتمه لرأيتم إنني معذور ولم تعتبوا على، بل كنتم تلومونه لابتدائه بالظلم والشتم. وهكذا، لو شتم شخصا محترما عند قومه فعوقب على ذلك بعقاب شديد كالسجن والقتل لقلتم انه يستصق ذلك، فهل ذلك الشخص في نظركم أعظم من الله، أم تريدون أن اغضب لنفسي ولقومي ولرؤسائهم، حتى إذا جاء شخص دمه أعداء قومنا وديننا وأغروه بشتم إلا هنا واهانة مقدساتنا، حينئذ نعفو ونصفح، هذا شان المنافقين الذين لا مبدأ لهم ولا إيمان. وأما إيراد الآيات والأحاديث، فلم أوردها للاحتجاج بها عليه، وإنما أوردتها تحديا له أن يجد فيها مطعنا، على أن القرآن لا يفرض على الناس أن يؤمنوا بلا دليل ولا برهان، وإنما أمرهم بالنظر في البراهين التي عرضها وبسطها بأسلوب بليغ، لا ينظر فيه ناظر عاقل منصف إلا كان مضطرا للإيمان والتصديق.
«من أين سرق الحبشي ذلك الرأي السخيف؟؟»
بعد ما كتبت ما تقدم وجدت النص الذي سرقه الحبشي وتظاهر بأنه رأيه الخاص الذي وصل إليه بتفكيرية العبقري، وأراد أن يقدمه هدية للتربية العربية تبرعا نمنه دون أن يلتمسه ملتمس أو يسأله سائل.
من حين المصادفة أني بعد ما فرغت من كتابة الحلقة الثانية، وذكرت فيها تأليف جوليان هكلي الانجليزي  Julian Huxley  الذي اسماه Man Stands Alone  أي الإنسان يقوم وحده.) ورد العالم الأمريكي كرسي مورس. Cressy Morrison   بكتابة الذي اسماه Man Does Not Stand Alone  الإنسان لا يقوم وحده. ومعنى الاسم الأول أن الإنسان مستقل بنفسه لا يحتاج إلى اله يدير شؤونه. ومعنى الرد عليه ليس الإنسان قائما بنفسه، بل هو محتاج إلى خالقه. وقفت على مخلص لكلام هكلي في مجلة البحث الإسلامي الهندية في الجزء الرابع والخامس من السنة التاسعة للدكتور وحيد الدين خان، بعد ما لخص كلام المؤلف الانجليزي عاد عليه بالنقض وأورد عليه ردا مقحما لعالم أمريكي آخر اسمه (سبسيل بيس هامن. Cecil Bayce Hamann  وسألخص كلام هكلي ليتبين القارئ العربي أن الحبشي سرقه ليتحف به العرب، ولم يذكر الرد عليه طبعا، لأنه سارق يقصد الهدم والتخريب. وهذا كلام هكلي مختصرا بعد الترجمة.
أن الديانة لدى منكري العصر الحديث لا للحمل قيسة، بل وإنها غريزة الإنسان التي تدفعه إلى تأويل هذا الكون. أن الداعي إلى البحث عن التأويل ليس خطا في نفسه، غير أن قلة المعلومات هي التي دعت آباءنا الغولين إلى ردود خاطئة تعبر عن الإله أو الديانة، والإنسان الذي عثر على أخطائه القديمة في كثير من أمور الحياة بفضل نهضته العلمية وتقديمه الثقافي بلغ اليوم إلى موقف يستطيع فيه إصلاح أخطائه الفاحشة حول تأويل هذا الكون.
وبناء على هذا النوع من التفكير تصبح الديانة تأويلا غير حقيقي لحقائق غير ثابتة، وبما أن الإنسان كان محدود العلم والثقافة قديما لم ينجح في تأويل الوقائع والإحداث، فاضطر إلى اختراع فروض خاطئة باسم الدين، ولكن قانون التقدم العلمي العام إخراجه اليوم من ظلمات الأوهام إلى نور العلوم الحديثة، فأمكن له في ضوء المعلومات الجديدة أن يطلع على حقائق الأشياء عن طريق التجربة والمشاهدة بدلا من أن يؤمن بعقائد لا صلة لها بالحقيقة أصلا. ولذلك فان الأشياء التي كانت نتيجة أسباب ما فوق الطبيعة في الزمن القديم أصبحت اليوم اليوم حقيقة ملموسة مصدرها الأسباب الطبيعية. وقد انبت الأسلوب الحديث لدراسة الأشياء أن الإيمان بوجود الإله لم يكن اكتشافا حقيقيا، وإنما كان ذلك تخمين العهد الجاهلي الذي قضى عليه نور العلم الحديث.
لقد اثبت (نيوتن) انه ليس هناك اله يحكم دورة الأفلاك والكواكب، كما أن نظرية (لابلاس) تصدق أن النظام الفلكي لا يحتاج إلى اله يسيره بانتظام. وقد قام (دارون) و (باسجر) بإثبات هذا المبدأ في المجال البيولوجي. أن تقدم علم النفس، وزيادة المعلومات التاريخية في القرن الحاضر أزاح الإله عن مقامه المفروض ليحكم الحياة الإنسانية وسير التاريخ.
أن بطل هذه الثورة في عالم الطبيعة أنما هو (نيوتن) الذي قدم نظرية أن الكون مرتبط بمبادئ غير قابلة للتغيير والحدوث. وهناك قوانين ثابتة تشرف على حركة الإجرام السماوية كلها. وظهر في الأخير كثير ممن قاموا بهذا التحقيق حتى بدا لهم أن جميع ما بين السماء والأرض من الأحداث، إنما هي طوع إشارة لنظام خاص محكم يدعى باسم قانون الطبيعة (Law of nature) وذا التحقيق يقضي طبعا على وجود اله قادر وراء هذا الكون قائم بتسيير نظام الكون الدقيق. وأكثر ما يقال في هذا الصدد هو أن هناك ألها حرك جهاز الكون مرة في البدء، ولذلك كان الناس قديما يؤمنون باله كأول محرك للكون. ويقول (والتير) أن الإله يشبه في تكوين نظام الكون صانع الساعات الذي يركب الآلات الدقيقة في شكل خاص تم يتركها للناس يستعملون، دون أن تبقى له علاقة بها. وجاء (هيوم) فقضى على هذا الإله العاطل بقوله: إننا رأينا الساعات تصنع، ولكننا لم نر الأكوان تصنع وتكون، فكيف يمكن لنا أن نؤمن قبالة قام بصنع هذا الكون.
تقدم العلوم الطبيعية وتوسعها مكن الإنسان مما لوم يكن يحمله من قبل. فقد كنا لا نعرف حادثة كيف حدثت لعدم اطلاعنا على أوضاع الوقائع والإحداث، ولكنها أصبحت اليوم شيئا معلوما لظهور أوضاعها. واضرب لذلسات مثلا. وهو أن الإنسان عند ما لم يكن يعرف كيف تطلع الشمس وتغرب كان يعتقد بوجود اله بأمر بطلوع الشمس وغروبها. وهكذا نشأت فكرة قوة ما رواء الطبيعة التي كانت تحول كل شيء تجهل مصدره إلى تلك القوة. ولكننا الآن حينما عرفنا أن طلوع الشمس وغروبها إنما يحصلان بدوران الأرض حولها لا تحتاج إلى فرض اله ينظم طلوع الشمس وغروبها. وهكذا كل شيء كان مصدره غير معلوم، وكان يحول إلى قوة خفية أصبح اليوم نتيجة عمل القوى المعلومة ورد فعلها في ضوء دراسة العلوم الحديثة. كان العلوم بأسباب الإحداث الطبيعية قضى على حاجة فرض اله، أو قوة ما وراء الطبيعة التي كان الناس قد سلطوها عليهم. أن تسمية قوس قزح علامة الله فوق الشمس طن خاطئ إذ كان ذلك ينشا من انعطاف أشعة الشمس على المطر النازل.

رد العالم الأمريكي «سبيل بيس هامن» على هكلي:
كيف يحتج الهكلي على مبدئه بمثل هذه الأفكار، يقول: أن كانت الأحداث تصدر من اجدل أسباب طبيعة، فلا شك أن قوة ما وراء الطبيعة لا تستطيع أن تكون مصدرها. وينبغي أن تبحث ألان عن الحجة التي عرضت في ضوء دراسة الطبيعة.وهي أن دراسة الكون تعطي فكرة أن الوقائع لا تحدث إلا وفق مبدأ الفطرة. إذن لا حاجة لتأويلها إلى فرض اله، لان المبدأ المعلوم إنما هو دليل على وجود الوقائع والأحداث.
وقد رد على هذا النوع من الاستدلال أحسن رد العالم الأمريكي سيسيل بين هامن (Nature is a Faci Not an Explantion  يعني أن مبدأ الفطرة حقيقة الكون، وليس تأويل الكون. سلمنا إنكم اطلعتم على مبدأ الفطرة، ولكن الذي اطلعتم عليه ليس جوابا لتلك المسالة التي يحتج فيها بالديانة. أن الدين يعطي فكرة عن تلك الأسباب والعوامل التي تعمل عليها وراء هذا الكون. على حين، الاكتشاف العلمي يتعلق بمسالة الكون وهيكله الخارجي. أن العلم الحديث يفسر لنا تفاصيل الأحداث فقط، وليس هو تأويلها الحقيقي. أن العلوم الطبيعية كلها تدور حول الوجود وماهيته، وهي لا تقدر على أن تبحث عن الموجود، كيف ظهر إلى حيز الوجود ولماذا؟؟ بالرغم مما يعلم الجميع أن علاقة التأويل، إنما هي بهذا الجانب الأخر.
ولكي نفهم ذلك جيدا اضرب لكم مثلا كلنا يعلم أن فرخ الدجاج يتربى في جوف البيضة وبانكسارها يخرج إلى العالم الخارجي. فكيف بحدث هذا الواقع، وكيف تنكسر البيضة ويخرج الفرخ الذي لا يعدو أن يكون مضغة لحم؟. لقد كان الإنسان يجيب على هذا السؤال قديما بان الله هو الذي يفعل ذلك، ولكن اليوم بعد المشاهدة الآلية بدا أن مدة (21) يوما لا تكاد تتم، إذ يبدو على منقار الفرخ شيء خشن مثل القرن الصغير، وذلك هو الذي يساعد الفرخ على كسر البيضة، والخروج منها. وأما هذا القرن الصغير فيسقط بنفسه بعد ولادة الفرخ بأيام.

هذه المشاهدة تكذب الوهم القديم بوجود انه يأمر بخروج الفرخ لدى جاحدي الدين اليوم، لان الآلة تبين لنا بكل وضوح أن هناك قانون 21 يوما يحدث خلالها كل ما يساعد الفرخ في خروجه من جوف البيضة، ولكن ذلك مغالطة صريحة لا غير لان المشاهدة الجديدة تفسر لنا عدة حلقات الواقع، وبعض لأشكاله فقط، دون أن توضح السبب الأصلي للواقع. أن الفرق الذي حدث بعد هذه المشاهدة الجديدة هو أن المسالة إنكار البيضة، إنما توقفت على القرن الصغير الذي يحمله الفرخ. أما كسر الفرخ البيضة بقرنه فحلقة متوسطة للواقع، وليس ذلك سببا له. فان السبب يتضح عندما نعلم كيفية ظهور القرن على منقار الفرخ. وبعبارة أخرى، يجب أن نبحث عن السبب الأخير الذي كان يعرف بحاجة الفرخ إلى شيء خشن على منقاره للخروج من جوف البيضة. فأمر المادة بان يظهر على منقار الفرخ كقرن صغير بتمام 21 يوما ثم يسقط بعد ولادة الفرخ بنفسه، فكان المسالة تحولت من كسر البيضة إلى خلق القرن، والمعلوم انه ليس هنا فوق نوعي في الحالتين كلتيهما وأكثر ما يسمى ذلك مشاهدة واسعة للحقيقة، دون أن نسميه تأويل الحقيقة. كان الناس فيما مضى من الزمان ينسبون عمل هضم الغذاء وتحلله في الجسم إلى الإله، ولكن العلم الحديث اثبت أن ذلك نتيجة تأثير كيميائي، فهل كان ذلك نفيا لوجود الإله؟ ولي أن اسأل، ما هي تلك القوة التي اوحت إلى الأجزاء الكيميائية إن تبدي مثل هذا التأثير النافع؟؟. والغذاء عندما يدخل المعدة ويمر بمراحل متعددة عن طريق نظام متحرك يبدو جليا أن هذا النظام المدهش الغريب ليس مصادفة من المصادفات، ولم يأت إلى حيز الوجود بنفسه، والحقيقة أن هذه المشاهدة تحتم الإيمان بوجود اله يقوم بإملاء إرادته على الخلق بواسطة قوانينه العظيمة التي خلق الحياة من أتجلها.
وبذلك نستطيع أن ندرك حقيقة الاكتشافات الحديثة. ومما لا يسعنا انكارة هو آن علم الطبيعة زاد من معلومات الإنسان حول الكون ومشاهداته فيه، انه استطاع أن يقدم له تلك القوانين الطبيعية التي تحكم الكون وتاركه. واضرب لذلك مثلا وهوة أن  الإنسان في قديم  الزمان لم يكن يعرف عن المطر سوى انه ينزل من السماء، ولكنه عرف الآن جميع مراحل المطر التي يمر بها من بخار البحار يصعد إلى السماء وينزل إلى الأرض أمطارا، ولكن هذه الاستكشافات كلها صورة للواقع، وليست تأويل الواقع، لان علم الطبيعة لا يعلم الإنسان عن قوانين الفطرة كيف أصبحت قوانين، وكيف هي مستمرة في عملها بشكل نافع في  السماء والأرض، وبصورة صحيحة يقوم  عليها أساس القوانين في علم الطبيعة. والحقيقة أن الطبيعة التي اطلع عليها الإنسان فبدا يدعي انه تمكن من اكتشاف تأويل. مثلا إذا سالت طبيبا عن لون الدم وقلت له، لم يكون للرد على السؤال الحقيقي، وتعبير خاطئ عن الحلقة الأخيرة للواقع.
أن الطبيعة لا تؤول الكون، وإنما هي في حاجة إلى تأويل. مثلا سالت طبيبا عن لون الدم وقلت له، لم يكون لون الدم احمر؟؟ يرد عليك فورا، أن الدم يحمل كرات صغيرة حمرا، وهي التي تسبب له آونا احمر. صحيح، ولكن ما الذي جعل هذه الكرات الصغيرة حمرا؟؟. أن هذه الكرات تحمل مادة اسمها (هيمو جلوبين Haemaglobin ) وعندما تدفعها تبضات القلب داخل شبكة شعيرات الرئة الهادئة تتصل كل كرة منها بأكسجين الهواء الجوي وتتحول إلى لون احمر قان.
صحيح. ولكن من أين جاءت هذه الكمرات الحمر التي تحمل مادة (هيموجلوبين؟؟ أنها تتكون في الكبد. فهمت قولك أيها الطبيب، وهو يثير الاستغراب بدون شك، عبر إنني لم أتمكن من إن افهم ذلك القانون الذي يجعل الدم والكرات الحمر والكبد إلى غير ذلك من أشياء كثيرة مما يحمله جسم الإنسان مرتبطا في نظام دقيق لا يتخلف عن وظيفته في حال ما ؟؟ انه قانون الفطرة.
ماذا تعني بقانون الفطرة؟؟
أن معناه، وظيفة القوة الكيميائية والطبيعية الخرقاء. ولكن ما الذي يجعل هذه الطاقات الخرقاء تعمل عملها بوجه معلوم على الدوام وتدفعه إلى مصير معلوم، وكيف تنظم نشاطها بطريق يوحي إلى طائر ليطير، وسك ليصبح، وإنسان ليظهر على مسرح الكون بمواهبه الخاصة وكفاءاته المدهشة؟؟. وانزعج الطبيب وقال:
لا تسال عن هذه الحقائق، فان عالم الطبيعة إنما يخبرك عن شكل الواقع وكيفية وجوده في الكون، ولكنه لا يستطيع الأخبار عن حقيقة الواقع وعن السبب الذي يدفعه إلى حدوثه في ذلك الشكل.
أن هذا الحوار يكشف لنا القناع عن وجه  الاكتشافات العلمية، بالرغم مما إعطانا آيته علم الطبيعة من آلات ومرافق وزاد في معلوماتنا زيادة قيمة، ولكنها لا تنوب عن (الدين) ولا تغني الإنسان عنه في أي حال،ـ وإنما هو في حاجة إليه في كل لمجة من حياته مهما تضخمت هذه الاكتشافات وتكدست العلوم الحديثة وتضاعفت ملايين الأضعاف مما هي عليه ألان. وذلك لان هذه الاكتشافات تخبر بالواقع الموجود، ولكنها لا تجدي علما بالسبب الأخير الذي يبعثه إلى الوجود ومصدره الذي ينبع منه. أن الاكتشافات التي تحملها العلوم الحديثة، إنما هي حلقة متوسطة للواقع والحوادث، على حين الدين حلقة أخيرة لها. وكل شيء يريد أن يحتل محل الدين يجب أن يكتشف الشرح الأخير والكامل للواقع. واضرب لتلك مثلا:
إذا كانت هناك ماكينة مغطاة بغطاء نعلم عنها أنها تتحرك فقط، ولكن إذا رفعنا الغطاء عن وجهها نرى العجلة التي في خارجها كيف تتحرك بعجلة أخرى في داخلها. ثم تلك العجلة الصغيرة كيف تتحرك بقوة آلات كثيرة في داخلها. وهكذا نستطيع أن تطلع على جميع آلاتها وحركاتها، ولكن ذلك لا يعني إننا كشفنا السر عن وجودها وصانعها. وهل الاطلاع على عمل ماكنة وآلاتها، يعني وجدت بنفسيها وبدون أن تكون وراءها يد صانعة؟؟.

كذلك إذا تسنى لنا أن نكشف بعض أسرار هذا الكون، لم يتسن لنا أن نقوله أن الكون وجد بنفسه، وهو مشتغل بوظيفته بدون أن تكون هناك يد خالقة قوية. وما اصدق قول (هزيز):
إن قانون الطبيعة، إنما يؤول وجود مظاهر الحياة الجميلة، ولكنه لا يخبر عن تلك الحياة كيف وجدت، انتهى.

حاصـل كـلا جوليـن هكلـــي

يقول هكلي: أن الأقدمين كانوا جاهلين بحقائق الكون وأسباب مسبباته، فبحثوا عن تهاويل يفسرون به تلك الحقائق والمسببات، والبحث في نفسه لا يعاب عليهم، غير أنهم لما كان عملهم بإسرار الطبيعة قاصرا افترضوا أن هناك ألها هو الذي يعمل تلك الأعمال ويظهر تلك المسببات ويوحدها بلا أسباب، وظنوا أنهم بذلك قد حلوا المشكلة. ولما ظهر العلم الحديث الذي اكتشف حقائق الكون وعرف لكل حادثة سببها لم يعد يعبا بذلك الافتراض. وبعبارة أخرى، أن الأقدمين كانوا يخافون من كل ظاهرة تبدو لهم فقدروا وجود الإله ونسبوا إليه كل شيء من شدة فزعهم. فإذا سمعوا الرعد يجلجل قالوا، أن الله هو الذي خلق تلك الجلجلة، وإذا رأوا المطر ينزل قالوا، أن الله رأى حاجة الأرض إلى المطر فخلق المطر وانزله عليها. وإذا رأوا الفرق يلمع قالوا انه نور خلقه، وثار يخوف بها الناس. وإذا شهدوا زلزلة فسروها بان الله هز الأرض بهم ليعرفهم قدرته. وإذا رأوا قوس قزح، قالوا، هذه علامة الله فوق الشمس، إلى غير ذلك.
أما في عصرنا هذا، فكل هذه الأمور قد عرف منشأها وحقيقتها وأسبابها، فلا حاجة بالناس إلى افتراض وجود الالاه. ثم نقل كلام والثر الذي قال: أن الالاه يشبه في تكوين نظام الكون صانع الساعات الذي يركب الآلات الدقيقة في شكل خاص ثم يثرها للناس يستعملونها، دون أن تبقى له علاقة بها.
قال محمد تقي الدين كاتب هذا المقال والعجب من هكلي أمام الملحدين في هذا العصر كيف نقل قول السر، مع انه بنقص مبدأه ويأتي على بنيانه من القواعد، لأنه اثبت الصانع للساعات، ثم زعم أنها تستغني عنه يعد ذلك، ولم يحسب حسابا لاختلالها وفسادها وحاجتها على الإصلاح وإدارتها وتسييرها، ثم أنها لا تخلد آلاف السنين. بل يأتي عليها الغداء فيحتاج الناس إلى ساعات جديدة، ويزيد عدد المستعملين للساعات، فإذا مات صانعها بقي من يخلق من الناس بعد موته بلا ساعات. وهذا إسفاف من القول ينزه عنه كل من عنده ذرة من العقل. وكيف تشبه السموات بكواكبها وشموسها ولأقمارها، والأرض بحيويتها وثباتها، فضلا عن الذرة وأجزائها التي اكتشف في هذا العصر بنظام دقيق، يستحيل أن يكون صنيعة الاتفاق ووليد المصادفة بلا خالق قدره بعمله وحكمته وسيره بقدرته.
ثم نقل كلام (هيوم) الذي قال، انه شاهد صانع الساعات يصنعها، ولم ير صانع الأكوان يكونها، فأين الحواس الأخرى غير البصر، وأين العقل إلي كرم الله به الإنسان وفضله به على من سواه من الحيوان والنبات والجماد، وسخر له به كل شيء، وجعله سيدا مطاعا متصرفا به في غيره من المخلوقات. فالحمد لله الذي حرم الجاحدين من نور العقل وفضحهم بهذه الأقوال السخيفة المتهافتة المتناقضة، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. فلما أزاغوا أزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدي القوم الظالمين.
بيـان رد العالـم هامن على هكلــي
افتتح هامن رده بان الطبيعة هي حقيقة، وليست تفسيرا للحقيقة، ثم ضرب لذلك أمثلة واضحة لا لبس فيها ولا غموض. الأول، الفرخ في جوف البيضة عندما يناهز ثلاثة أسابيع يخلق له شبه القرن على منقاره فيثقب به البيضة ويخرج، ثم يزول ذلك القرن. فمن الذي خلقه وصوره من سائل في البيضة إلى عظم ولحم، وأعطاه كل ما يحتاج إليه من ساقين يمشي بهما، وجناحين يطير بهما، وسمع وبصر ومنقار، وجهاز للتنفس، وأخر للهضم، وثالثا للتناسل إلى غير ذلك من بدائع الصنع. ولماذا لم بثبت له ذلك القرن إلا عند ما احتاج إليه ليكسر به البيضة، ثم لما ذا زال عنه بعد أن لم تبق له حاجة إليه، فهل هذا كله وقع بدون قصد ولا تخليط على حد لغة الحبشي ولا منهاج ولا تدبير ولا علم، وإنما هو اتفاق ومصادفة، فأين تذهبون، واني تؤفكون وتأفكون، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
المثل الثاني، هضم الغذاء، من المعلوم عند جميع الباحثين في نشأة الأرض أنها كانت في أول أمرها غازا، ثم أخذت تتجسم في أزمنة متطاولة. وحين كانت غازا، كانت حرارتها أثنى عشر ألف درجة مئوية كما حققه رئيس المجمع العلمي الفلكي الأمريكي «كريي مورين» في كتابه (الإنسان لا يقوم وحده) المتقدم الذكر، وأخذت تبرد بانقلاب الغازات إلى أمطار، وتكتل مادة الأرض وتجمدها في أحقاب وأحقاب. ولم يكن هنالك مجال لوجود الحياة فيها بأي شكل من الإشكال حتى بردت، ثم دحيت وتميزت جبالها من سهولها وأوديتها في المقدار القليل الذي هو اليابسة، واستقرت البحور في أماكنها بعد الطوفان المتكرر الذي كان يغمر وجهها، وحينئذ تهيأت لوجود الحياة فيها.
واتفقوا أيضا على أن أصل الحياة كلها واحد، وهو ذرة لا ترى بالبصير، ولكنهم عجزوا أن يعرفوا كيف نشأت هذه الذرة، ومن أين جاءت امن داخل الأرض التي كانت نارا حامية، أم من كوكب آخر، وكيف تنوعت الحياة من تلك الذرة إلى أنواع لا تعد ولا تحصى مختلفة الأشكال والحجوم والطباع، فمن الذي اوجد، ومن الذي نوعها، وعين لكل نوع منها ما يصلح له وبلائمه على أحسن وجه. ومن هنا تنتقل إلى هضم الغذاء كل شيء يتصف بالحياة من إنسان وحيوان ونبات، لا بد له من هضم وتعويض، وذلك التعويض هو الغذاء، فان مادة الحي يتحلل جزء منها دائما ويستعاض عنه بتكون جزء جديد بواسطة الغذاء، حتى قيل، أن الحيوان عموما ينعدم في سبع سنين ويجدد بناء جسمه. وسواء أكان هذا كما قيل أم لا، فالغذاء والهضم ضرور بان لكل حي، وقد اكتشف العلم الحديث أن الجسم الحي مركب من عناصر مختلفة، وكل ما يتحلل منها بعوض بمثله من الغذاء. وانتقال الغذاء من حاله كاللحوم والخضر والحبوب بالنسبة إلى غذاء الإنسان إلى أن يصير لحما وعظما وعصيا وغضاريف ويرها، ثم إلى أن يتحد كل عنصر بما يماثله في الجسم يمر بأطوار كثيرة دقيقة، ويحتاج إلى آلات ومعامل كيماوية، كل منها يقوم بما يختص به في تناسق وتضامن مع الآلات الأخرى. وقد بسطت القول فيما ترجمته وعلقت عليه من كلام كرسي موريس في رده على جوليان هكسلي الذي سرق الحبشي كلامه. ونشر في المقال السادس عشر تحت عنوان (دواء الشاكين وقائع المشككين) في الجزء الثاني من السنة الخامسة من مجلة «دعوة الحق» في الفصل الذي عقده المؤلف المذكور للبحث في الهضم تحت عنوان (اكبر معمل في العالم) فارجع إليه أيها القارئ أن أردت تفصيل القول في الغذاء وهضمه، والاستدلال بذلك على أن لهذا الكون مديرا حكيما عليما. والحاصل أن نظام الهضم يدل على منهاج موضوع من قبل، وتطبيق دقيق ناشئ عن علم وإرادة وحمة، ولا يقبل العقل غير هذا أبدا.
المثل الثالث، نزول المطر.
عوام الناس قديما وحديثا لا يعرفون من حال المطر إلا انه ماء ينزل من السماء لري الأرض إعداد ثمارها وحاصلاتها، وهو مقدر بقدر، وموقت بأوقات تناسب حاجة الناس إليه. أما الباحثون فيعلمون أن المطر يتبخر من البحار بسبب الحرارة ويصعد إلى الطبقات العليا من الجو فيبرد وينقلب ماء فينزل على الأرض مطرا وبردا وثلجا وجليدا. وقد عرف الناس هذا منذ زمان قديم. قال أبو ذؤيب يصف سحابا.

شربن بماء البحر ثم ترفعت
               متى لجج خضر لهن فئيج

قال العيني في شرح الشواهد: قاله أبو ذؤيب يصف به السحاب من قصيدة من الطويل. الضمير في شربن يرجع إلى السحب، وضمن معنى روين، فلذلك وصلت بالباء، وقيل شاذ. وترقصت أي توسعت. والشاهد في متى لجج، فإنها حرف جر هاهنا بمعنى من، وهي لغة هذيل. ولجج جمع لجة، وهي معظم الماء. ونتيج مبتدأ، ولهن خبره، من ناجت الربح تتالج نتيجا تحركت ولها نتيح، أي مر سريع مع صوت. انتهى.
يعني شربت السحائب من ماء البحر ثم ارتفعت من معظم ماء البحر وهي لججه يسمع لمر الريح فيها صوت، وهذا يثبت أن العرب كانت تعرف أن أصل المطر من البحر. قال الخضري في حاشيته على ابن عقيل. والصبان في حاشيته على الاشموني: تزعم العرب والحكماء أنها (أي السحائب) تدنو من البحر الملح في أماكن مخصوصة، فتعتد منها خراطيم عظيمة كخراطيم الإبل فتشرب من مائه بصوت مزعج، ثم تصعد في الجو فيلطف ذلك الماء ويعذب بإذن  الله تعالى في زمان صعودها في الهواء، ثم تمطره حيث شاء الله تعالى. انتهى. وقال المتنبي:
كالبحر يقذف للقريب لألئا
                  أبدا ويبعث للبعيد سحائبا
وهذا يدل على أن المتنبي كان يعرف إن السحاب من البحر، والمطر من السحاب. ومعرفة ذلك ليست جوابا عن سؤال، لماذا تبخرت البحار وصعد بخارها إلى أعالي الجو، ثم وزع نقط مطر أو حبات برد، أو ثلج، كل ذلك بقدر معلوم، ولماذا ينزل في أوقات معلومة ولا ينزل في أوقات أخرى، وما الذي جعل فيه الحياة بخلاف الماء الذي يبخره الإنسان من ماء البحر فيصير عذبا صالحا للشرب، ولكنه لا ينبث شيئا. وما أحسن قوله تعالى في سورة الزخرفة 9-11 (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم. الذي جعل لكم الأرض مهادا، وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون. والذي نزل من السماء ماء بقدر فانشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون.
المثل الرابع مناظرة الطبيب في حمرة الدم
وهي واضحة لا تحتاج إلى تعليق. وما مثل الذي يكشف قوانين الكون ونظمه، يقنع بذلك ويزعم انه بلغ الغاية في العلم بأسرار الوجود وينفي ما عدا ذلك كمثل بدوي دخل السينما لأول مرة فرأي فيها أشخاصا يتحركون ويتحدثون، ورأى فيها معامل ورجالا يشتغلون فيها، وبحورا وجبالا وغيرها من المناظر فتعجب منها كل التعجب ونفى أن يكون هناك احد قد صورها ورتبها وأخرجها بتلك الصور. هذا على سبيل التقريب، وإلا فان عجائب السموات والأرض وأحكام صنعها لا مناسبة بينها وبين السينما..
هذا وموعدنا المقال الرابع حيث نذكر أقوال الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين في هذه المسالة أن شاء الله.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here