islamaumaroc

الانطلاقة المنحرفة

  دعوة الحق

76 العدد

مر على العالم الإسلامي حين من الدهر طويلا، كان يعاني خلاله أمراض التخلف الحضاري واشتدت به تلك الأمراض، ودفعته بعنف نحو الانهيار والقهقرى، ولكنه مع ذلك لم يحس بالألم ولم يشعر بالحاجة إلى تغيير أوضاعه، وقد كان لهجوم الاستعمار على بلاده، وتدهور الخلافة العثمانية، والاستسلام للأحلام، وشعوره بالإخطار المحدقة به، وقد حاول المصلح محمد بن عبد الوهاب، أن يقوم بتجربة إصلاحية بالجزيرة العربية فأحيط بها من كل جانب، ولم تستطع تأسيس الدولة التي كان يريد، كما أطلقها جمال الدين الأفغاني صيحة جدية، عبر هذا العالم النائم، وقام بنشاط جبار لإسماع الأذان أصوات الخطر، فاستيقظ أناس مستحبين للصيحة، فتكونت قيادة جديدة لتجارب في واجهتين، الفساد الداخلي المتمثل في المتئامرين على مصالح الأمة، والاستعمار الخارجي، ولكن هذه القيادة لم تكن فكرتها مبنية على إيديولوجية تستهدف تكوين امة منحصرة ذات رسالة، وإنما غلب على تلك القيادة النزعة السياسية، وذلك نفسره مبدئيا بعاملين:
1) العامل الأول: أن الضرورة الملحة كانت تقتضي مكافحة الاستعمار ومقاومته، لأنه أصبح خطرا واقعا في بعض البلاد الإسلامية، ومهددا للبعض الأخر، وهذه الظروف فرضت على البعض القيام بالعمل المسلح وعلى الآخرين بالعمل السياسي، أو على حد تعبير احد السياسيين: أن السياسة هي الوسيلة التي بقيت لدينا بعد فشل السلاح، وهكذا تأسست أحزاب سياسية، منها متطرف، ومنها المعتدل، ومنها المتعاون، ووضعت شعارات للشعوب الإسلامية، كالجلاء، والاستقلال، والحرية، والبرلمان، والوطنية، وتجمعت حول هذه الشعارات عواطف الشعوب المغلوبة على أمرها، تستجمع قواها، وتتحمس لتحقيق تلك الشعارات،في جو من الإخلاص ونكران الذات، وقد بين الواقع أن تلك الشعارات كانت غامضة، تحتمل تفسيرات (معينة) وان كانت الشعوب الإسلامية قد فهمتها فهما متطرفا متصلا بالعقيدة التي تحملها.
2)العامل الثاني: ما يسميه أستاذنا الجليل مالك ابن نبي بالنزعة إلى السهولة، فبدلا من التغيير الجذري للنفس الذي هو أساس الحضارة، نرى أصحاب النزعة إلى السهولة، يلجاون إلى نوع من التعويض، كالخطب الرنانة، والمظاهر التي ألفها العالم الإسلامي منذ قرن من الزمن، فلم تغير ما به، وان التغيير النفسي لأعظم واجل من الجهاد بالسيف والسخاء بالدم) ولذلك كان مفهوم الإسلام: الجهاد الأكبر.
وقد حققت النزعة السياسية للعالم الإسلامي بعض الشعارات على النحو الذي فهم هنا وهناك، كما أنشأت له مدارس وجامعات ونشاطا في الميدان الصحافي والفكري، والغني، ولكن مع ذلك، فقد أصبحت ترفرف على هذا العالم الإسلامي إعلام مختلفة الألوان، أعطت للمأساة مظهرا أخر، لا يقل خطورة عن المظهر الأول، فقد تعددت الاتجاهات واختلفت الأهواء، وتناكرت اشد ما تكون التناكر، وأصبحت كل دولة(تنمو) في إطار خاص مما يعمق الهوة بينها وبين الدول الأخرى (الشقيقة)، ويبدد أحلام المسلمين في الوحدة تحت لواء القرآن، هذه ظاهرة، أما الظاهرة الثانية فهي:

أن الاستعمار لم يمنح «الاستقلال» لهذا العالم، إلا بعد أن كان قد هيا له قيادة ثقافية صنعها بعينيه، وزودها بروحانية خاصة، وصوفية متطرفة، فأصبح مستريحا على مصيره، ومسرورا بمستقبله، وصاحب الحظ الأوفر في هذا «الاستقلال» والحق أن هذه القيادة قد أفلحت في كثير من البلاد الإسلامية في القيام برسالتها التي هيئت لها.
والظاهرة الثالثة وهي نتيجة للظاهرة الثانية وتتمثل في إشاعة الثقافة الاستعمارية والقوانين الأجنبية وخنق كل محاولة جدية لنشر الثقافة الإسلامية، بل ومقاومة الحركات التحريرية المبنية على الفكر الإسلامية بكل شراسة وقساوة، وان أعداء الإسلام لا يخشون بناء جامعه أو تأسيس مصنع أو تغيير وزارة بمقدار ما يخشون بناء امة وتأسيس عقيدة وتغيير نفوس، ولذا فان الثقافة الاستعمارية تعمل على خلق توجيه خاص يتيح بقاء فعليا للاستعمار واستمرار البلاد بأمور جزئية ومشاريع ثانوية، وصرف هممها على الألفات إلى منبع القوة ومفتاح المشاكل.
الظاهرة الرابعة أن مشاكل هذا العالم تتزايد باستمرار وبشكل مخيف، وتتعقد كلما طال بها الزمن ولم تعد «القيادة»، عموما، قادرة على إيجاد الحلول لان الحل غالبا ما يكون ناشئا عن تقريرات ودراسات فنية لا تمس جوهر المشكل، لان العقلية التي أبدعته لا تتصل نفسيا واجتماعيا وحضاريا بمحيط المشكل والظاهرة الخامسة شيوع الاضطرابات والانقلابات على الأوضاع وسيطرة القلق النفسي على الشباب، مما جعلهم هدفا لأفكار غريبة ومثل مختلفة منها المستورد ومنها المصنوع محليا، وقد ساعدت الأوضاع الثقافية على تعميق هذا القلق، وتنشيط ذاك الاضطراب.
الظاهرة السادسة: خمود جذوة الحماس ي الشعوب الإسلامية لما أصبحت تضمره من سوء الظن نحو قياداتها الثقافية والسياسية التي عملت على أنهاك هذا الحماس واستهلاكه دون أن تربطه بفكرة خالدة تلهبه دائما، وتمده بالقوة والإصرار.
وقد تحول سوء الظن إلى نوع من الحقد والسخط والاستهتار أحيانا مما زاد في الهوة عمقا واتساعا بين ما يسمى بالقاعدة والقيادة.
والظاهرة السابعة وجود فراغ عقائدي مخيف يدفع بهذا الذي يطلق عليه العالم الإسلامي إلى الابتعاد شيئا فشيئا عن الفكرة الإسلامية واعتبارها فكرة تاريخية انتهى دورها من مسرح التاريخ، إذ لم تعد صالحة لعالم الذرة والصاروخ، ومن ثم فان الأفكار الرأسمالية والماركسية أصبح لها دورها الفعال في مخيلة الأجيال الحالية، وان كانت الأفكار الاشتراكية أكثر جاذبية ولمعانا من غيرها.
وهكذا ينتقل العالم الإسلامي في قلق مستمر من تجربة إلى أخرى ومن دواء إلى أخرى دون أن يعثر على حقيقة الدواء الناجع، لأنه لم يعثر بعد على حقيقة المرض الذي أصابه، وهكذا سلخ قرنا من عمره دون أن يتخلص من التخلف والسيطرة والتبعية الثقافية، لأنه لم يلتفت إلى مفتاح مشكلته وإلى سر دوائه: إلى نفسه فيغيرها وإلى روحه فيظهرها على أساس من الفكرة الإسلامية التي من طبيعتها أن تقضي على جميع الأمراض والمشاكل لأنها رسالة حضارية، ولو نحن اتخذناها نقطة انطلاقنا لكان للعالم الإسلامي كيان غير هذا الكيان، ولحقق أضعاف الانتصارات التي تحققت له بانطلاقته الأولى.
وان الاعتراف بفشل الانطلاقة الأولى لا يعني قدحا أو تجريحا ، وإنما يعني قبل كل شيء محاولة مخلصة لتصحيح الانطلاقة بكل موضوعية وبدون عقد، وان كل محاولة للاستمرار في خط السير الأول-أن كان ثمة خط- إنما هو تضليل لهذا العالم الإسلامي عن حقيقة مشكلته وإبعاد له عن دوره الطبيعي في القيام برسالته الإنسانية في هذا العالم المضطرب:
ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

                                                                  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here