islamaumaroc

واجب الشباب المسلم -2-

  دعوة الحق

76 العدد

(هذه محاضرة ألقاها الأستاذ أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، أمام جمع من الشباب الإسلامي في مسجد الدهلوي بمكة المكرمة أيام الحج عام 1381) وقد توصلنا بها في الأيام الأخيرة، فأحببنا أن نقدمها لقراء مجلة «دعوة الحق» تعميما لفائدة...
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين. وبعد إخواني الكرام... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يسرني في هذه اللحظة المباركة التعبير عن عظيم شكري وغبطتي بهذه الفرصة السعيدة التي اتبحت لي اليوم لان القي كلمتي المتواضعة أمام مجموعة طيبة من الشباب المؤمن المخلص الذين جاءوا إلى هذا البلد الأمين من كل فج عميق ليذكروا اسم الله في أيام معلومات ويشهدوا منافع لهم، وبتعبير اشمل لحضور اجتماع المؤتمر الإسلامي السنوي الكبير. والهدف من كلمتي هذه هو إحاطة الشاب المؤمن علما بمنهاج الدعوة الإسلامية الذي تقتضيه الظروف الحاضرة في العالم الإسلامية. وسأنتهز هذه الفرصة الثمينة لإخراج كل ما ضمره قلبي ويخفيه صدري، لتكونوا على بصيرة تامة ومعرفة دقيقة بالوضع الراهن في البلاد الإسلامية، ثم تبادروا إلى اللجوء إلى كل وسيلة تصلح-إلى حد علمي- لإعادة المياه إلى مجاريها، بكل حكمة وتبصر وجرأة وصمود. وإذا وجدهم، أيها الإخوان، في كلمتي هذه ما ترون فيه نقعا للإسلام والمسلمين فاسمعوا وعوا وليبلغ الشاهد الغائب، لعلي لا أجد في المستقبل مثل هذه الفرصة السعيدة، في مثل هذه الأيام المباركة، في مثل هذا المقام الكريم. وأدعو الله تعالى أن يوفقني وإياكم لما فيه مرضاته وان يجعل كل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
أيها الإخوة الكرام... أن الأمر الذي يجب عليكم أن تعلموه قبل كل شيء هو أن العالم الإسلامية ينقسم إلى قسمين: قسم، المسلمون فيه أقلية وأزمة الحكم فيه بأيدي غيرهم. وقسم، المسلمون فيه أغلبية وهم الذين يقومون قيه بحكم أنفسهم.
ومما لا جدال فيه أن القسم الثاني من هذين القسمين هو أكثر أهمية من القسم الأول بحكم الطبيعة، إذ أن مصير المسلمين في الدنيا بتوقف في ازدهاره أو اضمحلاله، إلى حد كبير، على ما يختاره القسم الثاني من المنهاج في حياته الاجتماعية ولا أنكر ما للقسم الأول من الأهمية والمكانة في حد ذاته، بل أقيم وزنه. وذلك لان مجرد وجود المؤمنين بفكرة وعقيدة ونظام للحياة في سائر إنحاء العالم، بحيث يتجاوز عددهم آلافا مؤلفه ليكون اكبر وسيلة واقوي عامل لتشجيع الذين يؤمنون بتلك الفكرة والعقيدة والنظام للحياة فعلا ويرفعون لواءها. إلا انه من الظاهر البين أن تلك العقيدة وتلك الفكرة وتلك الدعوة إذا صارت مغلوبة الشأن ومهانة المكانة في عقر دارها فان المؤمنين بها المتفرقين في شتى بقاع العالم لن تقلصهم الأرض ولن تظلهم السماء إلى اجل غير مسمى وإلى أمد غير قصير... ولذلك لا يكون مخطئين إذا قلنا: أن المصير الذي ستلقاه الأمة الإسلامية في الدنيا إنما هو نفس المصير الذي ستواجهه البلاد الإسلامية التي تتسع وقعتها من اندونيسيا والملايو شرقا إلى مراكش ونيجيريا غربا. هذا هو منطق الفكر وهذا هو ما تشير إليه الأسباب الظاهرة. أما كان هنالك من الحوادث الخارقة للعادة ما يتوارى عن عيوننا ولكن الحكمة الإلهية والقدرة الربانية تريد الإتيان به فليس ذلك من المستبعد عقلا والمستحيل وقوعا، لان الله تعالى قادر على أن يفجر الأنهار من الأحجار الصم ويبدل الصحارى القاحلة الجرداء حدائق جميلة غناءه رنانة في لمسح البصر. وسبحان من بيده الملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير.
فبناء على ما فرضنا آنفا بصدد مستقبل الأمة الإسلامية حيث قلنا. أن مستقبلها مرتبط في خيره أو شره بمستقبل البلاد الإسلامية، نستعرض الآن: ما هي الأوضاع التي تسود اليوم البلاد الإسلامية؟ وما هي أسبابها ودواعيها؟ وما هو المنهاج الذي ينبغي أن يسلكه العاملون للإسلام فيها؟.
مما لا يخفى عليكم، أيها الإخوان، أن البلاد الإسلامية قد وقعت في براثن الاستعمار آخر الأمر، بعد أن بقيت مصابة إلى مدة غير يسيرة بالتدهور الفكري، والجمود العقلي، والانهيار الخلقي، والاضطراب السياسي. وكان الاستعمار قد ألقى عصاه في البلاد الإسلامية في القرن الثامن عشر للميلاد، وبلغ أوجه في أوائل القرن الحاضر، حيث قد سيطر على البلاد الإسلامية كلها ما عدا النزر اليسير الذي بقي بمنجاة من الاستعباد المباشر للمستعمرين. إلا أن الهزائم تلو الهزائم التي إصابته قد جعلته لا يختلف في ذله واستكانته عما آل إليه أمر من حوله من البلاد الإسلامية، بل صار أكثر شعورا بالنقص واشد ذعرا من الذي سبله الاستعمار حريته سلبا كليا.
وان من أفظع النتائج التي انتهينا إليها على يد الاستعمار الغربي هو ما تردينا فيه من الانهزام الفكري والانحلال الخلقي والتبعية الثقافية للغرب.
أيها الإخوة الكرام... أن المستعمرين الغربيين لو سلبوا أموالنا سلبا ونهبوا ثروتنا المادية نهبا وقتلونا تقتيلا وأبادوا أولادنا عن بكرة أبيهم ودمروا بيوتنا تدميرا لما كان هذا الظلم أشنع بوعا، واشد قسوة، وأفدح نتيجة، من الظلم الذي اقترفوه نحونا بيت سموم حضارتهم المادية وثقافتهم الاستعمارية، انه كلما تمت لهم السيطرة والانتصار في قطر من الأقطار الإسلامية قضوا على نظامنا التعليمي والتربوي نهائيا-أن أمكن لهم- أو جعلوا المتخرجين منه من سقط المناع وشيئا لا مقام له إلا في سلة المهملات. كما أنهم، حسب خطتهم المدروسة لم يدعوا اللغات الشعوب المسلمة المنهزمة مكانتها المرموقة بل طردوها من دوائر التعليم والتربية ولم يبقوها أداة لإدارة الحكومة، وأقاموا عن أنقاضها صرح لغتهم وجعلوها هي أخرى أداة التعليم وإدارة الحكومة. وطبق هذه الخطة البشعة في البلاد الإسلامية جميع الفاتحين الغربيين، من الهولنديين والانجليز إلى الفرنسيين والايطاليين وكأنهم كانوا على اتفاق فيما بينهم في هذا الشأن.
ثم أن المستعمرين الغربيين انشاوا في الشعوب الإسلامية، طبقا لخطتهم المرسومة، جيلا جديدا يجهل الإسلام بمعظم تعاليمه السامية وعقائده الأساسية وشرائحه السمحاء وتاريخه المجيد وتقاليده الذهبية من ناحية، ومن ناحية أخرى قد صيغ من جهة عقليته وأسلوب تفكيره ونظره إلى طبائع الأشياء في القوالب الغربية المادية. ثم بدأت تتولد من هذا الجيل المتفرج أجيال متعاقبة كان كل لاحق منها ابعد تمسكا بالإسلام من سابقه، وأكثر اندفاعا وراء الحضارة المادية واشد شغفا بالثقافة العربية واخلص إيمانا بفلسفة الغرب للحياة الإنسانية. وقد بلغ هؤلاء من الانهزام الفكري مبلغه حيث عادوا يعتبرون التحدث بلغة الفاتحين مفخرة من المفاخر. وكان جبين احدهم يبدي بسبب كونه فردا من أفراد المسلمين بينما المستعمرون كان متعصبين لدينهم المسيحي ومعتزين باعتناقه. وكذلك كان المتفرنجون من المسلمين يفتخرون بمروقهم عن الدين واستهتارهم بإحكامه ويكيدون لتقاليدهم الذهبية كل نسبة ويعتبرون كل ذلك وسيلة لازدياد كرامتهم وعلو مكانتهم وارتفاع شانهم في المجتمع بينما احتفظ الفاتحون الغربيون بكرامة تقاليدهم البالية المبتذلة واحد التزي بأزياء المسلمين وانتهاج طرازهم للحياة العامة-رغم بقائهم في البلاد الإسلامية مدى حياة احدهم-. أما القوم المتفرنجون فحدث عنهم ولا خرج، أنهم ما ادخروا جهدا في تقليد الغربيين في كل صغير وكبير من أساليبهم في الأكل والشرب إلى عاداتهم للنهوض والقعود. وأخيرا قد دخلوا كل حجر دخله الغربيون- رغم كونهم في بلادهم وفي بيئتهم وبين بني جلدتهم وليت الأمر وقف عند هذا الحد. ولكنهم، اندفاعا وراء سنن الغربيين واقتناء لكل اثر من أثارهم، قد نهلوا من سموم أفكارهم المادية والإلحادية-كالعصبيات الجاهلية والإباحية الخلقية والمجون والخلاعة- حتى الثمالة. وقد رسخ في أذهانهم أن كل ما يجئ من الغرب حق وصواب، والإيمان به واجب، والعمل بمقتضاه من إمارات التقدمية، والإعراض عنه تختلف ورجعية وحماقة وسفاهة. إلا أنهم هم السفهاء ولكن لا يعملون.
أيها الإخوة الأحباء... كان من خطط الاستعمار المدروسة ضد المسلمين أن كل من كان منهم يحوز قصب السبق في اصطباغه بالصبغة الغربية وابتعاده عن السمات الإسلامية يحوز المكانة المرموقة في المجتمع والدوائر الرسمية، المدينة منها والعسكرية. كما أصبحت لأمثال هؤلاء، الناس الأهمية كل الأهمية في الميادين السياسية والمجالات الاجتماعية، ثم هم الذين تزعموا الحركات السياسية وهم الذين وقع عليهم الاختيار للتمثيل في المجالس النيابية... وختام القول أنهم هم الذين كان قد خلا لهم الجو في الحياة الاجتماعية فباضوا فيها وفرخوا.
ثم أن البلاد الإسلامية لما رفعت فيها حركات التحرير رأسها كان من المحتوم بحكم الطبيعة أن ترجع أزمة زعامتها إلى أيديهم، إذ أنهم هم الذين كانوا مضطلعين بلغة القوم وعارفين بطبيعتهم بسبب كونهم اقرب الناس إليهم. فلذلك لما بدأت البلاد الإسلامية ينكمش فيها ظل الاستعمار وتتحطم فيها أغلاله وتتمتع باستقلال والحرية انتقلت إليهم أزمة الحكم وسلطات الحل والعقد. فصاروا خلفاء المستعمرين في الأرض.

إن لتاريخ الاستعمار منذ توغله في البلاد الإسلامية إلى توليه عنها وبداية عهد الاستقلال والحرية عدة نواح، لا بد لنا أن تضعها إمام أعيننا خلال دراستنا للأوضاع الراهنة في البلاد الإسلامية، إذ لا يمكننا دراسة تلك الأوضاع وتحليلها بكل دقة بعد صرف النظر عن تلك النواحي. فهاكم بعضها:
الأولى: أن المستعمرين لم يتمكنوا من إزاحة عامة المسلمين من طريق الإسلام طول مدة استيلائهم على البلاد الإسلامية على رغم جهودهم في هذا الغرض. لا شك أن المستعمرين قد أطبقوا عليهم الجهل وعكروا صفو أخلاقهم الزكية ونفذوا فيهم قوانينهم المستوردة بدلا من إحكام الإسلام، وجعلوهم متعودين حياة غير إسلامية. إلا أنهم ما استطاعوا أثارهم ضد الإسلام وتقاليده. والدليل على ذلك هو أن عامة المسلمين حتى ساعة ما زالوا مولعين بالإسلام، كما كانوا في الماضي، وسيجدهم مومنين به من صميم قلوبهم وإخلاص في نيتهم وصدق في عزيمتهم، حيث لا يرضون بدونه دينا ولا نظاما للحياة، مع أنهم لا يعرفونه كل المعرفة ولاة يتفقهون في أحكامه وتعاليمه. ولا جدال في أن أخلاقهم قد انهارت وعاداتهم قد ساءت وأذواقهم قد فسدت إلا أنهم لم تتبدل لديهم مقاييس القيم للأخلاق. نعم.. من الممكن أن يأكلوا الربا ويقترفوا الزنا ويتعاطوا الخمور، بل وهم يفعلون كل ذلك فعلا، إلا انك لا تجد فيهم من يؤمن بحلة هذه المحرمات ما عدا الشرذمة القليلة من المتفرنجين الذين احلوا ما حرم الله وحرموا ما أحله الله. أن عامة المسلمين لم يعتبروا الرقص والغناء والسهرات بالملاهي والفجور من أصل الثقافة وصميم الحضارة-وان لم يستطيعوا ترك الاستلذاذ بها وتناقلوا إلى الأرض عندما دعوا إلى تزكية أنفسهم- كما أنهم ما زالوا يعيشون خلفا عن سلف تحت القوانين الغربية، ولكنهم لم يرسخ في أذهانهم أن هذه القوانين في شيء من الحق والصحة وان قوانين الإسلام قد أكل عليها الدهر وشرب، ولم تعد تصلح لمسايرة العصر الحاضر، إن الأقلية القليلة من المفتتنين بالحضارة الغربية قد اخذوا ببريقها وآمنوا بالقوانين الغربية والنظم الوضعية إلا أن عامة المسلمين لا يؤمنون إلا بالإسلام ولا يطالبون إلا بتطبيق قوانينه في بلادهم.
الثانية: أن رجال الدين في البلاد الإسلامية لهم احتكاك مستمر بعامة المسلمين ومخالطة دائمة معهم، في أفراحهم وأتراحهم، حيث لا يتكلمون إلا بما يتكلم به عامة المسلمين ولا يمثلون إلا بما يعتقدونه من دين... إلا أن هؤلاء الناس-أي العلماء- بحكم بقائهم مبعدين عن أزمة الحكم منعزلين عن مزاولة الشؤون السياسية والاجتماعية، إلى أمد غير يسير لم يعودوا يصلحون لتوجيه المسلمين من ناحية السياسة، ولهذا السبب ما استطاعوا التربع على مناصب الزعامة لحركات الكفاح والتحرير التي قامت في السنوات الأخيرة في كل قطر من الأقطار الإسلامية الواقعة تحت نير الاستعمار. كما أنهم لم يتمكنوا في عهد الاستقلال من الإسهام المباشر في إدارة الدولة. وان مهمتهم في حياتنا الاجتماعية الحاضرة لا تعدو وظيفة (الفرملة) في جهاز السيارة حيث يحاولون، إلى حد ما، دون سرعة سيارة الحياة الاجتماعية. غير أن هذه (الفرملة) قد تكسرت في بعض الأقطار الإسلامية. أما السائق-وهو الفئة الحاكمة المولعة بالمغرب- فقد يهوى بها إلى الدرك الأسفل، بسرعة مدهشة، ومع ذلك انه يظن انه يعرج بها إلى الجهة العليا وبحسب انه يحسن بذلك صنعا.
الثالثة: أن الحركات التحريرية التي قامت في أقطار الإسلامية وان كان يتولى قيادتها الفئة المتفرنجة، إلا انه من الجدير بالذكر أنها لم تستطع تحريك عامة المسلمين وتشحيذ هممهم وإذكاء مشاعرهم لدفهم وراء حركاتهم وجعلهم يستميتون فيها إلا باسم الدين وباسم استعادة المجد الإسلامي. فلم يدخروا وسعا في مناشدة الشعوب الإسلامية باسم الله ورسوله، ومن إثبات دعوتهم صراعا بين الإسلام والكفر، استمالة قويهم لدعوتهم وتحريصا لهم على إفراغ جهدهم وبذل مهجهم في سبيلها، وذلك، لأنهم ما رأوا نجاحهم في إشراك المسلمين في ركبهم وحثهم على استجابة دعوتهم وإتباع خطواتهم والانضواء تحت لوائهم بدون الالتجاء إلى هذه الوسيلة الناجحة.
ومن أدهى الدواهي وافجع الكوارث انه لما تحقق لهم المقصود، وتم للبلاد استقلالها نبذوا عهودهم وراء ظهورهم وتناسوا كل ما كانوا يدلون به من تصريحات والبيانات إثناء معركة التحرير، بل الإسلام كان أول ضحية لخيانتهم بعد الاستقلال-ذلك الإسلام الذي باسمه كانت هذه الفئة تقيم الدنيا وتقعدها، وبفضله تكللت معاركهم بالنجاح. أليس هذا-أيها الإخوان- من اكبر الخيانات التي شوهدت في تاريخ الإسلام، وأعظم أكذوبة ظهرت في مضمار السياسة، واشبع انحراف راية عين السماء.
لمثل هذا يذوب القلب من كسد
           أن كان في القلب إسلام وإيمان
الرابعة: الأخيرة... أن الاستقلال الذي حصل ببلاد الإسلامية، تحت زعامة هذه الفئة وبجهود عامة المسلمين إنما هو استقلال سياسي فقط. وإنما الفرق كل الفرق بين الاستعمار الغابر والاستقلال الحاضر هو يتخلص في أن السيطرة التي كانت للأجانب فيما مضى أصبح يتمتع بها الأقارب في الحاضر. حيث لا اختلاف بينهما، في ميولهما واتجاهاتهما وفلسفتهما للأخلاق والاجتماع والاقتصاد، كما أن موقفهما من الإسلام متقارب، حتى أن الأسس التي وضعها المستعمرون لنظام التعليم وزال تربية تحقيقا لمصالحهم الخاصة لا يزال يأخذ بها المستعمرون الجدد، وان القوانين التي وضعها المستعمرون الأجانب لا تزال تطبق، بل أضف إلى هذا أن التشريع الجديد لا يزال ينتهج الذي كان ينتهجه في عهد الأجانب، من جهة أسسه وفكرته ونظمه. وزاد الطين بلة أن الأحوال المعسكرات والذبابات والمسدسات والرشاشات. وان تعجب فتعجب أن الجيوش أيضا لا نتفق كلمتها على زعيم واحد آو قائد بعينه بل ينتهز كل ضابط من الضباط فرصة لتمهيد السبيل لفرض دكتاتوريته والاستبداد الحكم بعد تحطيم غيره. ومن المضحكات المبكيات انه إذا تم لواحد منهم السيطرة على البلاد فهو يعتبر ضالة الشعب ومنقذ الشعب والزعيم الأوحد ورجل الساعة حتى إذا واجه مصيره المحتوم أصبح اكبر خائن والد أعداء الشعب، أما الشعوب الإسلامية فشانها اليوم شان الدمى في أيدي الأطفال لا دخل لها في شان من شؤون بلادها.
والأمر الوحيد الذي يتفق عليه كل من الدكتاتوريين السياسيين والعسكريين مع تضارب مصالحهم واختلاف إغراضهم هو انه كلما أتيحت لأحد منهم الفرصة للسيطرة على البلاد واستخدام وسائلها لم يتأخر في بث سموم الالحاذ والفجور وإطلاق سراح الدعاة إلى الخلاعة والمجون ليلعبوا دورهم في طمس معالم الفضيلة وصرف الشباب عن الأهداف السامية في الأخلاق وعن الدين إلى منعة العيش والشهوة الدنيئة.
إن هناك بارقة أمل، في هذا الظلام الحالك تلمع في ضوئها حقيقتان: أولهما، أن الله تعالى أذاق أنصار الإلحاد والفسوق ودعاة الإباحة والمجون وبال أمرهم فألبسهم شعبا يذيق بعضهم باس بعض. وهذا من فضل الله على امة (ولولا لا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) إذ لو أنهم كانوا يرمون عن قوس واحدة لأصبحوا للأمة الإسلامية داء عضالا لا علاج له. ولكنهم اتخذوا الشيطان وليهم. وان كيد الشيطان كان ضعيفا.
ثانيهما: أن قلوب عامة المسلمين لا ينقصها التحمس للدين والفضيلة ولا يروقهم ما يقوم به الزعماء والقادة المصطنعون من عملية الهدم والتخريب، وان هناك لشواهد تدل على انه إذا قامت جماعة راشدة تتوفر فيها شروط الأهلية والكفاءة للقيام بدور الزعامة والتوجيه في جانب، وفي الجانب الأخر تكون على إيمان راسخ بالإسلام وعلى عقيدة قوية بمبادئه وعلى عزيمة صادقة للتضحية بكل غال ورخيص في سبيله. فلا شك أن هذه الجماعة هي التي سيكتب الله لها الانتصار في المعركة الفاصلة بين الحق والباطل، وهي التي ستتولى تطهير تلك الشعوب من انداس الإلحاد والفسق والفجور وترجع بها إلى ما كانت عليه في القرون الماضية من الفضيلة والسعادة والرفاهية (ولا تباسوا من روح الله، فانه لا يباس من روح الله إلا القوم الكافرون).

ويهمني، في ختام كلمتي، أن الخص للشباب المؤمن، ولا سيما المثقفين منهم ثقافة عصرية، الأمور التي يجب عليهم الأخذ بها للقيام بالعمل الجدي للإسلام في الظروف الحاضرة
أولا: لا بدلكم، قبل كل شيء، من معرفة دقيقة بحقيقة الإسلام، لتكونوا مسلمين علما وتفكيرا كما انتم مسلمون قلبا وعاطفة، ولتكونوا على قسط كبير من القدرة الكافية والكفاءة اللازمة لتسير الشؤون الاجتماعية في العصر الحاضر وفقا لإحكام الإسلام ومصالحه وقواعده.
ثانيا: عليكم أن تبادروا إلى تقويم ما اعوج وإصلاح ما فسد من أخلاقكم وعادتكم حتى تشهدوا بذلك شهادة علمية للإسلام الذي شاهدتموه من قبل شهادة قولية ولتعلموا بان التناقض في قول الإنسان وعمله يزرع بذور النفاق في القلوب ويزيل ثقة الناس به. وان نجاحكم ليتوقف على الإخلاص في النية والصدق في العزيمة، وعلى أن توافق إعمالكم  أقوالكم أن الرجل الذي يقول ما لا يفعل إنما يضر بدعوته اكبر ضرر. (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر متقا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).
ثالثا: لا أن تدخروا جهدا في بذل كل ما نستطيعون من قوة فكرية وعملية أودعها الله إياكم في سبيل الدعوة بالكتابة والخطابة، وان تقوموا بدراسة أسس الحضارة الغربية وانتقادها وتمييز خبيثها من طيبها حتى تحرروا بذلك أصنام عقول المسلمين وقلوبهم من التبعية للغرب، وحتى تحطموا أصنام النظريات الغربية التي استحوذت على قلوب جماعة من المسلمين من زمن طويل. هذا في جانب، وفي جانب الأخر عليكم أن تقدموا بتدوين وعرض قوانين الإسلام للحياة الإنسانية بطريقة علمية نرغم الجيل الجديد على الاعتقاد بصحة هذه القوانين وتقنعه بان نظام الإسلام من شانه انه إذا اخذ به شعب من شعوب العالم لا يتقدم فحسب، بل يسبق الآخرون في كل ناحية من نواحي الحياة، أن هذا العمل بقدر ما يتسع نظامه ويتجه إلى خطوط مستقيمة يزداد عدد العاملين للدعوة الإسلامية وأنصارها والمتأثرين بها في كل شعبة من شعب الحياة. ولا بد من إطالة هذا العمل لمدة غير يسيرة حتى يأتي على الدعوة يوم ينضوي تحت لوائها مجموعة كبيرة دعائم النظام الإسلامي، من العبث أن تتوقع انقلابا إسلاميا شاملا قبل أن تسبقه عملية الإعداد والتحضير. وإذا حصل، بطريقة صناعية وبدون إعداد كامل فلن يدوم ولن تتأصل له في الأرض جذور.
رابعا: أن تضموا إلى أسرتكم كل من يتأثر بدعوتكم الإسلامية، وتكونوا منهم جماعة قوية ذات نظام متين ودستور محكم حتى لا يمكن للضعف والغور أن يأخذا إلى صفوفها سبيلا. أن مجرد تكوين جماعة من الناس الذين ابدوا اتفاقهم على مبدأ معين تنظيم دقيق محكم يقوم أمره على السمع والطاعة عمل مبتور لا يجدي بشيء-هذا ما تؤكده التجارب الماضية، ولا ينبئكم مثل خبير.
خامسا: عليكم أن تهتموا كذلك بنشر الدعوة بين صفوف العوام حتى تبددوا ظلام جهلهم وتجعلوهم على بينة من أمر دينهم، وحتى يتبن لهم الخبيث من الطيب. كما يجب عليكم أن تهتموا بإصلاح أخلاقهم ورفع مستوى تفكيرهم ووعيهم الإسلامي ليقفوا سدا منيعا في وجه السيل العارم من الإلحاد والفسوق الذي ينتشر بسرعة في البلاد الإسلامية بمساعدة وتشجيع من حكوماتها الفاسدة. ذلك لان الشعوب التي إلهتها شهواتها ولذتها لا يمكنها أن تكون أرضا طيبة لان تقوم فيها دولة إسلامية، ولأنه بقدر ما تفشو المبوعة وتنتشر الخلاعة بين عامة الناس يصبح من المستحيل إقامة نظام إسلامي فيهم. وان الكذابين والخونة والفلسفة والفجرة قدر ما يصلحون لنظام كافر لا يصلحون لنظام إسلامي.
سادسا: لا تحاولوا إقامة نظام إسلامي على أسس غير سلسة وعلى دعائم ضعيفة وقواعد متزلزة، بل يجب عليكم الصبر في هذا الشأن، لان الأهداف التي نريد تحقيقها إنما هي أهداف ضخمة كبيرة تهدف إلى تصحيح القيم الإنسانية في إفهام الناس وإلى إعادتهم إلى حظيرة الإسلام بعد الردة التي هم عليها منذ زمان طويل. ومثل هذا الجليل يحتاج إلى مثابرة ومصابرة وإلى تفكير عميق. كما انه يجب عليكم أن تخطوا كل خطوة بحساب وبحكمة وتبصر، ولا تخطوا خطوة جديدة إلا بعد إن تراجعوا نتائج خطواتكم السابقة وتدرسوا ثمارها، هل هي سارت في الطريق المرسوم وهل جاءتكم بالنتائج المرجوة، ومن المشاهد المسلم أن الاستعمال أمر غير مأمون العاقبة. فاعتركنا-مثلا- في وزارة غير صحيحة وغير مؤمنة بمبادئنا، على رجاء أن مشاركتنا فيها خطوة تقربنا إلى غاياتنا لأمر خاطئ لان التجارب العلمية تؤكد بان مثل هذا العمل لا تجني منه الثمار الطيبة، إذ أن الذين يسطرون على الحكم هم الذين يتولون رسم سياستهم الداخلية والخارجية ويقومون بتنفيذها حسب ما توحي إليهم مصالحكم وأهواؤهم. وأما الذين يشاركونهم بغية تحقيق الأهداف النبيلة التي يضعونها نصب أعيتهم، لا بد لهم من مسايرتهم. ومعنى ذلك أنهم يصبحون أخر الأمر أبواقا لهم وآلة في أيديهم يفعلون بهم ما يشاؤون ويستغلونهم كما يريدون.
أيها الإخوة الكرام...
أود أن أوجه إليكم نصيحة، في الختام، وهي: أن لا تقوموا بعمل جمعيات سرية لتحقيق الأهداف، وان تتحاشوا عن استخدام العنف والحرب والسلاح لتغيير الأوضاع، لان هذا الطريق أيضا نوع من الاستعجال، الذي لا يجدي بشيء، ومحاولة للوصول إلى الغاية بأقصر طريق. لان هذا الطريق أسوا عاقبة وأكثر ضررا من كل صورة أخرى. وان الانقلاب الصحيح السليم قد حصل في الماضي-وسيحصل كذلك في المستقبل- بعمل عاني ونشاط واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، فعليكم أن تنشروا دعوتكم علنا وتقوموا بإصلاح قلوب الناس وعقولهم على أوسع النطاق وتغروا الناس لغاياتهم المثلى بسلاح من الخلق العذب والشمائل الكريمة والسلوك الحسن والموعظة الحسنة والحكمة البالغة، وان تواجهوا كل ما يقابلكم من المحن والشدائد مواجهة الإبطال. هذا هو الطريق الذي سيمكننا من عمل انقلاب عميق الجذور راسخ الأسس قوي الدعائم كبير النفع في حق هذه الأمة المسكينة ومثل هذا الانقلاب لا يمكن لأي قوة معادية أن تقف في وجهه. وأقول أن هذه الأمة لا يصلح أخرها إلا بما صلح به أولها. أما إذا استعجلتم في الأمر وقمتم بعمل الانقلاب بوسائل العنف، ثم نجحتم في هذا الشأن إلى حد ما ، فسيكون مثله كمثلا الهواء الذي دخل من الباب ليخرج من النافذة، هذه هي النصيحة التي أحببت توجيهها لكل من يقوم بأمر الدعوة الإسلامية. وان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب آو ألقى السمع وهو شهيد. وأقول كما قال الشاعر:

صدت نفسي وما ملكت يميني
            فوارس صدقوا فيهم ظنوني

وأسال الله تعالى أن يسدد خطانا ويلهمنا السداد والرشاد ويوفقنا كلمته بالطريق الذي يرتضيه لنا. انه نعم المولى ونعم النصير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

                                 إســــلام عمـــر

ويوم أسلمت عز الحق، وارتفعت      عن كاهل الدين أثقال يعانيها
                                               حافــظ إبراهيــم
أسلافــه للديـن كــان عـــــــــــزا      رح عـف المصطـفى هــــزا
                                                      شوقي

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here