islamaumaroc

ثقافتنا الإسلامية المعاصرة.-2-

  دعوة الحق

76 العدد

الثقافة وعي حضارة، لابد لها من الحرية والتعبير المحلي المعتمد على اللغة، ولا بد أر تركيز في حاضرها على الماضي وتسير في تصميم محكم، والإسلام دين سماوي، وهو مفوم عقلانيا، ومزود بفلسفة قوبة، استطاع أن يستوعب ما سبقه من حضارات.
وهنا اظهر الفكر الإسلامي طاقته الجبارة، ومرونته العظيمة، حيث استوعب كل ما سبق من إنتاج الفكر، ثم أعطى كل ذلك للحضارة الغربية بواسطة ابن مسرة وابن سبنا، وابن رشد وابن ميمون، فاستمدت الحضارة الغربية في مصر النهضة كل مقوماتها من الحضارة الإسلامية، ولو انصف التاريخ أو لو كتب المسلمون تاريخ الغرب لا ظهروا الأثر البارز للثقافة الإسلامية في عصر النهضة بفضل الإسلام أعظم بكثير من فضل اليونان على الغرب، ذلك لأنه إنما عرف الحضارة الأفريقية بواسطة علماء الإسلام الذين لم ينقلوها بل شرحوها وأضافوا إليها عدة إضافات وعلقوا عليها من فيوض الإلهامات الشرقية غير أن العالم الإسلامي أصيب بنكسة فنجمد، وبالتالي عجزت الثقافة الإسلامية، والمسؤولية في ذلك تحدد بعدة عوامل سياسية واقتصادية وفكرية، وفي الوقت الذي تجمدت فيه الحضارة الإسلامية كانت الحضارة الغربية في بداية الانطلاق، وتطورت بسرعة لعوامل اقتصادية واجتماعية، ولم نشر في تطورها السريع صوب ذاتها، بل توسعت في العالم الإسلامي على حساب الحضارة الإسلامية، وبذلك تحدتها وحاربتها في عقر دارها، وكان هناك فرق بين تحدي الحضارة الإسلامية لغرب أيام نهضتها حيث كانت متسامحة، عاطفة روحية، وبين تحدي الحضارة الغربية للحضارة الإسلامية حيث كانت ظالمة متعنتة خطيرة. وبينما سعت الأولى لتطوير التفكير الغربي، والأخذ عن حضارته سعت الثانية مدفوعة بالتعصب لتكتسح الثقافة الإسلامية في عملية جيلوسيد للثقافة الإسلامية.
وما يزال العالم اليوم في معركة صامتة بين الثقافة الإسلامية، وبين الثقافة الغربية، ونزال نعاني أزمة الشك في قيمة حضارتنا المغلوبة على أمرها.
لقد أعطى للغرب فرصة من الزمان، والقوة المادية، وتنظيم ثقافته وحضارته، وتدوين تاريخه وفرض ثقافته بالقوة مما جعل ثقافته تظهر دائما في صورة (ذات الفكر المنظم) أو في صورة (الثقافة الرسمية) و (الحضارة القانونية) أو الثقافة العامة المعترف بها، أما الثقافة الإسلامية ففي وضع معاكس تماما لا تحمد عليه، فهي متفرقة متنابذة  تفتت شخصيتها الحضارية  أو أشرفت على التفتت، والمسلمون أصبحوا يكونون مجالا للتجارب الحضارية شاعرين بأنهم أصحاب مجد دارس وثقافة محنطة، يتلقون الحضارة الغربية بالقوة حينا، والحيلة مرة أخرى، يتوهم الكثير منا إننا مضطرون إذا رغبنا في التطور الارتماء في أحضان التفكير الغربي والحضارة الغربية.
وانتهى هذا الغزو المنظم إلى فل شنأت الالتحام الاجتماعي الإسلامي، وحيوية الضغط العائلي لمقاومة عوامل الضعف والانحلال، فتضاءل الوازع الديني الموقظ للضمير الذي ينمي الحاسة الدينية في الفرد والمجتمع، وبذلك أخذت شخصية المسلم في التفتت، وكان في اثر ذلك في المجتمع أن فقدت العائلة حفاظها على الثرات، كما كان من اثر ذلك في الفكر العلمي المسلم أن خلد إلى الراحة والسكون وفسخ المجال لظهور صنفين (احدهما) يتنكر للدين ويروج الإلحاد، مستهزءا بالمعطيات الحضارية الإسلامية، متخذا من تاريخ المسلمين مجالا للنقد (وثانيهما) ادعاء المحافظة على الدين في روتيلية كهنوتية لا يقرها الإسلام تستغل المجتمعات وتقيم فوارق طقوسها زاوية لا تنسجم مع زوايا المربع الكامل، لان الإسلام دين اجتماعي يتساوى فيه الجميع، ويعبيء الطاقة العقائدية للجميع، حتى وقر في نظر الذين لم يحظوا بالدراسة الإسلامية تشبه الإسلام بالمسيحية التي تعتمد على الالكنروس للقيادة الدينية، وهذا الإفساد لطهارة الدين وبساطة نظامه ووحدة المؤمنين اضعف كل وسائل قوة الدعاية الإسلامية، وحتى الإرشاد الديني فقد مفعوله بتوالي الأيام، فالإرشاد والوعظ في الإسلام يؤديه كل مسلم قادر على ذلك امكرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وبذلك ظل قوي التأثير حمي الدعوة صادق اللهجة، يواجه الواقع المنحرف المذبذب بقوة وإقناع صادرين عن حماس طبيعي لا عن احتراف، ولا شك أن ظهور حماس جديد كفيل أن يعيد ذلك المجد الحضاري الذي تعتز به لبناء مستقبل باسم تهدف إلى حقيقته بكثير من الجهد، وقد دلت التجربة التاريخية إننا كنا على راس الحضارة الإنسانية وان نجاح هذه التجربة نتيجة إخلاصنا لعوامل تقدم الحركة الإسلامية لان الحضارة الإسلامية عانت تجربة ممضة وكابدت غزو منظما، ولكنها على أي حال ولله الحمد تعصت عن الإذابة والانصهار في ثقة الحضارة الغربية، وخرجت سالمة من المعركة وإذا تضافرت قوانا من جديد لبعثها سوف تكون أقوى مما كانت عليه، وحسب قول الشاعر القديم:
الفني في لظى فان غيرتنـي
          فتيقـن أن لسـت بالياقــوت
فان الحضارة الإسلامية ألقيت في اثون من نار، فلم تتغير، ونحن أكثر أيمانا من أي وقت مضى بفعالية خدمتها للإنسانية والتاريخ... وان المعركة التي خاضتها الثقافة الإسلامية في مواجهة الغرب جعلتها تتأثر بصفة مباشرة وبصفة غير مباشرة بثقافة الغرب وحضارته، وآن لنا أن نخضع لعملية (نقد ذاتي) عما يجب أن نحتفظ به أما يجب أن نتبده، كما أن الوقت لنخضع كل الجهود (في الميزان) وإذا كان ليس من السهل إن نفعل ذلك فليس من السهل إلا نفعل لك الإبصار فليس منا من ينكر تأثير الغرب في حضارتنا الإسلامية المعاصرة إذ أن الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والأصداء السياسية في الغرب لها اثر حتمي وصدى عميق في التفكير الإسلامي المعاصر...
وإذا كان هناك بعض المفكرين المسلمين يؤثرون (الانعزالية) الثقافية وعدم متابعة الحضارة الغربية المعاصرة بالمعرفة والنقد، فقد أظهرت الأيام خطر فكرتهم على بناء حضارتنا المعاصرة إذ المعرفة الغربية تغزونا على أي حال، وربما تأخذ عنها تصورات غير واضحة، كما نأخذ صورا مشوهة عنها، مما يعسر معه مقاومتها ونقدها عن بصيرة، والاستفادة منها إذا اقتضى الحال، وهذا شيء يساعد على تجزئة الشباب المسلم إلى قسمين. قسم ارتمى في أحضان الحضارة الغربية-مضطرا أو فوضويا جاهلا الثقافة الإسلامية، وقسما يتوقع حول نفسه لا يعيش في عصره! إذا كان من الضروري مواجهة معضلات العصر فمن الواضح ضروري كونها عن معرفة عميقة، وهذا ستقضي القول بعملية (الاستيراد الثقافي) وإذا كان السير الطبيعي يقتضي تبادلا ثقافيا فان الواقع المؤسف إننا لا نملك اليوم كثيرا مما نعطي، بل أصبحنا في حاجة ماسة إلى معرفة (حضارتنا) وانتهاء ونحن نتعرف اليوم على ابن رشد عن اللاليتيين، فحضارتنا كادت أن تصبح مجهولة أكثر من غيرنا، غير أن التبادل إذا عصر شانه اليوم فسوف لا يضن به المستقبل، وإذا فالاختيار يحتم علينا أن نأخذ من الثقافة الغربية والأخذ الثقافي الذي أصبح ظاهرة هذا العصر بالنسبة للشعوب النامية ولا شك أن التطور (التقني) في الغرب تجاوز حدوده الطبيعية وأصبحنا بالضرورة تتطلب (الاستيراد التقني) طلبا لا غنى عنه وهذا الاستمداد يحمل معه تأثيرات اجتماعية وثقافية وفنية واقتصادية... وكل هذه التأثيرات ذات اثر في التفكير الإسلامي، والإسلام لا يفزعه التقدم التقني الغربي ولا يخشى أن يأخذ منه، لان الحضارة الإسلامية حضارة تقنية كذلك، آمنت بالعلم، ورعت العلم، وقدمت العلم، وأول آية نزلت على النبي كان شعارها القراءة والتعلم.

وفي مسالك الإسلام ازدهر الفلك الطب والرياضيات والعلوم ولكن سبق الغرب لاكتشاف (البخار) طور الفيزيا في الغرب، وأعطاه فرصة للتقدم على العالم الإسلامي، وبذلك وجدنا أنفسنا منذ ثلاثة قرون ونحن نأخذ ولا نعطي، إلا بمقدار وبشروط قاسية، أهونها الاستغلال الفظيع لطاقتنا، ولهذا فنحن نواجه اليوم حضارته في ضيق وحرج، وبكثير من التضحيات على حساب أنظمتنا الاجتماعية والاسروية واللغوية والفكرية... ومع التقدم التقني الذي يعتز به الغرب فحضارتنا الروحية ما تزال قوية منيعه، وما يزال الغرب في حاجة إلى عبقريتنا. وان إقبال ومحمد عبده أنارا الأفق الغربي بإشعاعات روحانية الإسلام.
ونرجع إلى ضرورة (الاستيراد الثقافي) وطريقة الاستفادة منه وإذا رجعنا إلى آراء توينبي مؤرخ القرن الحديث عن طريقة الاستعداد الثقافي نرى المؤرخ الإنجليزي يقر ضرورته وخطورته في نفس الوقت (1)، وهو حسب رأيه يسير في أربعة مراحل (الأولى) أن الخصائص الفردية للثقافة تكون أكثر قبولا من تلك الثقافة في عمومها، (ثانيا) أن القوة النقاد لأي إشعاع ثقافي تكون على نسبة عكسية للقيمة الثقافية لذلك الإشعاع، (ثانيا) أن قبول عنصر من الثقافة أجنبية يجري وراء سائرها، (رابعا) أن هذا العنصر المفرد قد يكون أكثر إزعاجا للمدنية القابلة فيما لو تنبت الثقافة كلها، هذا رأي نوينبي في الاستمداد الثقافي، ولا شك انه يجب أن يؤخذ بكثير من الحيطة بالنسبة للثقافة الإسلامية، ذلك لان الثقافة الإسلامية ثقافة قوية معتزة بنفسها، شاملة لكل مرافق الحياة، والحضارة الإسلامية إنما نطبق ما نراه في الغرب على ما أكسبته خلال تجربتها التاريخية وانه لمن السهل على مؤرخي الحضارات أن يردوا الكثير من أصول الحضارة الغربية ومظاهرها اليوم إلى أصولها الإسلامية الأولى، وطبعا في غير مجلات (التقنية) التي تسلم للغرب بالتقدم فيها والتي لا تخضع لشعب من الشعوب لعالميتها.
وإنما تظهر في الآداب والأخلاق، وقد يجوز أن تطبق نظرية تويني على بعض الحضارات الأسيوية والإفريقية، أما بالنسبة للعالم الإسلامي فانه قصة أخرى، وإذا فلا تخشى من الاستمداد الثقافي بل أن الاستمداد الثقافي أصبح ضرورة حتمية في هذا العصر، وليس هناك خطر الحتمية إذا استمرت وفق شروطها الطبيعية كذلك، وقد مر الإسلام بهذا التجربة في القرن الثاني فقد اخذ من اليونان والرومان والهند وفاس، وإذا كان الإسلام في ذلك الوقت في (موقف هجوم) أو في (موقف انتصار) وهو اليوم في (موقف دفاع) فكل ما يقتضيه الموقف اليوم هو التبصر لمواجهة الموقف، ويجب لتحصين الدفاع أن نحيي نراتنا إحياء تاما، وان نعيه بقوة ونرعاه بإخلاص وان نوحد الصف الفكري في العالم الإسلامي، وان تعرف ثقافة خصوم حضارتنا معرفة تامة، ثم يجب أن لا ننسى أن الذاتية الحضارية في هذا العصر يجب أن تسبق أو تصاحبها مكتسبات اقتصادية ما زال تكدح لتحقيقها بعد الاستقلال السياسي.
وإذا فالضرورة تحتم عملية خلق وعي ثقافي إسلامي وإحياء تراثنا العلمي والإنساني، وهذا يتطلب عملا منظما لخلق جو ثقافي في المدرسة والكلية والنادي والمسرح والسينما، والفن والموسيقى، والاقتصاد والمجتمع والإدارة، مع إعطاء دراستنا صبغة البحث للعلمي الرزين وتنويع البحث وإحياء ترثنا وما يتطلبه ذلك من تكوين أجان فنية لتمحيص عملية الانبعاث ووسائله ويقتضي التخصص في طريقة البحث العلمي وفي الدراسات الدينية والعلمية والأدبية والفنية، على أساس إحيائها ومقارنتها وشرحها وإخراجها في أسلوب واضح حتى تستطيع من جديد أن تعطي للغرب المترهل أثرنا الخالد، وأخوف ما تخشاه هو الارتجال الذي تضيع به عناصر القوة، التي تسمم ثقافتنا الإسلامية مما يعرضها لا قدر الله لخطر عظيم، أن العالم اليوم يعيش منقسما بين ثلاثة اتجاهات، اتجاه الغرب واتجاه الشرق، واتجاه العالم الثالث، وإذا كان الغرب واضح الاتجاه كما إذا كان الشرق ظاهر الإيديولوجيات، فالعالم الثالث الذي يعيش واقعا خاصا لا يزال لا يعرف نفسه أولا يؤمن بمعرفته، فلهذا يجب أن يكون لواقعنا فلسفة وان يكون لنا موقف إسلامي واضح من الشرق والغرب، فمن الواضح بالنسبة ألينا كمسلمين أن نظام الشيوعية ليس إلا تعبيرا عمليا عن وجهات نظر لإصلاح اجتماعي، ولا يعتقد أن الرأسمالية أصل كل مشاكل العالم، وان القضاء عليها سيصل بالإنسان إلى الفردوس الأرضي وان الثورة البرولتاريا هي طريق الخلاص، لان الإسلام يرفض الرأي القائل بان عدم توازن المجتمعات هو الرأسمال، ولكن الإسلام الذي يوافق على مبدأ الملكية، لا يسمح بالاستغلال وبمبدأ القوة والرباويات لصالح الإفراد، فهو له مآخذ على الرأسمالية كذلك، والإسلام يرى أن التربية الإسلامية لضمير الفرد والجماعة هي أساس كل خير، كما يرى أن تربية الضمير تستمد وعيها من وحي السماء، وان أحوال البشر تصلح إذا أقيم التوازن الصحيح على أساس الحقيقة السماوية فالعالم الثالث له ثقافته أو على الأقل للعالم الإسلامية ثقافته وحضارته، وهي في حاجة إلى بلورة، وهي ثقافة إنسانية غير أنانية، هادفة إلى تحقيق الخير تعطي وتأخذ، مرتكزة على ضمير حي، يقظ، يستمد قوته من دستوره الخالد المتجدد الذي لا يبلى... وهو دستور واضح للمسلمين كافة، ثقافة ديمقراطية تأبى الاستعلاء الفردي أو الجماعي فلا تفرق إلا بالتقوى، وخدمة الصالح العام.
ترتكز على المعرفة الضرورية العامة بين البشر غير جامدة ولا متحجرة فهي تشكو لتترك الشك إلى اليقين الثابت، وهي ثقافة تتكامل بين عقيدتها وخلقها وفكرها الاجتماعي غير خاضعة للتضليلات والخرافات.
هي ثقافة شعبية هادفة لتوحيد جهود الإنسان والسمو به لا تعترف بين جوازية الفكر ولا تستاسد على الضعفاء فكرا وخلقا لا تعير العنصرية في مختلف إشكالها اللونية والدموية، بل تحاربها عقائديا واجتماعيا بدون هوادة.
أن العالم اليوم، وقد مزقت وحدة الإنسان المصالح والنزعات والإيديولوجيات يجب أن يتصور الوحدة الحقيقية الجوهرية للحياة كما أسسها الإسلام.
وان العالم اليوم المتشائم، المتحارب، الحائر، الباحث عن الإسلام وترع السلام لفي حاجة إلى دوخرو الروحية الإسلامية وان السياسة العالمية، الباحثة عن جوهر الديمقراطية التي لا تعترف بالطبقة، ولا باللونية، ولا بالمال، ولا بالقوة. لفي حاجة إلى ديمقراطية الإسلام.
ثم أن الغرب الذي أعطيناه بالأمس حضارتنا نحن راضون كل الرضي ليجب عليه اليوم أن برد دينه، فلا يستعمل الجبنوسية لثقافتنا المكافحة، ولا يصوب أسلحته الهدامة لاكتساح ثقافة لم تخدم إلا بالإنسانية.


(1) عن   The Warld and the West ، ترجمة عن بحث للاستاذ جون جروبنام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here