islamaumaroc

الأنثروبولوجيا-1-

  دعوة الحق

76 العدد

شعوب عالم اليوم في حاجة إلى أن ينفتح لها على المصراع باب التعارف بينها، لتزداد اكتناها واعيا بالاختلافات الأساسية بين مقومات حضارات الأرض، تلك الاختلافات التي تجهد الأنثربولوجيا لإبرازها في إطار موضوعي، وإذا أدرك ووعى كل شعب الفروق بين حضارته وبقية الحضارات، وتسامى بذلك الإدراك، عمت الدنيا اتجاهات نفسية إيجابية متحررة، وانتفى الشعور بازدراء واحتقار الحضارات الأجنبية.

الأنثربولوجيا علم قديم وحديث في آن واحد، قديم لأن الموضوعات التي يتناولها تكلم عنها الفلاسفة القدامى، ومن هذه الموضوعات الدين وفكرة الإله، فقد بحثتها مدرسة ديموقريط التي اتسمت بالطابع المادي، ومدرسة أفلاطون التي نحت منحى نفسيا، ثم مدرسة أرسطو التي اتجهت اتجاها عقليا في تفسير الظواهر الطبيعية والحياة الإنسانية... وواضح أن هذه المدارس لم يمح أثرها تماما، بل ما زال لها صدى في العصر الحديث، فنجد الفيلسوف هيوم قد أحيى نظرية ديموقريط المادية، كما اتبع ديكارت النظرية الأفلاطونية، كما أخذت المدرسة الألمانية - النمساوية في الأنثربولوجيا بنظرية أرسطو في إطار علمي جديد.

أما عن اعتبار الأنثربولوجيا علما حديثا، فلأن العلم بشكله الحالي لم يمض عليه أكثر من قرن واحد، وهو للآن لم يتبلور ويكتمل في بعض موضوعاته، إذ ما زال المنهج الأنثربولوجي لم يستقر بعد، كما أن أسس التصنيف فيه ما زالت غير ثابتة وطيدة، ويتجلى هذا في خطاب العالم «براون» أمام الجمعية البريطانية الأنثربولوجية سنة 1931 حيث قال: «إنه من المستحيل التوفيق بين النظريات المختلفة، أو حتى التوصل إلى أسس منهجية تجمع عليها الآراء... إن كل مدرسة تخط طريقها وحدها وتبني تركيبها النظري بمفردها، دون محاولة تقصي النقط التي يمكن أن تلتقي فيها بالمدارس الأخرى، لقد تحول أصحاب هذه المدارس إلى حواريي عقيدة ولم يعودوا تلامذة علم».
على أنه من المسلم به أن تعدد المذاهب وحرية إقامة النظريات من الأمور الجوهرية لتطور أي علم، ولكن كثرة المداخل -من جهة أخرى- يفرض سلفا مبدأ مشتركا، وإلا لما قامت دراسة مشتركة مقارنة، بعيدة عن الفوضى والخلط. وأهم ما يتضح فيه الخلاف هو تحديد ميدان «الأنثربولوجيا» ومنهجها، بالإضافة إلى الاختلاف حول تعريف العلم وإطلاق اسم واحد عليه، ويعزى ذلك إلى اتجاهات المدارس المختلفة.

إن الاختلاف على التعريف لم يحدث في أي علم كما حدث في الأنثربولوجيا، فهي تعني علم الإنسان، وهو ينقسم إلى قسمين: «الأنثربولوجيا الطبيعية»، و«الأنثربولوجيا الاجتماعية».

الأنثربولوجيا الطبيعية تهتم بدراسة السلالات وفروعها والقياسات، وتدرس الإنسان كإحدى العائلات الحيوانية من ناحية التطور، أما الأنثربولوجيا الحضارية فهي تعنى بدراسة الحضارات البشرية، بالمعنى الواسع للحضارة، فتدرس التنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية... كما تحلل نشاط الإنسان العقلي وعاداته.
وقصدنا من هذا البحث، هو التعريف بالقسم الثاني من الأنثربولوجيا، وقد اقتصرنا على نعته بالأنثربولوجيا اختصارا لا تعميما، كما أن اختيار هذا الاسم يعني عدم الالتزام بنهج خاص أو بمدرسة من المدارس التي تكاثرت فتكاثرت مسميات وأسماء هذا العلم، ففي ألمانيا والنمسا تعرف الأنثربولوجيا الحضارية بالأنثربولوجيا أحيانا وبعلم الشعوب أحيانا أخرى، أما الأنثربولوجيا فتعني دراسة السلالات، وفي إنجلترا وأمريكا تعني الأنثربولوجيا دراسة الأجناس، أما القسم الحضاري منها فيعرف في إنجلترا بالأنثربولوجيا الاجتماعية، بينما في أمريكا يعرف بالأنثربولوجيا الحضارية، وبالإثنوغرافيا أو الأنتولوجيا في فرنسا، وبالإثنوغرافيا في روسيا، وبالأنثربولوجيا الاجتماعية (علم الإنسان الاجتماعي) في الجمهورية العربية المتحدة.

والواقع أن هناك إجماعا على تقسيم الأنثربولوجيا إلى قسمين: القسم الأول هو الإثنوغرافيا وهي الدراسات الخاصة العلمية التي ينجزها العلماء في المجتمعات القبلية، بحيث يتناول البحث دراسة القبيلة في نواحي حضاراتها وتنظيمها الاجتماعي، ومن خير الأمثلة لهؤلاء العلماء العالم ايفا نز بريتشارد الذي درس قبائل النوير السودانية. أما القسم الثاني فهو عبارة عن تحليل المعلومات وتجريدها بدون نجسم مشاق الإقامة بين القبائل، فهذا القسم نظري بحت، ويعتمد على الدراسة المقارنة، والمتخصص فيه يطلق عليه براون «قعيد المكتب» ومثاله فريزر صاحب الكتاب العالمي (الغصن الذهبي). ويطلق فرنس بسوس على هذا القسم اسم الإثنوغرافيا، ولو أنه في بعض الأحيان يطلق عليه اسم الإثنوغرافيا، وأحيانا أخرى يطلق هذه التسمية أو تلك على القسمين سويا، أما براون فيطلق عليه اسم «علم الاجتماع النظري» أو الإثنوغرافيا.
وهذا الخلاف الشديد على التسمية ليس اعتباطا وليس إصرارا أو عنادا، وإنما هو خلاف يخفي وراءه تاريخا حافلا بمدارس ومناهج أنثربولوجية، كل منها تعتبر منهجها ووسيلتها -دون المناهج والنظريات الأخرى- الوسيلة الوحيدة لفتح مغاليق الحضارة.
إن الأنثربولوجيا، أول ما ظهرت كعلم، اتجهت لبحث التكوين الطبيعي للإنسان، أي ما يعرف الآن بالأنثربولوجيا الطبيعية، ثم تطورت في القرن السابع عشر لتفهم طبيعة النفس. لقد حددت دائرة المعارف البريطانية سنة 1822 الأنثربولوجيا على أنها «العلم الذي يبحث الطبيعة البشرية» وفي سنة 1876 وصف توبينارد الأنثربولوجيا على أنها فرع في التاريخ الطبيعي يعالج الإنسان وسلالاته، أما قاموس أكسفورد  المختصر فيذكر أنها علم الإنسان عامة، علم الإنسان في ناحيتين: الفسيولوجية، والنفسية؛ ودراسة الإنسان كإحدى عائلات الحيوان، بيد أنه نتيجة تطور المعرفة وتشعبها فيما بعد، قسم علم الإنسان إلى أقسام عديدة أهمها علم النفس، وعلم الآثار، وعلم تاريخ ما قبل التاريخ، وعلم اللغة، وعلم الاجتماع... وبقي علم واحد، وهو الأنثربولوجيا، يربط بين هذه العلوم، ويعمل على التكامل بينها، ويوضح المراحل الحضارية المتعاقبة، ويصل إلى أغوار التاريخ لا من التاريخ المكتوب أو غير المكتوب بل من دراساته المقارنة على الحضارات الراهنة والتاريخية وما قبل التاريخية، إنه علم يعمم الحقائق الخاصة ليستنبط قوانين التطور الحضاري.

ولقد مرت الأنثربولوجيا الاجتماعية -أثناء ذلك بل وقلبه- بمراحل مختلفة تبتدئ بعصر النهضة، حيث بدأت تتكون معلومات كثيرة، عن طريق الرحالة والمبشرين، عن المناطق الجديدة التي ارتادوها، وعن سكان هذه المناطق، وكان لغرابة تلك المعلومات رد فعل في أرويا تبلور في كتاب جان جاك روسو «العقد الاجتماعي» الذي كتبه بعد أن استوعب معلومات بعض أولئك المبشرين وخاصة كتاب الأب لافينو. ثم بظهور نظرية التطور لداروين أخذت العلوم تتسابق لتبلور لنفسها منهجا تطوريا، كما بدأت الحركة الرومانسية التي جعلت أساسها الرجوع إلى دولة الطبيعة كما صورها روسو، وقد قامت هذه المدرسة الرومانسية ودافعها شعور عميق بأن هناك ماضيا يختلف اختلافا كيفيا عن الحاضر، وإن كانت صورة هذا الماضي باهتة أو غير واضحة المعاني، إلا أن الأساطير والفلكلور والقصص الشعبي كانت تبرز فيها على عهود التنظيم العشائري القديم، وعلى هذا الأساس بدأ الرومانسيون الألمان أبحاثهم عن الأدب والقصص الشعبيين عساهم أن يستخرجوا من الماضي السحيق نموذجا له، ولكي يؤسسوا معالم التطور الحضاري. وقد قام في برلين أول متحف للحضارات، كان في حد ذاته يحمل معنى جديدا للنظرة الرومانسية إلى العادات والخرافات والطقوس الدينية والسحر... والحضارة بوجه عام.


                             تعليــل عاطفــة النقــد
... يرجع إلى غريزة الأثرة، وحب النفس، كان الإنسان يرى أن القول بعيوب الناس، يتضمن القول بتفوقه، والتشهير بأغلاطهم، إقرار سلبي بنبوغه..

                              الحجيـج ومكــة
سيسأل قوم: ما الحجيج ومكة         كما قال قوم ماجديس وما طسم
                                                      -أبو العلاء المعري-

                                                                       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here