islamaumaroc

رفاعة الطهطاوي

  دعوة الحق

76 العدد

احد العلماء المصريين الذين ارتفع اسمهم في القرن التاسع عشر، واحد المبعوثين المصريين إلى أوربا الذين كان لهم اثر محمود في حياة العرب الثقافة، والنهضة الفكرية في البلاد.

ولد في طهطا في صعيد مصر، وتنقل في مدن الصعيد، وحفظ شيئا من القرآن الكريم ثم وفد إلى القاهرة حيث التحق بالجامع الأزهر وتلقى العلم على شيوخه: كالشيخ الفضالي الذي قرأ عليه صحيح البخاري، والشيخ حسن القويسني الذي تولى مشيخة الأزهر، وقرا عليه كتاب «جمع الجوامع في أصول الفقه» وغير ذلك من كتب الفقه والدين وحضر شرح ابن عقيل على الشيخ الدمنهوري من علماء الأزهر.
وظل رفاعة في الأزهر حوالي ثمانية أعوام ولما تخرج فيه اشتغل بالتدريس في الجامع، وكان في هذه الآونة يسافر إلى بلده حيث يلقي بعض الدروس على الطلاب، وقيل انه درس ببلده شرح الملوي بحاشية الأمير على السمرقندية البلاغية وقرا في شهر رمضان في بعض السنين على عادة علماء هذه البلدة، درسا حافلا، فسر فيه سورة القدر بشرح الأمير عليها، واجتمع في هذا الدرس علماء المدينة من إخوانه وغيرهم، وأعجبوا به لحسن إلقائه، وفي ذلك يقول المرحوم صالح مجدي احد أدباء عصره «وكان رحمه الله حسن الإلقاء بحيث ينتفع بتدريسه كل من اخذ عنه، وقد اشتغل في الجامع الأزهر بتدريس كتب شتى حتى في الحديث، والمنطق والبيان، والبديع، والعروض، وغير ذلك، وكان درسه غاصا بالجم الغفير من الطلبة وما منهم إلا من استفاد منه، وبرع في جميع ما أخذه عنه.. لما علمت انه كان حسن الأسلوب، سهل التعبير، مدفقا، قادرا على الإفصاح عن المعنى الواحد بطرق مختلفة، بحيث يفهم درسه الصغير والكبير بلا مشقة ولا تعب ولا كد ولا نصب.
وفي عام 1240هـ (1824م) عين الرفاعة الطهطاوي إماما وواعظا في الجيش ثم اختير من بين علماء الأزهر إماما للبعثة بعد أن وجد فيه الأهلية واللياقة.
ولا شك أن الحياة العسكرية التي عاشها الشيخ الأزهري في الجيش قد علمته لونا جديدا من الحياة قوامه حب النظام، والكفاح في سبيل الوطن، ومواجهة الأخطار في جلد وصبر وإرادة وتصميم، ومما كان له ابعد الأثر في حياته العامة فيما بعد.
وقد سافرت هذه البعثة عام 1242هـ (1826م) على ظهر سفينة حربية فرنسية قطعت بها البحر الأبيض المتوسط من الإسكندرية إلى مرسيليا في ثلاثة وثلاثين يوما، ثم هبطت البعثة ارض مرسيليا في يوليو 1826 م ثم توجهت البعثة بعد ذلك إلى باريس.
ويصف الرفاعة الطهطاوي في كتابه «تلخيص الإبريز» هذه الفترة من حياته فيقول (ثم لما ذهبنا إلى باريس، مكثفا جميعا في بيت واحد، وابتدائا في القراءة، فكانت أشغالنا مرتبة على هذا الترتيب: وهو أنا كنا نقرا في الصباح كتاب تاريخ ساعتين، ثم بعد الغداء نتعلم درس كتابة ومخاطبات، ومحاورات باللغة الفرنساوية، ثم بعد الظهر درس رسم، ثم درس نحو فرنساوي وفي كل جمعة ثلاثة دروس من علمي الحساب والهندسة، وفي مبدأ الأمر كنا نأخذ في الخط درسين يعني في معرفة الكتابة الفرنساوية،ثم بعد ذلك كنا نأخذ كل يوم درسا، ثم انتهى الأمر إلى إننا تعلمنا الخط، فانقطع عنا معلم الخط، أما الحساب والهندسة والتاريخ والجغرافيا فلم نزل نشتغل بها حتى سهل الله علينا بالرجوع، ومكثنا جميعا في بيت واحد دون سنة، نقرا معا في اللغة الفرنساوية، وفي هذه الفنون المتقدمة، ولكن لم يحصل لنا عظيم مزية إلا مجرد تعلم النحو الفرنساوي ثم بعد ذلك تفرقنا في مكاتب متعددة كل اثنين أو ثلاثة أو واحد منا في مكتب مع أولاد الفرنساوية لو في بيت مخصوص عند معلم مخصوص بقدر معلوم من الدراهم في نظير الأكل والشرب والسكنى والتعليم).
ووصف رفاعة الطهطاوي الحياة الاجتماعية والعلمية في فرنسا وصفا شائقا بديعا فقال انه إذا قيل في فرنسا هذا الإنسان عالم فلا يفهم من ذلك انه يعرف في دين بل انه يعرف علما من العلوم الأخرى، ثم يضيف قائلا (وسيظهر لك فضل هؤلاء النصارى في العلوم عمن عداهم، وبذلك تعرف خلو بلادنا من كثير منها، وان الجامع الأزهر المعمور بمصر القاهرة وجامع بني أمية بالشام وجامع الزيتونة بتونس، وجامع القرويين بفاس، ومدارس بخارى ونحو ذلك كلها زاهرة بالعلوم التقلية، وبعض العقلية: كعلوم العربية والمنطق ونحوه من العلوم الآلية، والعلوم التي في مدينة باريس تتقدم كل يوم، فهي دائما في الزيادة فإنها لا تمضي سنة إلا ويكشفون شيئا جديدا، فأنهم قد يكشفون في السنة عدة فنون جديدة أو صناعات جديدة أو وسائط أو تكميلات).
وقد سجل رفاعة الطهطاوي في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» صورا من حياته في مدينة النور، ورسم أمام أعيننا لوحات حية عن الحياة الاجتماعية في فرنسا في القرن التاسع عشر.
ومن الطريف انه رسم لنا في كتابه صورا لباريس في جدها وهزلها وعلمها ولهوها ووصف لنا المسرح الفرنسي وما يدور على خشبته من تمثيليات: فالنساء اللاعبات والرجال يشبهون العوامل في مصر، واللاعبون واللاعبات بمدينة باريس أرباب فضل عظيم وفصاحة، وربما كان هؤلاء الناس كثير من التأليف الأدبية والإشعار، ولو سمعت ما يحفظه اللاعب من بجاوب به من التنكيت والتبكيت، لتعجبت غاية العجب..كما صور رفاعة الطهطاوي صحف باريس، وألوانها وأصنافها، وإيثارها المصدق حبنا وللكذب أحيانا، وتخصص بعضها في المعاملات، وبعضها في الطب، وبعضها في أمور المملكة، وبعضها في غير ذلك من الأمور.
وتناول بعد ذلك وسائل التوفير عند الفرنسيين وتدبير المصارف، وحبذ الاقتصاد عندهم، وانتقد الإسراف عند المصريين فقال(فان الوزير مثلا ليس له أزيد من نحو خمسة عشر خادما، وإذا مشى في الطريق لا يعرف من غيره، فانه يقلل إتباعه ما أمكنه داخل داره وخارجها، فانظر الفرق بين باريس ومصر، حيث أن العسكري في مصر له عدة خدم...»
وهكذا يعد كتابه «تلخيص الإبريز في تلخيص باريز» صورة ناطقة لحياة الطهطاوي في هذه المدينة، وقد ترجم أثناء إقامته هناك أثنى عشر كتابا تتراوح بين الكبر والصغر وهي:
(1) كتاب أصول المعارف. (2) كتاب دائرة العلوم في أخلاق الأمم وعاداتها (3) مقدمة جغرافية طبيعية (4) أصول الحقوق الطبيعية التي يعدها الفرنج أصلا لإحكامهم (5) نبذة من تاريخ اسكندر الأكبر مأخوذة من تاريخ القدماء (6) تقديم سنة 1244 من الهجرة ألفه الأستاذ جومار لمصر والشام متضمنا شدرات علمية وتدبيرية (7) قطعة من كتاب ملطبرون في الجغرافية (8) نبذة في علم هيئة الدنيا (9) نبذة من الميثولوجيا، يعني في جاهلية اليونان وخرافاتهم (10) نبذة في علم سياسة الصحة (11) قطعة من عمليات ضباط عظام (12) ثلاث مقالات من كتاب لاجندر في علم الهندسة.
كما قام فضلا عن ذلك بترجمة دستور فرنسا، ومقال سياسي عن حرب الدولة العثمانية لروسيا عام 1828، ومقال عن التاريخ، وعدة رسائل وتقريرات، وترجمة «مسائل علمية وسياسية».
وقام رفاعة الطهطاوي إلى جانب الأعمال السابقة بترجمة أبيات من قصيدة لشاعر مصري استوطن فرنسا وذكر رفاعة الطهطاوي انه ترجمها عام 1242هـ (1827م) أي بعد وصوله إلى باريس، واعتمد أن ترجمة الشعر تفقده جماله وروعته فقال معقبا على ترجمته في النهاية (وهذه القصيدة كغيرها من الإشعار المترجمة من اللغة الفرنساوية، عالية النفس في أصلها، ولكن بالترجمة تذهب بلاغتنا، فلا يظهر علو نفس صاحبها. ومثل ذلك لطائف القصائد العربية، فانه لا يمكن ترجمتها إلى غالب اللغات الإفرنجية من غير أن يذهب حسنها، بل ربما صارت باردة.
وقد شكلت لجنة لاختبار الشيخ رفاعة الطهطاوي أو «مسيو الشيخ رفاعة» على نحو ما جاء في القرار، ونظرت في أعماله السابقة، بل أنها رأت أن تمتحنه امتحانا شفهيا لتتأكد من قدرته على التأليف، والترجمة، واتضح للجنة أثناء الاختبار أن بعض ترجمانه ضعيفة والأخرى جيدة بيد أنها التمست العذر له، لان الترجمات الضعيفة قام بها عقب وصوله إلى باريس وقبل تمكنه من دراسة اللغة الفرنسية.
وعاد الرفاعة الطهطاوي من باريس بعد أن قضى نحو خمس سنوات في الدراسة والتحصيل فولاه محمد علي منصب الترجمة في مدرسة الطب التي كان قد أنشاها عام 1242هـ في قرية أبي زعبل قرب القاهرة وقد رحبت شتى الدوائر العلمية والثقافية بتوليه هذا المنصب لان عدد الذين كانوا يتقنون اللغة الفرنسية بل اللغات الأجنبية يعد على الأصابع.
وبعد عامين نقل الشيخ لرفاعة الطهطاوي من مدرسة الطب إلى مدرسة الطوبجية واشتغل مترجما فيها مدة عامين (1249/1251هـ) (1833/1835م) وحدث أثناء ذلك أن انتشر وباء ذريع في البلاد فهاجر رفاعة إلى طهطا حيث قام بترجمة صدر من جغرافية ملطبرون في ستين يوما ثم عاد إلى مصر، وقدمه إلى محمد علي الذي كافاه مكافأة مالية سخية.
وعندما أنشئت مدرسة الألسن عين رفاعة الطهطاوي أستاذا بها ومديرا لها ثم الحق بالمدرسة (قلم الترجمة) وقد بلغ عدد الكتب التي ترجمها خريجو المدرسة-كما قدره احدهم ألفة كتاب.
وجاء في الخطط الجديدة وصف للنهضة الثقافية التي انتعشت في هذه المدرسة ووصف للجهود الجبارة التي بذلها رفاعة الطهطاوي في هذه المدرسة، نقتطف منه هذه الفقرة (وكان دابة في مدرسة الألسن وفيما اختاره للتلامذة من الكتب التي أراد ترجمتها معهم، وفي تاليفاته وتراجمه خصوصا، انه لا يقف في ذلك في اليوم والليلة على وقت محدود... فكان ربما عقد الدرس للتلامذة بعد العشاء أو عند ثلث الليل الأخير وكث نحو ثلاث أو أربع ساعات على قدميه في درس اللغة أو فنون الإدارة والشرائع الإسلامية والقوانين الأجنبية وله في أول مجاميع لم تطبع وكذلك كان دابة معهم في تدريس كتب الأدب العالمية بحيث امى جميعهم في الإنشاءات نظما ونثرا، اطروفة مصرهم وتحفة عصرهم ومع ذلك كان هو بشخصه لا يفتر عن الاشتغال بالترجمة أو التأليف).
وقد قام قلم الترجمة بدور كبير في نقل الكتب الغربية إلى اللغة العربية مما كان له اثر كبيرا في النهضة الفكرية في القرن التاسع عشر وتدرج رفاعة الطهطاوي في الرتب حتى وصل رتبة أمير الآي سنة 1262هـ فصار يدعى رفاعة بك بدلا من الشيخ رفاعة.
وظل رفاعة مدير المدرسة الألسن حتى أغلقت في عهد عباس الأول ونفي إلى الخرطوم فسافر رفاعة إلى المدرسة المصرية في الخرطوم وكان تلاميذها لا يزيدون على واحد وثلاثين تلميذا وزادوا سبعة بفضل جهود حاكم السودان وقضى رفاعة الطهطاوي ثلاث سنوات في السودان قام خلالها بترجمة الرواية الفرنسية المشهورة (مغامرة تليمات).
وعاد رفاعة الطهطاوي إلى مصر بعد موت عباس وتولية سعيد الحكم فعين وكيلا للكلية الحربية ثم مديرا لها فمديرا لمدرسة الهندسة ومدرسة العمارة ولكن هذه المدارس لم تلبث إن ألغيت جميعا فظل رفاعة بدون عمل حتى عهد إسماعيل فعين عضوا في المجلس الأعلى الذي كان يشرف على التعليم غفي البلاد.
وقد ساهم رفاعة الطهطاوي في ميدان الصحافة بجهود كبيرة فقد اسند إليه تنظيم جريدة الوقائع وقد حاول أن يرفع من مستوى أسلوب تحريرها فاستعان بالمحررين الممتازين .
كمال قال الرفاعة الطهطاوي بالإشراف على مجلة أخرى تصدر مرتين في الهر بيد انه كان يقوم بجهود أخرى في ميادين أخرى منها ميدان التربية والتعليم فقد لاحظ أن كتب النحو المستخدمة في المدارس جاربة على أسلوب العميق ولا تصلح للعصر الحديث" فوضع كتابا اسامه التحفة المكتبية في القواعد والأحكام والأصول النحوية بطريقة مرضية، وحاول رفاعة في هذا الكتاب أن يبسط القواعد النحوية ويخلصها من الشوائب والتعقيدات المختلفة، حتى يتمكن الطلبة من حفظها وفهمها.
كما ألف رفاعة كتابا في تعليم المرأة، أطلق عليه:«المرشد المرأة بالتحليل والتفصيل، وضرب النماذج والأمثلة من التاريخ في وضوح وجلاء وروى لنا أخبار كثير من النساء الشهيرات، وكتب فصلا عن تشريك البنات مع الصبيان في «التعلم والتعليم وكسب العرفان» جاء فيه (ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات والصبيان معا، لحسن معاشرة الأزواج فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك.. فان هذا مما يزيدهن أدبا وعقلا ويجعلهن بالمعارف أهلا ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي فيعظمن في قلوبهم، ويعظم مقامهن أزوال ما فيهن من سخافة العقل والطيش).
بهذه الروح طفق رفاعة الطهطاوي يدعو إلى تعليم المرأة والتحرر من قيود الجهل، والخروج إلى نور المعرفة إذ اعتقد انه كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظيمة في حق النساء فان المرأة التي لا عمل لها تقضي الزمن خائضة في حديث جيرانها وفيما باكلون وفيما يشربون ويلبسون ويفرشون وفيما عندهم وعندها... وهكذا.
وقد أحصى السيد صالح مجدي احد شعراء عصره في كتابه (حلية الزمن بمناقب خادم الوطن) مؤلفات رفاعة الطهطاوي فوجدها تربو على سبعة عشر كتابا في مختلف ألوان المعرفة: من رحلات إلى تاريخ، إلى جغرافية، إلى أدب، إلى نحو وبلاغة، إلى فقه وقانون، إلى غير ذلك.

                              الشتاء

انم الشتاء على شتامة وجهه       لهو المفيد بشاشة المصطاف
                                                            أبو تمام
                                           

قال الخشب للمسمار: لقد فلقتني!! فقال له المسمار:«آه! لو سمعت الدق فوق راسي، لعذرتني!!»

                        نفع الغيث في إبانه

واعلم بان الغيث ليس بنافع        ما لم يكن للناس في إبانه
                                                        البحتري

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here