islamaumaroc

ملوك ورسائل.-2-

  دعوة الحق

76 العدد

يوسف بن عبد المومن

لم يكن يوسف بن عبد المومن خليفة عاديا في تاريخ الموحدين ولكنه كان من أبطال التاريخ الذين لن ينساهم ولن يغفل عن ذكرهم مدى الوجود.

فهو خليفة اهتم بالجانب الحربي من جهة وبالجانب العلمي والحضاري من جهة أخرى بحيث لا يمكن للذين يتحدثون عن المغرب العربي والأندلس أن يغفلوا ذكره كما لا يمكن للذين يؤرخون للتطورات الثقافية والعلمية أن ينسوا الأدوار الرئيسية التي قام بها في تشجيع العلم النظري والتحريري وفي تقدير العلماء.
فقد جمع بين يديه أشهر الأطباء والفلاسفة وقربهم إليه واجري عليهم الأرزاق الواسعة وجعلهم كتابه وقضاته ووزراءه والمحافظين على خزائن كتبه وخزائن أمواله كما جعل منهم سمراءه وندماءه يناقشهم في الأحاديث ويحضهم على التأليف ويشجعهم على الاهتمام بالبحث ويكفيه فخرا تقريبه لأبي بكر ابن طفيل ولابن رشد.
أما الأول فهو الذي ألف رسالة ((حي بن يقظان)) تلك الرسالة التي حاول بها أن يبرز اثر الفكر المجرد في توجيه الإنسان إلى الحقيقة.
وأما ثاني فهو الذي ترجم فلسفة أرسطو وتتبع آثارها في كتب الفلسفة العامة وفهمها فهما محكما ثم لخصها في كتاب جمع فيه بين أصولها وتأويلها.
لقد كان ابن طفيل الواسطة في اتصال الخليفة بابن رشد وكانت عادته أن يقدم إلى الملك من حين لأخر بعض أساطين الفكر ونبغاء الحكمة.
وكان أبو يعقوب يعتز بابن طفيل كثيرا ويقدم مواهبه ويعرف كفايته العلمية لذلك جعله وزيره المحترم وطبيبه الخاص فقد كان ابن طفيل من أهل الحذق بصناعة الطب والنظر في الجراحات (1)ونحن إذا تتبعنا تاريخ الأدب والحضارة نجد أن أبا يعقوب يوسف بن عبد المومن كان شبيها بالمأمون العباسي في الشرق وبالحكم المستنصر في الأندلس.
وكلا هذين الخليفتين كان لهما شان خطير في تاريخ العلوم وتشجيعها فالمأمون هو الذي كان قد انشأ بيت الحكمة وجمع بين يديه المترجمين والشارحين والواعين للعلوم التجريبية والفلسفية والحكم المستنصر هو الذي اشتهر في التاريخ بجمع الكتب وتأليف خزانة كبيرة تضم أربعمائة ألف مجلد كما كان يستميل إليه العلماء من كل صقع ويمكنهم من العطايا الوافرة.
أن هاته المقارنة بين يوسف وبين هذين الخليفتين كافية في رفع هذا الخليفة إلى درجة العظماء الذين استغلوا حكمهم للمصلحة الإنسانية ولتقديمها ولتطوير الحضارة وإنمائها فهو لم تلهه خلافته عن العلم والعلماء، قال ابن خلكان عنه:«وكان رقيق حواشي اللسان حلو الألفاظ حسن الحديث طيب المجالسة، اعرف الناس كيف تكلمت العرب ولحفظهم لأيامها في الجاهلية


والإسلام وكان يحفظ القرآن الكريم مع جملة من الفقيه ثم طمح إلى علم الحكمة وبدا من ذلك بعلم الطب وجمع من كتب الحكماء شيئا كثيرا وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر من ميله إلى الأدب وبقية العلوم».
وقد كان الاهتمام هذا الملك بالعلم اثر في اثر في ازدهار الحضارة وتعميم الثقافة وتنافس العلماء في البحث وذلك أمر يقره نظام الاجتماع الذي طبع الناس على الاهتمام بالعلوم والثقافات إذا كان رؤساء الدول يعنون بذلك ويهتمون بالعلم والعلماء.
أن للتشجيع أثرا كبيرا في نشر العلم فهذا المأمون العباسي كان يعطي حنين ابن اسحق زنة ما يترجمه ذهبا وهذا يوسف بن عبد المومن كان يجري الأرزاق الواسعة على ذوي النبوغ من العلماء ليكفيهم مؤونة العيش وليجدوا الفراغ لتنمية مداركهم وليكون ذلك حافزا للآخرين على الاقتداء بهم فقد قال المراكشي في كتاب المعجب عن ابن طفيل:(وبلغني انه كان يأخذ الجامكية (2) مع عدد أصناف من الخدمة من الأطباء والمهندسين والكتاب والشعراء والرماة والأجناد إلى غير هؤلاء من الطوائف..»
ورغم هذه العناية الكبرى بالعلم ورغم ما اشتهر به عصر هذا الخليفة من رجاء وازدهار فانه لم يهمل الجانب السياسي والعسكري.
فقد جابه أول الأمر الأزمة الداخلية التي نشأت بعد توليته فقد رفض طاعته بعض الأشياخ من الموحدين كما امتنع عن بيعته أخواه أبو محمد صاحب بجاية وأبو عبد الله صاحب قرطبة، والسبب في هذه الأزمة يرجع إلى أن عبد المومن كان قد ولى العهد لابنه محمد ولكنه في مرضه الأخير الذي أصيب به في مدينة سلا حينما كان عازما على التوجه إلى الأندلس ليحارب ابن سعد المعروف بابن مردنيش ارتأى أن يغير راية في توليه ابنه محمد وجعل البيعة لابنه يوسف.
لقد رأى عبد المومن اثر الحزم يظهر على يوسف واثر الاستهتار يتجلى على ابنه محمد لذلك قرر إن يغير ما كان قد عقده من قبل دون أن يبالي بما سيعقب ذلك من نتائج ثقة منه في ولي عهده الجديد الذي سيعرف كيف يقضي على جميع المشاكل.
وأظن أن أمر عبد المومن لم يبلغ إلى جميع أشياخه أو اعتمد هؤلاء الأشياخ كتمانه لأمر في نفوسهم لذلك واجه يوسف الموقف بكل حذر وعمل على القضاء على المعارضة ما يقرب من سنتين كانت نهايتها أن اقبل هؤلاء المعارضون وعلى رأسهم أخوه يبايعونه ويستسمحونه فقبل رجاءهم وعفا عنهم.
أن هاته الملاحظة تبرز ما عند المؤرخين من اختلاف في شرح الإحداث التي أعقبت بيعة يوسف بن عبد المومن فجماعة تروي أن بيعة لم تنتقل إلى يوسف إلا بعد أن تولى الملك أخوه محمد ما يقرب من خمسة وأربعين يوما وأخرى تروي أن الملك انتقل مباشرة إلى يوسف بعد موت أبيه.
فقد ذكر المراكشي أن محمدا قد تولى الملك بعد لبيه ولكن الموحدين اتفقوا على إبعاده لأنهم رأوا فيه أمورا لا تصلح معها للخلافة فقد كان جبان النفس مختل الرأي طائشا مدمنا على الخمر.
والظاهر أن هذا الاضطراب في الأنباء يرجع إلى وسائل الدعاية التي كان يقوم بها كل جانب ليضفي مشروعية على موقفه إزاء الآخرين.
ورغم اختلاف المؤرخين على الطريقة التي وصل بها يوسف إلى الحكم فان الاتفاق يكاد يكون تاما بين المؤرخين على انه كان أصلح للحكم من أخيه وانه كان اقدر على تسيير أمور الدولة وإرهاب الأعداء وأقوى ضبطا لنفسه وأبعادا لها عن الانزلاق في مهاري الرذيلة.
وبعد أن استقر له الأمر وهدأت الأحوال الداخلية جددت بيعته واجتمعت الدولة وتسمى آنذاك «بأمير المؤمنين» بعد كلن يلقب «بالأمير» فقط وهذا هو السبب في ابتداء بعض الرسائل الموجهة منه بالأمير وبعضها بأمير المؤمنين.
ولما جددت بيعته اقبل الشعراء يمدحونه ويطرون موقفه وينددون بأعدائه ومن اشعر الشعراء الذين وقفوا في هذا اليوم العظيم القاضي أبوة حفص الاغماتي قال المقري في كتابه إزهار الرياض(3):«ومن نظم القاضي أبي حفص من مطلع قصيدة يمدح بها أبا يعقوب بن عبد المومن ويهنئه ببيعته الثانية:

إلا هكذا تبنى العلا والمفاخر
                  وتسمو إلى الأمر الكبير الأكابر
نؤم لبيعات الرضا مطلع الهدى
                  وحيث الهدايا تعتلي والأوامــر

ولما قضى أبو يوسف على هذا الخلاف الداخلي شرع في تنفيذ التصميم الذي كان وضعه أبوه للقضاء على المخالفين بالأندلس ليزيل حكم ابن سعد عنه الجهة الشرقية.
أن ابن سعد أصبح خطرا على الدولة الموحدية بهدد الأمن في سواحل البحر الأبيض المتوسط وبتعاون مع القشتاليين والليونيين لذلك يجب القضاء عليه أولا قبل التفكير في القضاء على أعوانه وذهب يوسف إلى الأندلس سنة 560هـ وهجم على ابن سعد فشتت جموعه وابعد عنه الأنصار ولقي أشياعه النصارى حنفهم، فاضطرب أمرهم، وتشتت جموعهم.
ورغم هذه الهزيمة التي منى بها ابن سعد، فقد كان يوسف يحاول أن ينتهي أمر هذا الخلاف بينه وبين أمير شرق الأندلس ليوجه عنايته إلى حرب الاسبانيين والبرتغاليين لذلك وجه له رسالة قيمة طويلة من إنشاء أبي الحسن ابن عياش (4) يدعوه فيها إلى طاعة وإلى الابتعاد عن المقاومة لان مقاومة الموحدين لا تجدي ولا تنفع، ووعده إذا رجع إلى الحق بالأمان على نفسه وعلى أسرته وبالحياة في منزلة سامية، ورتبة زكية نامية.
ثم انتقل كاتب الرسالة من الترغيب إلى الترهيب فقال: «..وإذا أرستهم ارشية أفكاركم في قلب أذكاركم وأطلقتم أعنة اعتباركم في ميادين ما مر على إبصاركم تجدون أن من شغل نفسه بمكايدة هذا الأمر ومكايدته وقطع مسافة عمره بمخالفته ومعاندته قد خاب مكدوحه واخفق مسعاه ولم يجل بطائل ولا حظى بنائل فأما صريع حتوف طعنا بالرماح وقعصا تحت ظلال السيوف وأما اخيذ حسرة وأسف ووقيذ زفرة ولهف قد قطعت عنقه المطامع وتلاعبت به حياته اليلامع والبرامع وان وراء ذينك يوما عصيبا وهو لا يجعل الولدان شيبا وان من غلب على دينه وافتلت عن إيمانه وحجب عن ربه لغبين الصفقة خاسر المتجر وقلما سمحت بذلك نفس تبنيت الغي من الرشد وعرفت الجور من القصد..» وبعد هذا العرض المهول رجع إلى الترغيب فقال: «.. وقد كان سيدنا أمير المؤمنين-أيد الله أمرهم- في التقديم ومنذ زمن طويل خاطبكم بهذه الدعوة وحملكم فيها على منهج النصيحة ولم يكن بلغ الكتاب اجله ونحن لأوامره العلية مراعون وللمدعاة إلى ما دعاكم إليه داعون ولراية الجميل في الهداية الخلق مشيعون مشايعون فاقبلوها نصيحة تحرز لكم حظ السناء وتوجب لكم رتبة الخاصة من الأولياء وتقتضي منكم في خير عمركم أفضل المناب في معونة هذا الأمر وأحسن الغناء وتجمع عليكم بهذا التلافي الفالت في تلك الأوقات الماضية والإناء وتكونوا على هذه الرتبة كمن أجاب في أول النداء والله تعالى يعينكم على تقبل هذه الوصايا ومقابلتها بأحسن التلقي وانفع الالتفات ويجعلكم ممن تنبه للعظات واذكر بالآيات..»
ورغم وصول هاته الرسالة فان ابن سعد استمر على مقاومته ولم يأبه بوعد أو عيد أو بإرغاء أو تهديد ولكن يوسف استمر في الحرب والحصار إلى أن مات ابن سعد حنف انفه واتفق أبناؤه وأخوه على أن يتنازلوا عن المقاومة وان يمكنوا جميع المدن التي يحكمونها إلى الموحدين بشرط معاملتهم بالحسنى وإعزازهم في الدولة فقبل شرطهم وعاملهم يوسف معاملة رشيدة وتزوج إحدى بنات سعد كما تزوج ابنه بعد ذلك بابنة أخرى.
وهذه الظاهرة في حياة الموحدين-اعني أكرام من يتنازل عن الحرب قبل أن يتغلب- ظاهرة سياسية كانوا ستميلون بها أعداءهم ليمهدوا بها طريق الاستسلام إلى كل المعارضين وقد رأينا صورة مثلها في المقال السابق حينما أكرم عبد المومن يحي بن عبد العزيز الصنهاجي بعد أن حمله إلى مراكش واغذق عليه المنح والهدايا.
وبعد الانتصار الهائل الذي ناله يوسف في بلاد الأندلس رجع إلى المغرب ثم ذهب إلى تونس ليقضي على بعض المتمردين الذين استولوا على بلاد قفصة وقتلوا عاملها فأرجعهم خائفين.
ولما رأى أن كثيرا من الفوضى الحاصلة في افريقية مرجعها إلى بعض القبائل العربية استنفرهم للجهاد وحبب إليهم غزو النصارى في بلاد الأندلس وأخرجهم من بلاد افريقية ليستريح من القلاقل التي يثيرونها في كل حين.

وعند انتصاره في حروبه الإفريقية كتب رسالة من تونس إلى طلبة والأشياخ ببلاد قرطبة قال(5): «وقد انتهى إليكم -وفقكم الله- ما سنة في هذه الوجهة الميمونة من الأمور الشريفة والفتوح الجليلة التي جاوزت مدى الإفهام وفاقت بمبالغ الظنون والأوهام وقامت أزكى شهيد على مراد الله في هذه الدعوة العزيزة التي هي نظام الإسلام والحافظة شمل الخيرات على الأنام والسامية في مراقي شرفها مدى الليالي والأيام حتى تبلغ برحمة الله سبحانه إلى دار السلام وأعلمناكم أيضا-وفقكم الله- بما كان من صرف الموحدين أعزهم الله- إلى هذه الجهات الساحلية بعد الغزوة المباركة التي أعلى الله بها منار الإسلام والإيمان وأخزى أهل الشقاق والنفاق والطغيان حرصا على إزالة نفوس أهل التوحيد من مشتقات احتملوها في طاعة الرحمن واجما ما للسيوف حتى تتبين مواقعها من رؤوس أهل المرود والعصيان وخلال ذلك جمع أشياخ العرب وأعيانهم والمشار إليهم من رؤسائهم ووجوههم وكبرائهم من جميع قبائل رياح-وفقكم الله- فذكروا بحقوق هذا الأمر العظيم وآلائه الجزيلة ومننه الجسام ونبهوا على ما كان لسلفهم من العرب من كريم السوابق في أول الإسلام.. وبين لهم أنهم إذا استقبلوا هذا الغزو السعيد والغرض الحميد بنيات متجردة وعزائم فيه متجددة ونفروا إليه بجملتهم من غير استثناء واسصبحوا معهم من تتعلق به الخواطر من أهل وأبناء ونعم وشاء وجعلوا ذلك كله وراءهم حيث ما يرسل لهم من بلاد الأندلس-مهدها الله- ثم صمدوا لعدوهم وتفرغوا لرواحهم في سبيل الله وغدوهم كانت خواطرهم لغو وأعدائهم افرغ ومصاغهم لإقرانهم اصدق ووطأتهم على أهل الشرك أثقل...» ثم قال: «ولو لم يكن في هذه الحركة السعيدة المباركة-وفقكم الله- إلا ما كان من أمر العرب وكف أيديهم عن هذه البلاد وصرفهم إلى ما استنفروا إليه من الجهاد وإجابتهم جميعا بنفوس على الطاعة مقبلة ووجوه ببشرى المثاب متهللة وقلوب على الخير مصفقة ونبات على إجابة داعي الله مثقفة لكبر بذلك دليلا على أن هذا الأمر العزيز لا ترتقي إلى فهمه العقول ولا تنتهي إليه الخواطر والظنون...»
وبعد انتصاراته في افريقية رجع إلى بلاد الأندلس مرة أخرى ليجدد الفتح ويوسع رفعة إمبراطوريته وينشر لواء حكمه وليحافظ على التراث الذي خلفه العرب من قبله ولكنه مات قبل أن يحقق جميع مطامحه مات شهيدا على حدود البرتغال سنة 580هـ بعد أن سجل لنفسه ولبلاده تاريخا مجيدا.

(1) الأنيس المطرب بروض القرطاس الجزء الثاني صفحة 176
(2) الجامكية لفظة دخيلة: مرتب خدام الدولة
(3) إزهار الرياض الجزء الثاني صفحة 365.
(4) الرسالة الخامسة والعشرون من الرسائل المنشورة .
(5) الرسالة السادسة العشرون وهي من إنشاء أبي الفضل بن حمشرة.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here