islamaumaroc

شرح آية من سورة النور

  دعوة الحق

76 العدد

يقول الله تبارك وتعالى من سورة النور[الآية 61]: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون)
الحرج: -الضيق ويراد به هنا وفي الدينيات: الإثم، ما ملكتم مفاتحه- أي ما كان تحت تصرفكم من عقار وأثاث بطريق الوكالة أو الحفظ، والصديق: من يخلص لك المودة، ويهمه ما يهمك، ويطلق على الواحد والجمع- وأنى لنا به! فقد أصبح أعز من بيض الأنوق، بل رابع المستحيلات- جميعا: مجتمعين؛ أشتاتا: أي متفرقين، واحدهم شتيت. على أنفسكم: أي على أهل البيوت، طيبة: أي تطيب بها نفس المستمع.
بعد أن ذكر سبحانه أن للمماليك والصبيان الدخول في البيوت، في غير العورات الثلاث، بلا استئذان ولا إذن من أهل البيت ذكر هنا أنه لا حرج على أهل هذه الأعذار الثلاثة في تركهم الجهاد وما يشبهه، وذلك يستلزم عدم الاستئذان منه صلى الله عليه وسلم، فلهم القعود عندئذ من غير استئذان ولا إذن، كما لا حرج عمن ذكروا بعدهم في الأكل من البيوت المذكورة في الآية؛ يقول الزمخشري في كشافه هنا - والكلام على هذا التفسير صحيح لالتقاء الطائفتين في أن كلا منهما منفى عنه الحرج - ومثاله أن يستفتي مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق عن النحر، فتقول:
ليس على المسافر حرج أن يفطر، ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.
قال الحسن: نزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع الله عنه الجهاد وكان أعمى، وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عمرو، وكان قد خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا وخلف مالك بن يزيد على أهله، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال: تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد من الحرج المنفي في الآية الحرج في الأكل، ذلك أنه لما نزل قوله تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) [البقرة: 188] تحرج المسلمون عن مؤاكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض لأنه لا يستطيع استيفاء الطعام، فانزل الله هذه الآية، والمعنى على هذه الرواية: ليس في مؤاكلة الأعمى ولا ما بعده حرج.
فقد كانت حساسية هؤلاء النفر مرهفة حتى كانوا يحذرون أن يقعوا فيما نهى الله عنه، ويتحرجون أن يلموا بالمحظور ولو من بعيد، أولئك الناس، والناس هؤلاء، فانزل الله هذه الآية ترفع الحرج عن الأعمى والمريض والأعراج، وعن القريب أن يأكل من بيت قريبه، وان يصحب معه أمثال هؤلاء المحاويج، وذلك محمول على أن صاحب البيت لا يكره هذا ولا يتضرر به، استنادا إلى القواعد العامة في أنه «لا ضرر ولا ضرار»، والضرر يزال، وإلى أنه "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس"
فإن الآية أية تشريع، فقد نلحظ فيها دقة الأداء اللفظي والترتيب الموضوعي والصياغة التي لا تدع مجالا للشك والغموض، كما نلمح فيها ترتيب القرابات، فهي تبدأ ببيوت الأبناء والأزواج ولا تذكرهم بل تقول الآية «من بيوتكم»، فيدخل فيها بيت الابن وبيت الزوج، فبيت الابن بيت لأبيه، وبيت الزوج بيت لزوجته، وتليها بيوت الآباء، فبيوت الأمهات، فبيوت الإخوة، فبيوت الأخوات، فبيوت الأعمام، فبيوت العمات، فبيوت الأخوال، فبيوت الخالات، ويضاف إلى هذه القرابات الخازن على مال الرجل فله أن يأكل مما يملك مفاتحه بالمعروف، ولا يزيد على حاجة طعامه، والمراد بالخازن كما جاء عن ابن عباس وكيله وقيمه في ضيعته وماشيته، فله الأكل من ثمرته وثمرة ضيعته ويشرب من لبن ماشيته ولا يحمل ولا يدخر.
ويلحق بها بيوت الأصدقاء لربط صلتهم بصلة القرابة، عند عدم التأذي والضرر، فقد يسر الأصدقاء أن يأكل أصدقاؤهم من طعامهم بدون استئذان. ولله در بعض طلبة الحديث من الشباب مخاطبا ابن فارس وقد استأذنه في الكتب من قارورته - دواته - قال: من انبسط إلى الإخوان بالاستيذان فقد استحق الحرمان
وبعدما انتهى سبحانه من ذكر البيوت التي يسوغ الأكل منها بين الحالة التي يجوز عليها الأكل. فقال عز ذكره: « لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا »، ذلك أنه كان من عادات بعضهم في الجاهلية ألا يأكل طعاما على انفراد، فإن لم يجد من يؤاكله عاف الطعام، فرفع الله هذا الحرج المتكلف، ورد الأمر إلى بساطته بلا تعقيد، وأباح أن يأكلوا أفرادا أو جماعات.
ولم يقف الكتاب الكريم هنا بل زاد في تهذيب النفوس وتزويد الأفكار، وتنوير الأذهان وتغذيتها بحر الأدب والأخلاق الرفيعة، فذكر آداب دخول البيوت التي يؤكل فيها، قال :«فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً»، وهو تعبير لطيف عن قوة الرابطة بين المذكورين في الآية، فالذي يسلم منهم على قريبه أو صديقه يسلم على نفسه، والتحية التي يلقيها عليه هي تحية من عند الله تحمل ذلك الروح، وتفوح بذلك العطر، وتربط بينهم بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.
وهكذا ترتبط نفوس المؤمنين بربهم في الصغيرة والكبيرة.
«كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون»: تدركون ما تنطوي عليه المناهج الإلهية من حكمة وتقدير.
وهنا نرى الكتاب العزيز مرة أخرى ينتقل من تنظيم العلاقات بين الأقارب والأصدقاء إلى تنسيقها بين الأسرة الكبيرة - أسرة المسلمين - وعلى رأسها رئيسها وقائدها محمد عليه الصلاة والسلام، وإلى آداب المسلمين في مجلس الرسول الأكرم. قال الله تعالى: ‏‏(إِِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[النور: 62] إلى آخر السورة.
أمر جامع، أي خطب جلل يستعان فيه بالمجربين من ذوي الخبرة والآراء، كقتال عدو أو تشاور في حادث عرض، والتسلل: الخروج من البيت تدريجيا وخفية، واللواذ والملاوذة التستر، يقال: لاذ فلان بكذا إذا استتر به، والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو فعله، فتنة: أي بلاء وامتحان في الدنيا، عذاب اليم: مؤلم موجع في الآخرة.
بعدما أمر الله المؤمنين بالاستئذان عند الدخول أمرهم جلت عظمته بالاستئذان حين الخروج، ولاسيما إذا كانوا في أمر هام جامع مع الرسول صلوات الله عليه، كتشاور في قتال أو في حادث عرض، وبين أن من يفعل ذلك في امتثال فهو من كامل الإيمان، إذ يكون ذلك كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه عن المنافق الذي ديدنه وعادته التسلل والفرار، ثم أمر رسوله أن يأذن لمن شاء منهم إذا استأذنه، ثم أمر المؤمنين أن يوقروا نبيهم ولا يسموه باسمه، بل يقولون يا نبي الله، ويا رسول الله، وليحذروا أن يخالفوا أمره وسنته وشريعته، بل عليهم أن يزنوا أقوالهم وأفعالهم بأقواله وأفعاله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على فاعله وقائله كائنا من كان، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
روى ابن إسحاق في سبب نزول هذه الآيات أنه لما تجمع قريش والأحزاب في غزوة الخندق في السنة الخامسة التي قاسى المسلمون فيها أمر الصعوبات في حفر الخندق الذي عمل فيه الرسول الأكرم بنقل التراب متمثلا بشعر ابن رواحه:

اللهــم أنت لولا مــا اهتديــــنا        ولا تصــدقنا ولا صــليــنــا
فأنــزلــن سكينــة عليــــــــــنا        وثبــت الأقــدام أن لاقـــينـا
والمشـركون قــد بغــوا عليـنا        وإن أرادوا فــتنــة أبــيــــنـا

فلما سمع الرسول ما اجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، وكان في اختطاطه للخندق وحفره مقتبسا من الخطط الحربية بفارس، إذ دله على ذلك سلمان الفارسي الذي قال فيه عليه السلام: (سلمان منا أهل البيت)، ولا حرج أن يأخذ الإنسان عن غيره ما تدعو الحاجة إليه وتقتضيه المصلحة العامة اقتصاديا واجتماعيا وحربيا كما هنا.
وكان (كما علم) من العاملين ترغيبا للمسلمين، وتحريضا لهم على المشاركة والعمل، نعم أبطأ عن الرسول وأصحابه رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم منه عليه السلام ولا إذنه.
وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستأذنه في اللحوق بحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة في الخير واحتسابا له.
فأنزل الله تعالى في أؤلئك المؤمنين: «إنما المؤمنون..» الآية. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم الآية.
وأيا كان الحال في سبب النزول فالآيات تتضمن الآداب النفسية التنظيمية بين الجماعة وقائدها، هذه الآداب التي لا يستقيم أمر الجماعة إلا حين تنبع من مشاعرها وعواطفها وأعماقها ثم تستقر في حياتها فتصبح تقليدا متبعا وقانونا نافذا، وإلا فهي الفوضى التي لا حدود لها. «إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله..» لا الذين يقولون بأفواههم ثم لا يحققون مدلول قولهم، ولا يطيعون الله ورسوله.
«وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ» والأمر الجامع الذي يقتضي اشتراك الجماعة فيه لرأي أو حرب أو عمل من الإعمال العامة، فلا يذهب المؤمنون حتى يستاذنوا إمامهم، كي لا يصبح الأمر فوضى بلا وقار ولا نظام، والحالة أن روح الأمم والشعوب التي تريد السير في ركاب الحضارة فنيا وثقافيا واقتصاديا ضاربة في نفس اللحظة أمثالا رائعة برجال سلفها الصالح، روحها النظام، وهجيراها التنسيق والترتيب كما يقول الأديب الحضاري في مطلع قصيده:

فما نيل المعالي بالتواني   *     ولكن بالعزيمة والنظام

                      نور الله لا يهدى لعاص
شكا رجل إلى وكيع ابن الجراح سوء الحفظ، فقال:
استعينوا على الحفظ بترك المعاصي، فانشأ يقول.

شكوت إلى وكيع سوء حفظي      فأرشدني إلى ترك المعاصـي
واخبرني بأن العـلم نــــــــــور    ونور الله لا يهـدى لعــــــاص

          وقرأ:«واتقوا الله، ويعلمكم الله».
                                                      

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here