islamaumaroc

فتح بيت المقدس وتسامح عمر

  دعوة الحق

76 العدد

وعدت قراء المجلة في عدد الشهر المتصل بالكتابة في قضية فتح بيت المقدس إحدى الجواهر التي ازدان بها عقد الفتوحات الإسلامية.
طبعا القضية تناولتها اقلام المؤرخين والإخباريين من المسلمين بما تقتضيه وضعيتها ومنزلتها في المقدسات الإسلامية، وعليه فان الباعث لي على الكتابة إنما هو عرض المسالة على ما هي عليه عند الأوروبيين زيادة في ثورة مجتمعنا الإسلامي وبالأخص جبل اليوم الجامع بين الثقافتين الإسلامية والغربية، ولمزيد النفع، واثبات صحة ما اكتب، اعلم القراء بان سائر الحوادث التي اذكرها مصدرها كتاب (ذي فرجي) اتحد أعضاء الجمعية الأسيوية التي تعنى بدراسة تاريخ الأمم فيما يرجع لدياناتهم وأخلاقهم وعوائدهم سمى كتابه هذا تاريخ الجزيرة، طبع الإخوة (فرمان ديدو) أصحاب مطابع الجامعات.
بعد هذا التمهيد أقول: بعد لن تم للمسلمين فتح الجزيرة وتقاربت الديار من ديار الإمبراطورية الرومانية قرب الديار الشامية، أخذت المناوشات يتطاير شررها من حين لأخر، خصوصا، والدولة الرومانية ما كانت تجهل ظهور الدين الجديد، في الجزيرة، الأمر الذي اقض مضجعها، خصوصا ومعضم رعاياها في هذا القسم، من إمبراطوريتها، اغلبهم مسيحيون، يضاف إلى ذلك عشائر اليهود المجاورين لهم، فالصدمة بين الديانات الثلاث أصبح أمرا متوقعا ليل نهار، وفعلا أخذت المناوشات تتكرر وتتسع دوائرها في شبه الدوائر في الماء إذا ألقيت فيه حجرا إلى أن صارت دائرة واحدة، أعنى حربا عوانا أصبحت فيها العرب والروح وجها لوجه الركاب يحك الركاب من جهة العرب خالد بن الوليد وأبو عبيدة على رأس الحملة الإسلامية ومن جهة الروم ابن هرقل خليفة قيصر رومة في تلك الديار على رأس جيش اجتمعت فيه الحامية الرومانية واليونان وحلفاؤهم من عرب غسان المنتصرة تحت قيادة جبلة ابن الايهم يبلغ عددهم على ما رواه المؤلف ما يقرب من ما التي ألف مقاتل، بينما كان عدد المسلمين لا يتجاوز الثلاثين ألفا فدارت رحى الحرب سجالا بين الفريقين وبعد ثلاث كرات واشتباكات ملتهبة حمية وحماسا من الطرفين، هؤلاء تدفعهم الغيرة على دينهم الجديد، وأولئك يدفعهم واجب الدفاع عن حرمة المسيحية وحرمة الإمبراطورية. ولما رأى خالد عدد العدو يتكاثر من القبائل المجاورة أشار إلى أبي عبيدة بالتزام خطة التراجع إلى الوراء أما لأنه خشي أن يحاط به، وأما لمكيدة اوحت بها الظروف وراءها ما وراءها تراجع أغرى العدو إلى شن حملة تزيد في نظره في توهين عزائم المسلمين، وعهد بهذا الحملة للقائد اليوناني فاندفع هذا الأخير بجيشه مقتحما للنهر الفاصل بينه وبين العدو بإشارة من احد من ذويه، أكد لهم انه سهل العبور فكان هذا التهور نكبة لقي فيها عدد كبير حتفهم وزاد في رعب المهاجمين ما أبصروه من طلائع العرب برزت من سفح جبل فاشتبكت طلائع العرب مع مؤخر الجيش الروماني وحمي الوطيس حتى أن خالدا انكسر سيفه نصفيه في مبارزة مع قائد الجيش اليوناني فنزل من على فرسه واحتضن الخصم بين ساعديه وقتله خنقا (بالحرق) وتبع النكبة التي حلت بالجيش اليوناني ما زاد في خطورة الموقف وذلك أن جبلة ابن الايهم لما شاهد ما شاهد من ثبات العرب وشهامتهم الحق بهم واسلم هو وقواده والقبائل التي تحت حكمه الأمر الذي فت في عضد الجيش الروماني لان عرب غسان كانوا الركن الذي عليه المعول لكونهم من جنس العدو فهم لذلك من اعلم الناس بدهائهم ومكائدهم في الحرب، وهنا دقت ساعة هزيمة الجيش الروماني فانسحب تاركا من ورائه عددا من الأسرى وكميات من الغنائم، فلما بلغ الخليفة عمر هذا النصر، الذي لم يكن في الحسبان يرجع الفضل فيه لخالد الذي تمكن من جلب العدو لبطاح الشام وسهوله حيث يفسح المجال للخيل كتب من حينه، إلى أبي عبيدة بان يولي الجيش وجهه شطر بيت المقدس بدلا من حلب ولقليمها كما كان تقرر في أول الأمر فزحف الجيش إلى ناحية بيت القدس وكان أول الواصلين (خالد) على رأس الخيالة ومن ورائه أبو عبيدة على رأس المشاة معظم الجيش وسرعان ما طوت المدينة خالد من جهة الشمال وأبو عبيدة من جهة الجنوب واستمر القتال طيلة أربعة أشهر، المسلمون يبذلون ما في طاقتهم لأجل احتلال المدينة والدخول إليها والمسيحيون هم كذلك مستميتون في الدفاع على قبر المسيح بتحريض من بطريقهم (صفرونيوس) صابرين في المأزق الذي أصبحوا فيه بعد أن تم تطويق المدينة وضرب الحصار عليها إمام شدة وطأة العدو واليأس من النجدة لم يسع (صفرونيوس) إلا النزول على حكم الواقع والرضى بالاستسلام لكن على شرط اشترطه وهو أن بيت القدس بلاد الأنبياء لا تبرا ذمته وضميره إلا بتسليمها لنبي، وبما أن نبيكم وجده الحال انتقل إلى الملا الأعلى فان مفاتح المدينة لا تدفع إلا لخليفة نبيكم لا إلى عسكريين. بعد أن استشار مع الأساقفة اتفق الجميع على أن تكون المخابرة في أمر الاستسلام مع أبي عبيدة لا مع خالد، لأنه إنسان عسكري تغلب فيه القساوة والصرامة فأجابهم أبو عبيدة إلى طلبهم وطير الإعلام بذلك إلى عمر، ذلك الخليفة الذي انشأ مدينة البصرة على الخليج الفارسي وهزم الرومان في سهول الشام فلبى الدعوة من حينه وخرج على راحلته من المدينة بدون حامية تخفره ولا أصحاب ولا رفيقا واحدا وبعد أن وقع على المعاهدة فتحت له أبواب المدينة فدخلها في رفقة البعض من قواد جيشه، وعليه معطف من وبر الإبل فطلب بادئ ذي بدء الدخول إلى هيكل سليمان ليحوله مسجدا لدينه الجديد فلما وصل إلى كنيسة القيامة جلس في وسطها والبطرس (صفرونيوس) يحرق الارم ويردد الحسرات على هذا المشهد ولم يتمالك أن همس باللغة اليونانية لأصحابه هذه هي النكبة العظمى والفاجعة الكبرى التي ذكرتها أحبار النبي (دانيال) ثم أن عمر شعر بقرب وقت الصلاة، وهو لا يزال داخل الكنيسة فاستشار الرهبان ليشيروا عليه بالمكان الذي يمكنه أن يؤدي فيه هذه الفريضة فأشار عليه (صفرونيوس) بان يصلي حيث هو داخل الكنيسة فأجابه عمر بهذا الجواب (أن كنت امتنعت من الصلاة فيس كنيسة مسيحية فذلك في صالحكم لأني أن صليت هنا ما كان أسرع المسلمين للاستيلاء على هذا المعبد ولا من يقدر أن يمنعهم من الصلاة في محل صلى فيه خليفة نبيهم). ثم ولى وجهه إلى وجهة مكة وكبر وكبر قواعده وكل من وجدهم الحال معه، وبعد السلام سال البطريق أن يدله محل يبني فيه مسجدا يؤدي فيه المسلمون واجباتهم الدينية من غير تشويش على المسيحيين، وبدون مزاحمة لهم، فدله البطريق على المحل الذي رأى فيه يعقوب رؤياه المشهورة،وكانت فيه صخرة يعرف بها فضرب عمر الضربة الأولى بالفاس ليقتدي به من انتدبهم لهذا العمل ثم طلب الدخول لكنيسة بيت لحم وفيها انعم على النصارى تلبية لالتماس تقدم به البطريق بامتياز قل أن يجود به غيره من المحاربين يقضي هذا الامتياز بالتحجير على المسلمين أن لا يصلوا في المكان إلا فرادى لا جماعة وكتب بهذا عهد أمضاه الخليفة بخط يده، وهنا تم فتح بيت المقدس إحدى القبلتين، نقلا بالترجمة من تاريخ ديفرجي المشار إليه في فاتحة هذا المقال.
هذا التسامح الذي ظهر على يد عمر وهو الذي لا تلين له قناة في الدين وهذه الروح الشريفة التي اوحت إليه بتلك المنقبة الخالدة هي التي أذابت الثلوج المتجمدة بيننا وبين القوم وأيقظت ضمائرهم، إلى أن في العدوة التي تقابلهم أناسا كذلك لهم دستور جدير بالاحترام ومزيد التقدير، وفعلا بمثل الشهامة والرحمة التي عامل بها أمثال عمر أعداء هم في المواقف التي يرويها التاريخ إلى أن أصبحت ترى كثيرا من مشاهير مفكري الأوروبيين يشيدون بمحاسن الإسلام وشرف مقدساته من بينهم على سبيل التمثيل الكاتب الانجليزي (روبرصوه) في كتابه تاريخ (شارلوكان) والمؤرخ اوربان في كتاب (تسامح الإسلام) (كوسطاف لوبون) المعروف في الأوساط الإسلامية والبطريق (ميشو) في كتابه (جولة في الشرق) وإلى حضرات القراء فقرة جاءت في هذا الكتاب (مما يؤسف له في حق الدول المسيحية أن التسامح الديني الذي هو قانون التراحم العام بين الأمم علمه لهم المسلمون).
ويقول ربرصوه من جهته (المسلمون هم وحدهم الأمة التي جمعت بين نشر دعوتهم بالسيف مع السماح لمن لم يدخل في دينهم أن يبقى على دينه وعوائده).
لما دخل عمر بيت القدس لم يمس مسيحيا بسوء ولما دخلها الصليبيون امنعوا في قتل المسمين واحرقوا اليهود، وفي تعليقه على ترجمة قوله تعالى (أن الذين آمنوا الذين هادوا والنصارى والصابين من آمن منهم بالله واليوم الأخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) يقول الدكتور بيرون ما يلي: «سورة القرآن طافحة بئايات التسامح الديني في معنى هذه الآية إلا أن كثيرا من علماء المسلمين حملتهم نشوة انتصارات الإسلام وسرعة انتشاره على أبطال حكم هذه الآيات تارة بضروب من التأويل وتارة بادعاء النسخ». ذكر المؤلف- هذا التعليق على وجه المقابلة بين التسامح الذي جاء به الإسلام والتعصب الذي تقراه في أسفار المزامير عند بني إسرائيل وما جاء في معناه عند المسيحيين في الإنجيل الثالث للقديس منى. (نقلا عن كتاب تحليل القرآن لجول الابوم صفحة 425).
هذا التسامح الذي صرح من عمر هو اصدق وأجمل تمثيل للعفو عن قدرة أوحى به خلقه الديني الذي جعله في تصرفاته ينظر إلى اللب لا إلى مجرد الألفاظ والاصطلاحات المتواضع عليها، إلى الحكمة المتؤخاة من التعاليم الدينية كما ترشد إليه روح القرآن: «لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم»-«ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر، من آمن بالله، واليوم الأخر، إلى آخر الآية»- من هذه الروح استمد الخليفة مقياس أعماله ومعاملاته مع نفسه ومع الناس، من ذلك ما رواه سالم عن أبيه أن غيلان بن مسلمة طلق زوجاته على عهد عمر وقسم ماله بين بنيه وأراد التبتل والانقطاع للعبادة فاستدعاه عمر وقال له إني لا أظن أن الشيطان فيها يسترق من السمع سمع بموتك فنعاه إليك ولعلك لا تمكث إلا قليلا وليم الله لتراجعن نساءك ولترجعن في مالك أولا ورثنهن منك ولأمرت بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال» والأمر بخلاف ذلك عندنا اليوم، الفقيه عندنا قصارا، أن يقول «أن العصمة بيد الزوج له انم يطلق متى شاء» بروي أيضا أن عمر كان في جماعة من الصحابة في المسجد ينتظرون الصلاة فالتفت الخليفة إلى أبي موسى وقال له: «اسمعنا شيئا من كلام ربنا». فاخذ أبو موسى في التلاوة إلى أن تجاوز الوقت المختار فقال احد الصحابة: « يا أمير المؤمنين خرج وقت الصلاة» فكان الجواب من عمر «نحن فيها» ومن هذا الباب أيضا موقفه رضي الله عنه في مسالة قطع يد السارق انه لا قطع في مجاعة.
من أمثال هذه المشكاة السليمة شعت الأضواء على الأئمة يشهد لذلك أن المذهب المالكي ولا مفهوم للمذهب المالكي يعتبر في القضاء الظروف ومقتضيات الأحوال لا يقتصر على تطبيق النصوص جافة.


                     فكـان أيضـا فاتـح القلـوب

وفتحــت مكــة للإســــلام          وحـل فيهـا ظافـر الإعــــلام
ورفـق الغالــب بالمغلــوب         فكـان أيضـا فاتـح القلــــــوب
أطلقهــم، ومــن بالأمـــــان         «فالطلقاء» هـم على الزمـان
                                                        شوقــي  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here