islamaumaroc

إلى أين يتجه تيار التطور بواقع المثل الاجتماعية التقليدية ؟

  دعوة الحق

76 العدد

المثل الاجتماعية ودلالتها الخلقية والسيكولوجية-المفهوم الموضعي لهذه المثل والتعديلات التي قد تدخل عليها- المثل الاجتماعية القائمة في المجتمع المغربي: أصولها التاريخية والاجتماعية-بعض المظاهر البارزة من هذه المثل الاجتماعية المغربية- التطور التدريجي الذي يقع في حظيرتها باستمرار-الدلالة التي يمكن استخراجها من ذلك.

كل مجتمع من المجتمعات مهما كان متقدما في المدنية أو متدنيا كعبه غفي مضمارها-فان لديه مثله الاجتماعية الخاصة به.. هذه المثل التي يستمدها من ظروفه التاريخية والعقلية والنفسانية- وتقوم بين أفراده كنواميس واجبة الاحترام لا يقع الخروج عنها أو التنكر لها إلا ويثير ذلك استهجان المجتمع ويعتبر الأمر كمروق اجتماعي لا يغتفر في بعض الأحيان بل أن هذا التنكر، ويصبغ على هذا الموقف صبغة الخطيئة الاجتماعية التي لا يقبل فيها المهاودة أو التجاوز في كثير من الحالات، والمجتمع-إذ يستمسك بمثله الاجتماعية على هذا النحو ولا يقبل التسامح في التنكر لها- فانه بفعل ذلك لأنه يعتبر في الغالب أن هذه المثل هي نوع من التعاقد المبدئي بين أفراده أي أنها دستور تلقائي بين عناصر هذا المجتمع يكرس طبيعة الصلات الإنسانية فيما بينهم ويؤمنه نوعا من الترابط الأخلاقي والتماسك الروحي يصل بعضهم ببعض بحيث أن كل واحد يرى من خلال هذه المثل وجهة تفكيره بارزة وممتزجة بالوجهة الأخلاقية-السلوكية عند عموم الجماعة التي هو عضو فيها. على أن هذه الملاحظات والتاكدات التي ترتكز عليها لا تعني أن المثل الاجتماعية هي التي تحدث دون غيرها، حالة ترابط قومي معين، أي أنها هي التي تخلق وضعية قومية مخصوصة، وتوفر الشروط والمقتضيات الضرورية لنشوء هذه الوضعية، وتركيزها على قاعدة إنسانية أصيلة. فعوامل التكوين القومي الأساسية من دم ولغة وثقافة وحضارة وآمال مشتركة وغيرها، هي معروفة متداولة، وان كانت الإفهام تختلف في تقدير الأهمية التي يكتسبها كل واحد  من هذه العوامل، لكن المثل الاجتماعية، وان كانت لا تعد في ضمن العوامل الأساسية هذه، إلا أنها تستقطبها كلها أو الأهم منها على الأقل، وتعكس بذلك مختلف الخصائص التي يقوم عليها البناء القومي من أساسيه، فهي تتأثر مثلا بالمقتضيات الدينية التي يعتنقها المجتمع وتتلون بنوع الحضارة التي ينتسب إليها هذا المجتمع والثقافة التي يكتسبها وتتراءى من خلالها فلسفة أي مجتمع في الحياة، ووجهته في السلوك والأخلاق، وطريقته في تقدير الأشياء وتقييم المحسوس منها والمجرد، وبالإجمال فان المثل الاجتماعية التي تسود مجتمعا ما يمكنها في كثير من الحالات-أن تعكس عددا من جوانب عقلية هذا المجتمع، وما يؤثر في تكييفه الذهبي من عوامل ذاتية وبيئية أي العوامل السيكولوجية والفكرية من جهة والعوامل الأخرى المتأثرة بالمحيط الحضاري والتاريخي من جهة ثانية ومن ثم تستمد المثل الاجتماعية هذا القدر من الأهمية التي تتميز به في نظر المجتمعات التي تأخذ بهذه المثل وتتأثر بها تلقائيا وتظهر أيضا (هذه الأهمية) متركزة واسعة المدى عند فحص الظواهر العقلية في أي مجتمع ودراستها من طرف الأبحاث والدراسيين.
على أن هناك-في هذا الآن- حقيقة بجدر الالتفات إليها أما لها من قيمة في إدراك الموضوع من أساسه وتقدير الملابسات المعنوية التي تحيط به من جانب أو آخر وهي أن (المثالية) كما هي واردة في هذا الموضوع لا يراد منها فقط المفهوم العادي المتبادر للذهن من أول وهلة أي للقيمة أو القيم الرفيعة التي تعتبر كمقال يحتذي وصورة يقاس عليها بل أن المراد بالمثالية الاجتماعية هنا، هو فقطك القيم والمبادئ السائدة في مجتمع ما من المجتمعات والتي تساهم في تخطيط سبيل مبدئي وسلوكي لهذا المجتمع وتستقطب مختلف الاعتبارات الأخلاقية والفلسفية التي لها أي مدلول مقبول عنده بصرف النظر عن طبيعة المحتوى الجوهري لهذه القس والمبادئ وما إذا كانت تعكس حقيقة معنى الرفعة والنيل الجدير بالاحتذاء من الناحية الفلسفية المجردة أم لا تعكس ذلك، فالمجتمعات البدائية لها هي كذلك مثلها الاجتماعية التي تستمسك بها، وترى من خلال هذه المثل جملة الفضائل والمزايا الأخلاقية والسلوكية التي تعتنقها مثل هذه المجتمعات ولو أنها تبدو لنا نحن من جهتنا تافهة بل رما مجردة من معنى الفضيلة مطلقا، وإذا كان شان المجتمعات البدائية على هذا المنوال، فالمجتمعات الأقل بدائية هي الأولى والأحرى فأفراد المجتمع العربي الجاهلي مثلا كانت تجذوهم-طوال مراحل التاريخ التي عاشوها-جملة من المثاليات والقيم التي كانوا شديدي الحرص عليها والاعتزاز بها إلى حد كبير، وهناك غير المجتمع الجاهلي أمثلة عديدة من هذا النوع إلا انه سواء في حالة المجتمع العربي أو غيره فان المثاليات الاجتماعية-وان كانت لا تتحول نحولا يمسخ جوهرها عند كثير من الشعوب فإنها-مع ذلك- تتعرض لكثير من عوامل التعديل أما بتأثير دعوة إصلاحية مباشرة أو بسبب تطور حضاري بطئ أو بمجرد مرور الزمن أيضا وعوامل التعديل هذه تتناول فيما تتناول جانب المثاليات الاجتماعية السائدة فتنبذ منها ما لا يستقيم مع مفهوم المثالية الصحيحة والمراد بذلك جملة القيم التي تسود مجتمعا ما بتأثير التخلف الفكري والانحراف الأخلاقي وغيره وتبقى- من جهة أخرى- على ما يمكن أن يكون هناك من مثاليات معقولة من حيث الجوهر وذلك بعد أن تهذبها وتعدها للتلاؤم مع المقتضيات الإصلاحية والتطورية التي يتبناها التيار الجديد أما إذا كانت عوامل التعديل من نوع آخر بان كانت مثلا من نوع غير مباشر كعامل التطور العفوي الذي يحدث بمرور الزمن، وتقبل الإفهام والأفكار، تلقائيا، أو بتأثر عامل حضاري غير مراقب (مثلا: التأثير الأخلاقي والفكري الذي تحديث المدنية الحديثة على الشعوب المتخلفة) فان النتائج التي يؤدي إليها ذلك، لا تكون دائما مضمونة الايجابية بالشكل الذي يامله المرء مبدئيا، ذلك أن التعديل غير المراقب الذي يدخل على المثاليات الاجتماعية عند مجتمع ما تأثير الزمن أو النتيجة غزو حضاري أجنبي فينالها ذلك بالتحوير والتجديد أو يقلبها تماما رأسا على عقب، مثل هذه التطور لابد أن يثير عند الاجتماعيين وغيرهم نوعا من الحذر والانتباه ويدعوهم إلى مراقبة الأحوال والظواهر التي يمكن أن يسفر عنها عنها ذلك انه ليس من الضروري أن تكون هذه الأحوال والظواهر حتميا حسنة أو غير حسنة، إذ أن العفوية النسبية التي يقع بها تطور من هذا النوع يمكن أن تؤدي إلى تعديلات ايجابية مقبولة، تتلاءم المثل الاجتماعية للمجتمع المتطور أي المجتمع الذي تتعرض مثله الاجتماعية لمثل هذه التعديلات كما أن من الجائز كذلك أن يفضي هذا التطور إلى إقصاء المثل الاجتماعية القائمة بما تشمله من معان ايجابية وغيرها وعلى أنقاض لك يمكن أن تقوم أحوال خلقية جديدة تفتقد الأصالة والمعقولية وتكون مجرد مظهر للتهافت على التقليد والاقتباس الأخلاقي الذي ليس له من هدف ايجابي وأصيل، ولا يجد تبريرا فلسفيا وحياتيا مقبولا.

عاش المجتمع المغربي طويلا وهو يأخذ بجملة من المثل الاجتماعية تتحكم في تكييف عقلية أفراده وتتبلور من خلالها لهم طريق الأخلاقية الصحيحة التي يجب الاستمساك بها لكي بعد الشخص من ذوي المروءة والفضيلة وجديرا بالا يعتبر من الدهماء الذين لا وازع لهم، ولا هاد إلى رشاد. والواقع إننا لم نرد مثل هذه العبارات بقصد التعبير فقط بل لأنها كانت تعكس رأي النخبة الاجتماعية والطبقات الأكثر تهذيبا في حظيرة المجتمع المغربي القديم غير انه يبدو أن مثل هذه الآراء والتقديرات كان مبالغا فيها إلى حد ما، فالطبقات الاجتماعية بالمغرب-بما فيها سكان البوادي والجبليون (والصحراويون) وحتى أولئك الأقرب إلى البدائية النسبية هؤلاء كلهم لم يكونوا يعيشون-طوال عصور التاريخ بدون قيم ومثاليات اجتماعية تعطي لوجودها الاجتماعي معناه الخلقي الأساسي وتحدد له سبلا سلوكيا معينا وعلى الرغم مما كان يبدو من (فوضوية) كثير من سكان البوادي في المغرب القديم، ومن العشوائية الفكرية التي كانت تخيم على مجتمعات من هذا النوع فقد كانت تسود المجتمعات البدوية –مع ذلك- تقاليد وعادات خلقية وقيم فكرية وسلوكية تساهم كلها في تحديد مزاج السكان البدويين عموما وتميز الجو العقلي الذي كان يسود حياتهم ويكيف تصوراتهم واستجاباتهم الاجتماعية على المحو الذي كانت عليه بالفعل، بل أن بعض الظواهر الأخلاقية والسلوكية التي نستعرضها ضمن هذا الموضوع والتي يمكن أن نلاحظ آثارها بارزة على صعيد المجتمع المغربي 


بعمومه-كثير من هذه الظواهر، توجد متصلة-في الواقع -عن طبيعة المزاج الملحوظ- في المجتمعات البدوية بحيث يمكن القول أن عددا من العناصر المكونة لحالة المزاج المغربي العام ترجع-في جوهرها- إلى مؤثرات بدوية صميمة، أما أسباب ذلك فهي ناشئة على ما يبدو –جملة منن الظروف التاريخية والاجتماعية والحضارية وغيرها هما أسهم في تركيب المجتمع العربي-الإسلامي بالمغرب وصهره في البوتقة التي انصهر فيها بالفعل منذ نشأته الأولى ومن ابرز هذه الأسباب:
1) من الناحية السلالية والتاريخية: تماثل العنصرين الأساسيين العربي والبربري اللذين تكون منهما المجتمع المغربي الموجود الآن: تماثلهما في المزاج والخلق والصفات وطبيعة التفكير والسلوك والنظرة إلى الحياة الأمر الذي يؤكد-عادة- النظرية القائلة بأنهما ينحدران-فعلا- من أرومة واحدة هي الأرومة العربية –السامية، ومن المعلوم أن القاعدة الاجتماعية سواء عند البربر أو العرب هي قاعدة بدوية في الدرجة الأولى، والمعتبر في ذلك ناحية الطبع والأخلاق بصورة اخص، أما ما عدا ذلك فلا يتصل بساق الموضوع وبما أن المجتمع المغربي يتشكل كيانه الأساسي من تفاعل الدم العربي والبربري فان من الممكن القول إذن أن التأثير البدوي في تكييف الأخلاقية المغربية كان تأثيرا قويا وجوهريا على أن هناك-حقا-بهذا الشأن- عددا من المؤثرات الأخرى الطارئة على المغرب والمنحدرة إليه عن طريق احتكاكه بالحضارة الاندليسة واتصاله بكثير من الجماعات القاطنة في مناطق جنوب الصحراء بل انه من الجائز الاعتقاد بان المجتمع العربي الأندلسي-بعد تصفية وجوده في اسبانيا واستقرار كثير من عناصره بالمغرب كان له بالفعل دخل مهم في تكييف بعض جوانب العقلية المغربية وطبيعة السلوك الاجتماعي المغربي، لكن هذا التأثير الأندلسي-إذا قسناه بتشعب المجتمع المغربي وتعدد أطرافه وخصوبة تركيبه الديموغرافي-فانه يبدو لنا محددا بدرجة كبيرة لأنه يوجد منحصرا في بعض الحواضر الكبرى بشمال البلاد على الأخص، ولا تزال بعض العوامل الاجتماعية الهجرة البدوية إلى المدن، وشدة التفاعل والتجارب الموجود الآن بين سكان الحواضر، وقاطني البادية نتيجة التطور السريع في وسائل المواصلات وأدوات التفاهم هذا إلى التحول الواسع الملحوظ في كثير من الأفكار والمفاهيم التي كانت سائدة في المجتمع من قبل، وتبلورها الآن في أشكال أكثر تحررا وانطلاقا الأمر الذي ما برح يؤدي-باستمرار- إلى مضاعفة فرص التمازج الاجتماعي بين المدن والأرياف ويوثق مزيدا من الارتباط بين هؤلاء وأولئك عن طريق التعامل والتزاوج، وتبادل المنافع الاجتماعية والاقتصادية، ولا جرم أن ما يلحظه المرء من أحوال مزاجية وسلوكية تطبع جو عدد من المجتمعات الحضرية الفتية أي المجتمعات التي تتكون داخل مدن حديثة كالدار البيضاء أو في قرى نامية (كالخميسيات) مثلا، أن ما يلحظه المرء من مظاهر المزاج والسلوك العام في هذه المجتمعات الحضرية الناشئة، من شانه أن يعكس له صورة عن التفاعل الاجتماعي الموجود حديثا بين الحواضر والأرياف وما لذلك من تأثير على زيادة رسوخ المثل الاجتماعية البدوية في المدن وهي المثل المنبثقة عن طبيعة العقلية العربية البربرية، والمزاج المشترك ين العنصرين، وهذا التفاعل بين السكان، في المدن، والمدن الحديثة بصورة اخص، التي تنحدر أغلبية قاطنيها من أصول بدوية عربية-بربرية- هذا التفاعل هو الذي لا يزال يميز كثيرا من جوانب الطابع الخلقي للمجتمع المغربي الراهن على الرغم من أن هذا الطابع قد بدا يفقد بعض خصائصه وأصالته في هذه المرحلة المهمة من مراحل التطور الاجتماعي الحديث بالمغرب.

يبقى هناك موضوع للتساؤل عن مظاهر الخلقية المغربية في إطارها التقليدي الذي تحدثنا عنه، وعن المثل الاجتماعية بالأخص التي تتحدد بها كثير من المفاهيم والاختبارات المغربية في هذا المجال، ثم عن التطور الذي بدا يلحق هذه المفاهيم والاختبارات، ويكاد يفقدها محتواها الجوهري الذي تتميز به، أن استعراض مظاهر الخلق المغربي بما له من جوانب خاصة ومتشبعة تتناول آفاق الحياة من فكرية واجتماعية وغيرها، وتتدخل في شؤون الأفراد والأسرة والمجتمع وتحدد-في كل هذا كثيرا من معالم السلوك في الصداقة، والزواج، والإنجاب، والطلاق والاتجار والاستهلاك والتعلم والصحة والمرض-مثل هذا الاستعراض- الذي عنى به كثير من المؤلفين الأجانب-من شانه أن يدعو إلى إفاضة في القول، لا يحتملها الحيز المتوافر الآن بيد إننا سنعني بالتعرض لبعض المظاهر الخلقية البارزة-على سبيل الإيجاز- وخاصة منها ما يتخذ صورة مثالية اجتماعية لا يزال لها بعض الأثر يقل أو يكثر في حظيرة المجتمع المغربي الراهن، ومن بين هذه المظاهر الخلقية التي لها قيمة المثالية الاجتماعية عندنا:
1) التماسك العائلي: وهو من بين الخصائص المهمة التي أصبحت تميز بين المجتمعات الشرقية، والبيئات الاجتماعية في الغرب وغيره من المناطق الصناعية المتقدمة، وتتأثر فكرة التماسك الاجتماعية في المغرب والمجتمعات الشرقية الأخرى، بنوازع خلقية متجدرة في هذه المجتمعات ومن أهمها فكرة الشرف العائلي والتضحية العائلية واستمرار الحنين إلى الأسرة الأصيلة ولو بعد الاستقلال عندها مبدئيا والرعاية الأبوية الشاملة داخل العائلة هذا إلى التعصب العائلي والوحدة الشعورية العائلية وحتمية الحفاظ على الكيان العائلي أدبيا وماديا وذلك بكيفية تكاد تطغى في بعض الصور-على النوازع المجتمعية والقومية.
2) الكرم وحسن الضيافة : وهذه الخلة كانت من اظهر مميزات المجتمع المغربي القديم، ولا تزال توجد منها آثار واضحة في حظيرة المجتمع المعاصر، وخاصة بالنسبة لكثير من الجماعات الريفية وبعض الجماعات الحضرية الفتية أي المدن الحديثة والمستحدثة، وصفة الكرم هذه لا ينحصر مظهرها في مجرد الجود بالقرى، وحسن الإيواء، وإنما تتجلى آثارها أيضا في السخاء بالوقت، وراحة البال، في سبيل الغير وخصوصا المنكوب والمستجير وان كان هذا النوع من الجود والسخاء يأتي أحيانا من مجرد عدم تقدير الوقت وإرضاء نزوات فضولية في أحيان (التدخل مثلا في المخاصمات الزوجية، والنزاعات بين الجيران).
3) التسامــح: والملاحظ عموما أن العقلية التي كانت تسود المجتمع المغربي قبل الآن كانت فرض هذه الصفة بكيفية مثيرة جدا تتحكم أحيانا في تسيير القوانين وتطبيق الحقوق العامة داخل البيئة الاجتماعية فقد كان يكفي مثلا مجرد التشفع بمن هو أهل للاحترام أو التقديس للعفو عن مجرم أو التجاوز عن جريمة، ولو كانت جريمة قتل متعمد مثلا وكان الفرد-إذا ما عن له أن يتعصب لحقه ولا يقبل فيه وساطة متوسط، أو شفاعة متشفع، فانه لابد أن يتعرض لانتقادات المجتمع، وينظر له بصفته عديم اللباقة الاجتماعية، بل يعتبر أحيانا وقحا شرسا، ويغمز في نسبه، والقيمة الاجتماعية والخلقية لعائلته وليس من الأكيد أن مثل هذا الاتجاه في السلوك، وتقدير الأشياء قد كان يسود جميع المجتمعات المغربية بدون استثناء، ان حالة التسامح على هذه الصورة أو نحوها-تؤثر في وجودها وتكييفها كثير من العوامل الذاتية والبيئية زيادة على المؤثرات الدينية والأخلاقية في ذلك وليس هناك ما يؤكد أن جميع هذه العوامل والاعتبارات كانت متوافرة في جميع البيئات الاجتماعية بالمغرب القديم، ففي البيئات البدوية مثلا-مثلما هو الشأن كذلك في صعيد مصر، وأرياف العراق وبادية الشام وجبال لبنان، وقبائل الجزائر، ونجود اليمن وغير ذلك-ما فتئت روح الانتقام تمارس تأثيرا كبيرا على عقلية الأفراد والكتل الاجتماعية بل وتظهر أحيانا في صور طفولية لا يستسيغها العقل العادي بان يهدر الدم مثلا لمجرد نزاع بسيط حول استقاء ماء أو انتهاك حيوان داجن لحرمة ارض مزروعة، فأحرى ما يتعلق من ذلك بقضايا الشرف الحقيقي أو حتى ما يتوهم انه مس بالشرف على صورة الأمر الذي يصعب معه تقدير أهمية المظاهر الموجودة من التسامح كخلق اجتماعي في البيئات البدوية القديمة، سواء هنا في المغرب أو هناك في الأقطار العربية الأخرى أو بعض الأقطار الشرقية التي تتفق بعض ملامحها الاجتماعية في البادية مع ملامحنا وخصائصنا المميزة كل أن هذا اعتبار أن الاتفاق بهذا الشأن لا يعني التطابق المطلق في مختلف الصفات والنوازع الدقيقة وإنما يعني ذلك أن الظاهرة الاجتماعية الملحوظة عندنا تشمل بيئات عربية وشرقية كثيرة وذلك من حيث المعنى العام (عدم التسامح) لا من حيث التفاصيل والصور الخاصة فقد لا تكون لقضية بقرة تنتهك أرضا مزروعة شان كبير، يؤدي إلى النزاع، فإهدار الدم في بيئات اجتماعية أخرى داخل العالم العربي أو خارجه ولكن هذه البيئات تحدث فيها بدورها مظاهر أخرى من عدم التسامح-قد تقع من خلالها الجريمة لمجرد كلمة نابية أو الاشتباه مجرد الاشتباه في وجود خيانات عاطفية محتملة أو غير هذا أو ذاك من شتى الصور والظواهر، غير أن الذي يمكننا أن نلحظه من خلال البيئة البدوية المغربية ولا يتردد المرء في تأكيده هو أن هذه البيئة-في ملامحها العامة التي كانت تتميز بها منذ القديم- لم تكن تخلو من مظاهر سماحة وتعفف في عدد من ميادين التعامل ين الناس والاتصال فيما بينهم-على الرغم مما يلاحظ من تعصب وضيق بصيرة في بعض العلاقات الأخرى كما رأيناه من قبل ومن مظاهر التسامح والتعفف هذه ما يتعلق بالتعامل التجاري وتبادل المنافع المادية بين الناس فالمشاحة في وزن البضائع المباعة أو في كيلها، والتشدد في الطالبة بأداء ديون مؤجلة أو اقتضاء الضمانات على ودائع مؤمنة أو مسلمة كل شيء (أي جانب المشاحة والتشدد) لم يكن في حظيرة المجتمعات البدوية عندنا وحتى الحضرية القديمة-ملحوظا بالصورة التي عليها الأمر في مجتمعات أخرى خارج المغرب، وذلك مما قد  يساعد على الاعتقاد بان صفة التسامح يمكن أن تعتبر – في حدود معينة- صفة مشاعة بين كثير من المجتمعات المغربية القديمة، وان كانت تتخذ في هذا المجتمع صورة تختلف عنها في المجتمع الأخر، وتظهر في بيئة معينة، على نحو لا تظهر به في البيئات الأخرى فجوهر الصفة أذن كان موجودا ولكن مجال ظهوره وتبلوره لم يكن واحدا بسبب اختلاف العوامل المزاجية وتباين الملابسات الأخلاقية والقيم الاجتماعية-نسبيا-بين سكان البادية وقاطني الحاضرة على الرغم من التأثير الأصلي البدو-عربا أو بربرا- على عموم الأخلاق والمثاليات المغربية.

هناك-في الواقع- مجال واسع لاستعراض كثير من الخصائص المزاجية، والظواهر الخلقية المغربية، التي يمكن ملاحظتها كالبساطة والقناعة والمحافظة وغير ذلك مما يتخذ صبغة مثالية اجتماعية في بعض الأحيان، ذلك أن مجتمعنا-وطراز حياته التقليدية هو وليد حضارة قائمة الكيان، لها وجودها التاريخي وفاعليتها الحياتية ذات الجذور العميقة-هذا المجتمع- وشانه هكذا-يبدو من أخصب المجتمعات موروثات وتقاليد ومن أشدها استمساكا بهذا الموروثات والتقاليد- وعلى الأخص كما تقدم-إذا كانت تتخذ- صورة مثالية اجتماعية واجبة الأتباع والتقليد. ومن الممكن جدا لن تكون لمثل هذه الأحوال العقلية- الاجتماعية تأثيرات من نوع أو آخر تكييف ظروف التاريخ المغربي في أطواره القديمة والحديثة، وصبغته بالصبغة المميزة التي تفرده عن تواريخ كثير من الشعوب الأخرى في إفريقيا وغيرها(1)، وقد لاحظ المشرفون على نظامك الحماية السابق وجود هذه الحقيقة وادراكوا من خلالها أن الخصائص العقلية الاجتماعية بالمغرب ليست بسيطة سطحية وبالنتيجة فأنها غير قابلة للتحويل والتكييف بالشكل الذي يمكن أن يتم عليه الأمر-أو تم عليه الأمر فعلا- في مناطق أخرى من أقطار (ما وراء البحار) ومع ذلك اجاو لمواجهة هذه الحالة إلى عدة أساليب منها:
1) تنمية بعض الموروثات التقليدية ذات الطابع السلبي والرجعي وإعطاؤها مجالا واسعا للتطور والازدهار (ومثال ذلك الجانب التشريعي في السياسة البربرية التي اتبعت دون جدوى إلى حين إعلان الاستقلال).
2) الإبقاء على التقاليد والموروثات التقليدية، ولكن بعد إفراغها من محتواها الايجابي أو على الأقل- تشجيع الاتجاه التلقائي من جانب السكان لإفراغها من هذا المحتوى الايجابي تحت تأثير الجهل والتخلف الاجتماعي أو عند الاقتضاء إهمال الأمر من أساسه وترك الأمور في هذا الشأن تجري دون مراقبة تهذيبية أو توجيه من أي نوع (ومن أمثلة ذلك: ما كانت تجري عليه السياسة الأهلية من الفصل بين السكان وبين أن يمسهم تيار .

3) محاولة القيام بعمليات تحويل تدريجي غير مباشر عن طريق إفساح المجال لانتشار جملة من الأخلاق والمفاهيم والمثل غير المغربية بصرف النظر عما لها من تأثير سلبي أو ايجابي على طبيعة المجتمع المستهدف من هذه العملية التحويلية، وكما تقدم فان التحويل بهذا الشكل قد تمت مقتضياته على النحو الذي نرى بحيث نجد الفرق شاسعا بين طبقة المجتمع المغربي في خلال القرن الماضي وبينه في خلال هذا القرن إلا أن التحويل هذا لم يؤد إلى الأهداف المهمة التي كانت تتوخى منه: أي تحويل مزاج شعب كامل ومفاهيمه تحويلا يجعل الصلة بينه ذاتيته الأصيلة وواقعه الماثل ضعيفة أن لم تصبح منعدمة مع مرور الزمن وعلى العكس من ذلك فقد نجحت إلى حد كبير عمليات (تجميد) المفاهيم والأخلاق الموروثة بحيث أن جوانب كبيرة من مجموعة المثاليات الاجتماعية المغربية- وهي على ما هي عليه- بعد أن جمدت بتأثير عصور الانحطاط وسياسة الحماية السابقة-يمكن أن تصبح من بين العقبات التي تواجه حركة التنمية الاجتماعية والتطور الحضاري الجارية ألان وهذا هو جانب الأهمية الملحوظة في قضية من هذا القبيل ذلك أن الأمر هنا لا يتعلق فقط بالجانب الفلسفي من موضوع الأخلاق وإنما تتصل-أكثر من ذلك- بصميم القضايا الحياتية التي تهم تطور المجتمع والاتجاه الذي يتخذه هذا التطور نحو هذا المصير أو ذاك أن العنصر الأساسي-في مضمار التنمية- ليس فقط العنصر المادي الصرف- وان كانت له أهميته الحيوية، بل أن هناك أيضا جانب الإنسان الذي هو موضوع التنمية ومحورها وموجهها في نفس الوقت،  فبمقدار قابلية الإنسان لتحقيق التنمية وقدرته على استيفاء المقتضيات والشروط الكثيرة التي تتطلبها كل حركة تطورية من هذا القبيل بمقدار ما تكون حظوظ التنمية هذه أكثر توافرا، وقواعد بنائها اشد متانة، ومن ثم نجد أهما ضعيفة الموارد في الأصل قد استطاعت أن تحقق قدرا من النمو العام لم يكن يقدر لها أن تحصل عليه بالفعل بناء على ضئالة الممكنات المتوافرة لها في هذا الميدان، إما السبب في ذلك فيظهر عند البحث عنفي فاعلية العنصر الإنساني وما يمكن أن يكون قد توافر له من نضج فكري، وخلقي من الطبيعي أن يساعداه على تحقيق الأهداف التطورية التي يجد نفسه ملزما بتحقيقها في مختلف الميادين سواء تنظيمية أو إنتاجية أو غيرها وإذا كان العنصر الإنساني بهذه الدرجة من الأهمية في مضمار  التنمية إذن أن يعنى بالبحث عن الأحوال العقلية والخلقية داخل المجتمع على أساس النظر فيما إذا كانت هذه الأحوال تساعد الفرد والخلايا الاجتماعية أم لا على الاستجابة لشروط المجهود البشري الذي يجب أن يصرف في هذا المجال إذ أن الطاقة الابتدائية والتنظيمية والإنتاجية التي تتطلبها التنمية بتوقف وجودها على وجود عقلية منضبطة قد تتداخل أحيانا في توجيهها أوهام أو اعتبارات خاطئة ولكن هذه الأوهام والأفكار لا تصل إلى حد السيطرة عليها والتحكم في مقاليها من الأساس ولأجل هذا يشتد الاهتمام عند كثير من الأمم بتقويم عقليات أفرادها وطبقاتها الاجتماعية معتبرة أن ذلك يدخل في نطاق عملها من اجل التنمية الاقتصادية وبرامج التطوير بوجه عام، وإذا كان الأمر كذلك فما هو الحال بالنسبة للعقلية الاجتماعية التي تسود مجتمعنا في هذه المرحلة من مراحل تطوره العام الراهن؟ هل تتفق هذه العقلية مع ما تقتضيه مطا محنا في تحقيق التنمية الشاملة، أم انه من الممكن أن تكون عقبة دون ذلك؟ ثم إذا كانت هذه العقلية تشكل أية صعوبة دون التطور الأساسي المستهدف فهل من العسير تذليل هذه الصعوبة وما نوع السياسة التي يمكن سلوكها في هذا المضمار؟
انه بصرف النظر عن نوع الاستنتاجات التي يمكن تكوينها فان الواقع هو أن الحالة التي عليها عقليتنا الاجتماعية تختلف كثيرا-كما تقدم- عما كان عليه الأمر في عقود مضت، فروح التغيير التي شملت المغرب كما شملت غيره من الأقطار نتيجة التفاعلات الحضارية المعاصرة قد تناولت-فيما تناولت- الجانب العقلي الاجتماعي وعددت كثيرا من أبعاده ومعطياته، وقد كان للنظام الاستعماري السابق-كما أسلفنا- دور ملحوظ بهذا الشأن ولكنه دور بدائي لم تكن الغاية منه تتجاوز حدود الرغبة في تجميد بعض الإمكانيات الانبعاثية التي يمكن أن تتوافر للسكان بوجه أو آخر، فالأهداف كانت إذن محدودة ومتأثرة بالاعتبارات السياسية سواء آنية أو آجلة بيد أن هناك لاستبانة العامل الأخر الأكثر أهمية وهو عامل العصر الحديث والتقلبات الفكرية والاجتماعية التي ما برح بحدثها على مستوى العالم كله، فهذا العامل هو الذي يمكن أن نعزو إليه نسبة كبيرة من أصول التطور الهام الواقع في مثلنا الاجتماعية والعقلية الصادرة عنها هذه المثل فمثاليات اجتماعية ذات شان كالبساطة والقناعة والتماسك العائلي وغير ذلك لم يعد لها-بالفعل- نفس القدر من الفاعلية العقائدية والسلوكية، ما كمان لها في التقديم وبغير كثير من التحليل نستطيع أن ندرك القيم والحقائق الجديدة التي ما زال الفكر العالمي الحديث يحملها بين تضاعيفه وينال بواسطتها من شتى القيم والمثاليات التقليدية التي سادت المجتمعات القديمة دهرا غير قصير-تستطيع أن ندرك أن هذه القيم والحقائق الجديدة لم يكن إلا أن تحيل نسبة كبيرة من المثاليات الاجتماعية إلى ما لم تكن عليه من قبل، فمثلا نسبة التماسك العائلي والقيم التي تربط به قد مسها كثير من التغيير في أذهان الناس وسلوكهم، بحيث أن اعتبارات أخلاقية كالشرف العائلي والعصبية العائلية، كانت تعتبر حيوية في هذا المقام، ولكنها الآن قد غدت ذات مدلولات نسبية لأغير وقد كان لتزايد السكان بالنسبة لحالة الموارد وظهور أخلاق اقتصادية جديدة-بسبب هذا أو غير- كان لذلك تأثير ملحوظ على صفة الكرم ونسبته التي كانت سائدة من قبل ولم يكن لروح القوانين الحديثة ودقتها وصرامتها أن تبقى على خلة التسامح كما كانت في السابق وأفضت التعقيدات الحضارية المتزايدة إلى إصابة روح البساطة والفطرية التي ما زالت تسود الطباع منذ أمد غير محدود فهناك-على هذا الاعتبار- تحول أخلاقي مهم يجتازه كثير من الشعوب النامية وملاحظة هذا التحول في أخلاق ومسالك الشعوب ذات الحضارات القديمة يثير بالفعل-قدرا من الجدل وردود الفعل في أوساط المثقفين وذوي الفكر البعيد في أقطار الغرب وغير الغرب، بصرف النظر عن منطلق وجهة نظرهم لكانت موضوعية علمية أو نابعة عن اعتبارات غير علمية. أنهم يرون أن التحول الذي يصيب أخلاق الشعوب المتحضرة قديما من شنه أنعى يؤدي إلى طمس كثير من معالم الحضارات العريقة  ويحدث في نفس الوقت حالة من تشابه في حياة جميع سكان العالم من شانها أن تقضي على ما يمثله التنوع في هذه الحياة من خصب وراء غير محدود، وليس من همنا أن نناقش هذه الآراء (الفلسفية) المدلي بها بين الحين والأخر،ـ وإنما الأهم من ذلك هو ملاحظة التطور الحاصل وما إذ كان متفقا-كما تقدم- مع خطوط سياسيتا في التنمية والتطوير أم لا؟ أن القضية التي تطلع المرء أولا كجواب عن هذا السؤال هب انه من الصعب التوفيق دائما بين نتائج التحول الأخلاقي الحاصل وبين الأهداف الجديدة التي أصبحنا مطوقين بها في عهد الاستقلال كالتنمية الاقتصادية والتطوير الفكري والاجتماعي وغيره، ذلك أن أكثرية مظاهر التحول الأخلاقي قد حدثت بالفعل خلال النظام الاستعماري أما بصورة عفوية نتيجة الاحتكاك المباشر بالمغرب وأما بكيفية مقصودة، ومخطط لها نتيجة الاتجاه التجميدي الذي كانت تتبناه الحماية السابقة، وهناك جانب كبير من هذه التحولات حدث فعلا في عهد الاستقلال ولكن حدث في غمرة الاهتمامات الكبرى التي تكتنفها من كل جانب كدولة تعيد بناء كيانها السياسي من جديد، وبالنتيجة لذلك فان الكثير من هذه التحولات يمكن أن يكون قد حدث بصورة لا يبدو أنها تخضع لمقتضيات سياسة تخطيطية طويلة الأمد من نوع السياسة التي توجب التوفيق بين التحول الأخلاقي والتحول الاقتصادي، والاستفادة من واحد منهما لصالح الأخر، وإذا ما كان هناك من تخطيط بهذا الشأن فانه لا يلوح انه كاف وواسع الاستيعاب لمختلف المشاكل الهامة التي يمكن أن تعرض بذا الشأن ومن ثم كانت حاجتنا إلى مراجعة قضايا من هذا القبيل شديدة وملحة وهذا المراجعة لا تقتضي فقط مضاعفة عمليات التحول الأخلاقي بقدر ما تقضي مراقبة هذا التحول وضبط وجهته واستغلاله استغلالا عقلانيا موزونا في مضمار سياسة التنمية والتطوير العام فمن البديهي أن مبدأ التحول ليس من شانه أن يثير فينا استغرابا أو امتعاضا إذا لم يتجاوز الحدود المعقولة والضرورة فنحن بالفعل ملزمون بتحديد مواقفنا من كثير من المفاهيم والحقائق التي قادتنا طويلا وكانت من أسباب تخلفنا في أكثر الحالات غير إننا أيضا في حاجة إلى صيانة ملامحنا الحضارية البليدة التي تعكسها بعض المثاليات العريقة والمتأصلة في طباعنا ومسالكنا الحياتية، على إلا تكون هذه المثاليات عقبة في سبيل التطور الايجابي الخير، الذي نعتمده كهدف أساسي وحيوي ومن إمكانياتنا الضخمة في هذا المجال إننا إذا عرفنا كيف نوفق بين مقتضى التأصيل الأخلاقي وحاجيات التطور السريع الذي يحتمه منطق الحياة المتجددة فان روح الدين الذي نعتنقه لا تتخلف عن مؤازرتنا في هذا الميدان بل وتقدم إلينا الحلول الواسعة المجدبة التي تجعل مهمتنا أمرا أكثر سهولة يبقى إذن أمر مراقبة التطور الأخلاقي والتحول الحادث في مضمار المثل الاجتماعية وهذه المراقبة لا تقتضي-في كثير من الحالات- العمل على إلغاء المثل هذه واستبدالها بغيرها على نحو ساذج ومرتجل وإنما تقتضي بالعكس الإبقاء على كثير من هذه المثاليات ولكن على أساس تهذيبها وتطويعها لمقتضيات العمل التطويري الواسع الذي نتوخاه فليس من حاجة-مثلا- إلى استئصال القناعة من النفوس وإحلال النهم والشره محلها وإنما هناك فقط ضرورة لتحديد تأثير هذه القناعة وعدم تركها تفعل فعلا سلبيا يدعو إلى المس بمطامحنا أن نسابق الزمن ونغالب التحدي الحضاري القوي الذي يواجهنا به الغرب وغير الغرب، وكذلك الأمر بالنسبة للتماسك العائلي الذي لا يجب أن يتحلل لأنه قاعدة بنائنا الاجتماعي الذي نحن متأكدون من صلاحيته لنا وللمجتمعات التي تماثلنا في الرغبة والاتجاه ولكن هذا التماسك لا ينبغي كذلك أن يبقى ملتصقا بمفاهيم تقهقرية وسلبية كالعصب العائلي والأنانية العائلية وما يتصل بذلك من استحكام الفكرة الطبقية الضيقة، المنحصرة في الأسرة الخاصة،ـ كما هو السائد في المجتمعات المختلفة والقبائل البدائية وشبه البدائية إن البرنامج المدرسي يمكن أن يلعب دورا مهما في هذا المضمار، بيد أن الصعوبة التي تبدو بهذا الشأن هي أن البرنامج المدرسي ذو تأثير محدود ينحصر غالبا في الأجيال الصاعدة دون غيرها، ولهذا فان وسائل الإرشاد والأعلام العمومية يمكنها أن يكون-بدورها- ذات أهمية قصوى-بهذا الصدد- وللكتاب والمسرحيين والسينمائيين والمحاضرين العموميين والشعراء والرسامين، والموسيقيين ورجال الدين الواعين في المقدمة، ما يجوز أن يقوموا به في هذا المجال، من دور حيوي لا غنى عنه، لكن كل ذلك لا يمكن أن يكون ذا جدوى إذا لم يعتمد على نوع من التخطيط المسبق، يدخل في عموم التخطيطات التي يمكن وضعها وتطبيقها من اجل تحقيق مبدأ التنمية والتطوير ومن المولد أن النهضة العامة التي تشمل مختلف البلاد النامية-بما فيها المغرب، والعالم العربي والإسلامي- لابد أن تضع في الاعتبار حملة مقتضيات حيوية من هذا القبيل.

(1) هذه القضية-التي يمكن أن نعود إليها بحول الله-يحتاج إثباتها إلى كثير من الإفاضة  قد تخرج بنا عن الموضوع الذي نحن بصدده.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here