islamaumaroc

العدد الماضي في الميزان

  دعوة الحق

76 العدد

قبل كل شيء ألاحظ أن جملة الكتاب الذين اقترح عليهم أن يكتبوا تحت هذا العنوان..كلهم يبدون إشفاقهم وتهيبهم للخوض فيه.. علما منهم بان زمرة الكتبة والباحثين الذين سيعرضون لهم بالنقد والحمد مختلفة النزاعات متعددو الشارب لا يجمعهم قرن واحد ولا سبب متصل.. وكذلك الموضوعات المعروفة فهي متباعدة تتناول جوانب شتى وترمي إلى مناحي كبرى.. وكيف يستطيع عقل واحد أن يدرك شاو جملة عقول.. وكيف يقدر قلم واحد أن يسير غور عدة أقلام. بل كيف يحكم فرد واحد وهو عادة قصير على جماعة من الأفراد وكل منهم قوي في نفسه بانفراده وأخرى بانضمامه إلى سربه..
لذلك فانا أقدم عذري مسبقا إذا لم إدراك شاو الذين اقترح على أن أتعرض لإنتاجهم بالنقد والتحييد أو الوزن والتقدير.. وأصرح أن الذي حملني على تلبية رغبة مجلتنا العزيزة الجليلة ولو كانت هذه المساهمة رمزية طفيفة..
فادخل في الموضوع قائلا إنني بدأت بفحص العدد من ناحية شكله وجرمه ومن ناحية ترتيبه وتبويبه وإخراجه من الناحية الفنية فألقيته كسابقاته حسن الهندام جميل الشكل صقيل الورق بديع الإخراج والتبويب والترتيب كما وجدته من ناحية الموضوعات غزير المسادة دسما قويا حتى أن القارئ العادي ربما كلفه وقتا غير قصير الإتيان على ما فيه.. فصرت أتساءل هل هذا عيب في العدد أم حسنة من حسناته.. ثم زعمت انه ربما كان عيبا بالنسبة لبعض القراء غير المتفرغين للقراءة أمثالي وحسنة للمتفرغين، وقليل ما همن.. وإذا كان المقام يسمح لي بإبداء ملاحظة على محتوى المجلة فهي أنها باعتبار كونها تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية كان حربا بها أن لا تخلو ولو بصورة إخبارية من نشاط هاته الوزارة وهو نشاط عظيم الشأن مندد النواحي.. وذل بالإضافة إلى ما أسست المجلة لأجله من الدراسات الإسلامية وشؤون الثقافة والفكر.. كما أسجل باسحان تخفيض ثمن المجلة من درهم ونصف إلى درهم واحد.. ولاشك أن هذا من باب التيسير المفروض دائما من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
وأما الاستعراض العام للموضوعات المطروقة فانه أفضى بي إلى الوقوف على مزية كبرى لهذا المجلة وهي أنها في هذه السنوات ألثمان من عمرها المديد يحول الله استطاعت أن تضم إليها شرقا وغربا جماعة من الكتابة الباحثين والعلماء المختصين الذين يؤثرونها بنشر إنتاجهم وآرائهم وقلما يغيبون عنها.. يقينا منهم بأنها منير من منابر الإسلام ولسان من السنة الحق وخير من يدعو دعوة الحق.. أمثال هؤلاء الأساتذة الكبار: علال الفاسي، محمد الطنجي، عبد الله الجراري، احمد التيجاني، الدكتور تقي الدين الهلالي، حسن السائح، المهدي ابن عبود، عبد الله كنون، محمد ابن تاويت، محمد زنيبر، جمال الدين الرمادي، زكي المحاسني، عبد العلي الوزاني، عبد القادر زمامة، احمد زياد، محمد المنوني، إبراهيم حركات. المهدي البرجالي، وغيرهم ممن لا أحصى عقدا..
ثم أفضى بي هذا الاستعراض إلى حيرة.. هل أتعرض لجميع موضات العدد وهي كما قلنا غزيرة وضافية.. أم أمر على كل منها من الكرام بالإشارة العابرة واللمسة الخفيفة.. أم اقتصر على بعضها الذي يعالج حالة خاصة من حالات مجتمعنا المغربي أو حالة عامة الحالات التي تشغل بال الرأي العام؟
أخيرا وجدتني مضطرا إلى الاقتصار على هذا البعض.. لكن لا بخسا لقيمة المباحث الأخرى وهي كلها موفية بالمراد
مستحقة لعظيم الاعتبار.. ولا غمطا لحق أصحابها الآجلة الكرام.. وإنما لكون القاعدة تقول: ما لم يمكن كله لا يترك جله.
وهناك ملاحظة عابرة لا ادري هل من الأنسب إبداؤها أم هي من حق المجلة ذاتها وهي انه لفت نظري أثناء الاستعراض بعض موضوعات العدد سبق لي أن قرأتها أو سمعت عنها في مجلات أخرى.
وأيا ما كان فان موضوع «اثر العقيدة في المجتمع» للأستاذ الكبير علال الفاسي كان بحق في مقدمة موضوعات العدد.. إذ أن الأستاذ على عادته عالج فيه بطريقته التحليلية وبتعمقه وشموله المعهودين واقع المجتمع المغربي وحالة الحيرة التي تعيشها أجيالنا الحاضرة.. فاستطاع حفظه الله أن يصل فيه بعد مقدمات وتمهيدات أبدع فيها كل الإبداع إلى ما يرمي إليه وهو انه «يجب على الشباب أن يتجه إلى نبع عقيدة الإسلام التي تفتح آفاق ذهنه ليتصور الواقع ولا يبقى في جو يظهر فيه التمرد بمظهر الثورة والتقليد بمظهر التطور-أن أحدا غيرنا لا يستطيع أن ينقدنا من آفاق الانحطاط ويصعد بنا إلى درجات الرقي- علام نرمي بأنفسنا في أحضان الهاوية التي يحفرها هؤلاء (الغربيون) الماديون».. حقا أن الأستاذ علال خير من يعالج مثل هذه المواضيع بما له من إيمان راسخ واطلاع واسع وفكر حر وأسلوب رصين ومنطق محكم..الشي الذي نشكر الأستاذ عليه ونتمنى منه فيه المزيد.. غير إننا نسنسمحه إذا لاحظنا على الموضوع انه كان غاية في العمق وجد مركز حتى انه أشبه بالنقط ورؤوس المسائل التي يسطرها المحاضر على الورق قبل أن يأخذ في بسطها أمام اللحضرين.. لذلك كنا نتمنى أن لو أضفى الأستاذ مزيدا من حلية بيانه على هذا الموضوع العميق.. كما كنا نتمنى أن لا يجتاز بعض الكلمات والعبارات ويتركها من غير بيان.. ككلمة «فدادية» الواردة في قوله «فدادية بوذا» وكلمة «التصويف» الواردة في قوله «لقد آثر الغرب التصويف وهو يعود اليوم إلى التصوف».. إذ المفروض من القارئ المتوسط أن يكون دون المقروء ولا سيما إذا كان من مثل هذا الكلام العالي وإنتاج الأستاذ الرفيع..
وموضوع «أمهات المؤمنين» للشيخ الأستاذ آبي العباس احمد التيجاني الذي كتبه فضيلته تلبية لرغبة بعض الطلبة.. ردا على ما نشر في بعض الجرائد.. دون ذكر اسم الجريدة ولا ذكر ما نشرت بنصه..مما جعلنا نفترض انه ما جاء أثناء المقال من «انه صلى الله عليه وسلم يحب النساء والمرح والغناء».. وان كان السطر الأول من هذه القولة «يجب النساء» ليس فيه ما يبعث على عظيم استنكار ما دام يتفق مع قوله صلى الله عليه وسلم:«حبب إلى من دنياكم النساء والطيب إلى أخر الحديث».. وما دام لا يتبين من الفقرة وحدها فحوى ما ترمي إليه الجريدة من وراء هذا الحب ولا ما ذكرته في موضوع تعدد زوجاته ص.. لذلك كنا نستحسن لو أن حضرة الكاتب العالم حكى قول الجريدة-وحاكي الكفر ليس بكافر- أو المع إليه ففقط بما فيه الكفاية.. حتى نستطيع أن نشارك الشيخ الجليل ونعيش معه في الموضوع.. وعلى أي حال فإننا نحمد لفضلته هذه الغيرة الدينية التي عرف بها.
وموضوع «اللغة العربية في الحقل العلمي» للدكتور الطبيب المهدي ابن عبود.. حري بالملاحظة وجدير بالاعتبار.. لكونه موضوعا يشغل بال المواطنين جميعا في الظروف الراهنة ويشغل كثيرا من الأقلام والأفواه من جراء معركة التعريب التي يخوضها الكل.. لقد صرح الكاتب الفاضل بأنه موضوع مقترح من مكتب التعريب.. وهو بوصفه عالما نفسينا أولا وعالما تقنيا ثانيا (ولا يخفى ما بين علم النفس وعلم الطب من ازدواج والتحام) ثم عالما مهتما بالدراسات الإسلامية ثالثا.. يستطيع بهذه الوسائل ولاشك أن يعالج الموضوع من إطرافه ويخرج منه بالنتيجة الموجودة وهي صلاحية اللغة العربية لسائر الحقول العلمية وغيرها.. أو بالنتائج التي خرج بها حضرة الدكتور حيث قال «ليست المسالة مسالة لغوية وإنما هي نفسانية تتصل بوجودنا وعقيدتنا وفلسفتنا في الحياة-والاتهامات التي تلحق لغة الضاء هي في الحقيقة ينبغي بالأحرى أن توجه إلى الجهلاء من أبنائها- أن قيمة اللغة صورة لقيمة الأمة- أن اللغة العربية كانت ولا زالت لغة حضارة فلا يصدق عليها ما يقال عن اللغات البدائية-أن العربية لا تحتاج إلا لشيء واحد هو الاستعمال، فهي موجودة ولكن الأمة مفقودة-دعاة الازدواج يساعدون على سياسة الاستعمار الجديد.. وأما تعلم اللغات فهو موضوع آخر..».. فنرى أن صديقنا الدكتور عالج الموضوع من الناحية النفسية أكثر من الناحية العلمية لشعوره بان العلة أو النقص ليس في اللغة ذاتها وإنما هو في نفوس بعض أهلها..فما داموا لم يشفوا من وصمة هذا الجهل ومن مركب هذا النقص الذي ابتلاهم به الاستعمار فلا سبيل إلى إدراكهم صلاحية اللغة العربية لسائر الميادين.. وبعد ذلك هل لنا أن نأخذ الدكتور على عدم تدعيه الموضوع علميا ولغويا..؟
وننتقل إلى موضوع «دراسات حول الأدب المغربي» للأستاذ الموفق عبد العلي الوزاني.. فأبادر إلى القول بأنه بحث أدبي من النمط العالي الجامعي الذي يصح-في نظري- أن يقدم كصورة مشرفة لما وصل إليه البحث الأدبي المجرد عندنا بالمغرب.. واني لا املك إلا أن اشد بكلتا يدي على يد الأستاذ الوزاني مهنئا له على مثل هذا الإنتاج الرفيع متمنيا أن أقرا له الكثير من هذا النوع الممتاز.. فلقد أعجبني من بحثه أولا حسن تقسيمه وترتيبه ثم شموله واستيعابه.. في أسلوب رصين وتعبير محكم طافح بأفكار صائبة وأحكام صادقة إلى ابعد الحدود.. انه عند ما قال «أول مشكلة تواجه هذا الأدب انه يبحث عن نفسه بين شتى الاتجاهات» صور واقع الأدب المغربي اصدق تصوير ووصفه بالوصف الحقيقي الذي لا يمارى فيه منصف.. وعندما قرر أن «الشعر بطبيعته بطئ التطور نظرا الكون قيوده انقل من قيود النثر».. كان أيضا صادقا وواجدا علة هذا البطء الشديد الذي سبب عندنا وعند غيرنا تأخر مواكب الشعراء عن اللحوق بقافلة الأدباء الآخرين.. وعندما قال «والقصة عندنا في المغرب ليس لها رجالها المختصون أنها فن ضائع بين الفنون الأدبية».. نبه إلى خطورة القصة وغلى ضرورة الانقطاع إليها ممن يحاول أن يدرك فيها الشأو الرفيع.. وأما النقد الأدبي «فإننا تقريبا لا نجد له وجودا» مضيفا أن «بعض الأعمال النقدية التي لم تراع فيها أصول النقد الصحيحة إنما كانت مهارات لا اقل ولا أكثر».. فهذا أيضا قول صادق يعز علينا أن لا نجد ما نناقشه به.. ثم قال الأستاذ أن فن المقالة هو الفن الأدبي الذي فاز عندنا بحصة الأدب.. وذهب يشرح ذلك ويستعرض مراحل المقالة بالمغرب والمأخذ الموجهة عليها..«فإذا ولينا وجهنا شطر التأليف فإننا نلاحظ أن جل ما صدر عندنا من كتب إنما كان عبارة عن مقالات نشرت متفرقة ثم جمعت بين دفني كتاب».. أقول للأستاذ الوزاني إن هذه الظاهرة في التأليف ليست خاصة بالمغرب بل أن جل ما يصدر عن دور النشر بالقاهرة وبيروت إنما جمع مما سبق نشره متفرقا أو حوضر به في الجامع والجامعات أو قدم أطروحات لنيل الإجازات والشهادات العليا أو هيئ لحراسات مدرسية للطلبة ولصغار التي بها بعض المؤلفين الكبار هنا وهناك ولاسيما في العلوم الاجتماعية كالتاريخ والتراجم والتشريع.. وأخيرا يعجبني قول الأستاذ «إننا بعيدون عن سن الرشد الأدبي تلك السن التي يحاسب فيها الأديب نفسه ويصبح واعيا بكل ما يصدر عنه قادرا على أن يعرف لكل خطوة موضعها».. وان كان بعض الأدباء المتطلعين عندنا ربما لا يعجبهم أن يقال لهم لم تبلغوا سن الرشد في الميدان الأدبي رغم اتهم بلغوا الأشد في المجالات الأخرى.. ثم ليسمح لي الأستاذ أن أوجه إليه مأخذا واحدا وهو قد أخذنا بعدة مأخذ.. وذلك أن بحثه القيم خال من ضرب الأمثلة وعرض الشواهد.. فما هو إلا نظريات يعوزها التشخيص والتنظير.. والمثل الوحيد الذي قدمه «في الثقافة والأدب» للأستاذ غلاب دليلا على أن الأستاذ الوزاني لم يلتزم في بحثه ترك الأمثلة والشواهد جانبا.. كما نعلم من شمول نظرياته وصدق أحكامه أن الشواهد لا تعزوه لو أرادها.. ولكننا نشعر-وان كان هو لا يشعر- بضرورتها في موضوعه العظيم..
وبعد.. فان بالعدد عدة دراسات أخرى بلغت من الجودة والاستيعاب ما يغرى بالتعليق عليها والوقوف عندها مدة أطول.. غير إني مرغم على الإنصاف عنها أما لكونها ضافية يضيف المقام عن الخوض في أحشائها.. كالبحث المستفيض «حول مشاكل البحث والاستنتاج التاريخي في العصر الحاضر» للأستاذ المهدي البرجالي.. وكالموضوع الهام «أضواء على الأدب الاسباني» للأستاذ حسن الو راكلي.. وأما لكونها حلقة من حلقات سابقة أو أخرى لاحقة مما نشر بعضه في عدد سابق أو بقي لعدد لاحق.. فتعذر على لذلك تكوين فكرة عامة عن الموضوع بأسره.. مثل ما نجده في مناقشة الدكتور تقي الدين الهلالي المعنونة «نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط».. وفي نقد الأستاذ عبد الله كنون المنون«نظرة في منجد الآداب والعلوم»..  وفي بحث «ثقافتنا الإسلامية المعاصرة» للأستاذ الحسن السائح.. واني لم استثن من ذلك إلا بحث الأستاذ الوزاني الأنف الذكر لكونه في حكم البحث الكامل وان كان فصل من فصوله ينتظر النشر.. راجيا لذلك قبول عذري والعذر عند كرام الناس مقبول..
                                                    

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here