islamaumaroc

مبادئ التشيع في الأدب الموحدي

  دعوة الحق

76 العدد

في الأحاديث التي ادعتها سنوات 57، 58، 1959، عن الأدب المغربي، قلت بعد إتياني بنماذج من شعر أبي حفص  السلمي- ما يلي بنصه:
«ومن هذه البيات وغيرها من الشعر الذي قيل في هذا العصر، تدرك أن الأدب المغربي، دخل فيه عنصر-ولو أن الفكرة فيه لم تكن غريبة عن المغرب نفسه، فيما قيل، منذ العبيديين ولربما منذ الادارسة الأول، إلا أن الأثر الأدبي، لم يسجل لنا شيئا عن ذلك من ذي قبل- هذا العصر هو مبدأ الشيعة والاسماعلية منها بالخصوص،ـ في مسالة الخلافة، وان صاحبها معين بالعين أو بالوصف، وانه الإمام المعصوم المعلوم، كما نجده في رسالة الموحدين، ويختص هذا الإمام بالصلاة عليه، كما يصلي على النبي عليه السلام، وكما نجده في نهاية هذه القصيدة، الأتي ينهيها بهذه البيات:

يا سامعين امـــاديـح الإمـــــــــام إلا         فاجثوا على الوكب الإعظام أو قوموا
خذ كـــاس لفظــي دهاقا من مدائحه         فيها الحقائق لا لعـــــو ولا تــــأثيــــم
تدعو له بدلا مــــن مدحه لقصــــــو        رالمدح عنــــه وفيـــه العدر معلـــوم
عن الإمـــــام فــــلا تضرب به مثلا         منا يقــــاس بــــه والمثـــــل معـــدوم
أعطى الورى فضل ما أعطـاه خالقه         عليه من ربـــه بشـــرى وتــسليــــــم
صل بالصلاة عليه صــدق مدحنــــه         ذاك الرحيق بهــذا المســــك مختــوم

وهكذا نجده بأمر بالصلاة على ممدوحه الموحدي، وهو التقليد الذي عرف بين الشيعة، حينما يصلون على غير النبي عليه السلام.
نعم، قلنا هذا وكنا أول القائلين به، كما سيكون أول القائلين بمثله، في غير هذا الأدب الموحدي.
ولنعد إلى هذه القصيدة التي ندح بها أبا يعقوب يوسف ابن عبد المومن، والتي افتتحها بقوله:

الله حسبك والسبـــع الحوامـيــــــــم         تحــــوي بهــــا سبعـة وهي الأقاليــم
سبع المثاني التــي لله قـــمـــت بهــا         عليـــك من سرهـــا معنــى وتقديــــم
وأنت بالسور  السبع الـــطوال على         كــل الـــورى حاكــم بالله محـــــكوم
وسبعة الشهب لم تحفل بــــها ثقــــة         بوعـــد ربــك هيهـــات التنـــاجيــــم
نسمو بنفس على السبع الشداد سمت         فينـــــا وثـــم لهــا زلفــى وتـحكيـــم


فقد سبق كذلك أن قلنا تعليقا على هذه الأبيات:
«وبعد ما يستمر في ذكر السبع من السموات والشهب والأيام ويستعمل كل ذلك بمهارة، في مدح مخدومه، ويطنب في أوصافه بالعدل والاستقامة، يصفه بهذه الأوصاف فيقول:
 
فـؤاده بضيــــاء الـــعلــم منـشرح         ووجهه بجمــال النـــــور موســــــوم
وكفـــــه بطنـــــها بالخير منهــــر         وظهـــــرهــا لعهــــود الله مــلثــــوم        
العلم قيمته والــــــعلم شيمتــــــــه         طابــت أرومتـــه والنفـــس والخيم...
 

هذا ما قلناه في هذا الصدد، وكنا أول من تعرض لهذا الأديب بالدرس، على انه من أدباء المغرب البارزين، ومن قبلنا اعمل ذكره: لا لأنه أديب تافه، بل لان الشقندي فاخر به أبا يحي ابن المعلم الطنجي، على انه أندلسي قرطبي لا يمكن أن يجود به المغرب، كما قلنا في ذاك الحديث. وبذلك انصرف عنه دارسو أدينا، إلى أن طلع علينا صديقنا العلامة الجليل سيدي عبد الله كنون، بالحلقة الثلاثين، التي نثرت في بيروت، سنة 1961 أو 1962.

لقد علق الأستاذ كنون، على أبيات السبعية بقوله:
فهذا المطلع كما ترى كله مقارنات يستعملها الشاعر على طريقته، فيستخرج منها معاني أشباها في ألفاظ أشباه تألقا في التعبير وتفننا في التصوير، ولعله إنما ضمنه هذه التعبيرات التي ملكها على نسق، لمناسبة لم يذكرها لنا رواة القصيدة» هكذا وقف الأستاذ كنون عند هذه «السبعيات».

والواقع أن لها خطورة خاصة عند الشيعة الإسماعيلية بالخصوص، إذ العدد «السبعة» يعتقد عليه هذا المذهب اعتمادا كليا ويعتبره سرا من أسراره الباطنية.

فهم على هذا العدد الخفي «سبعة» يبتون مذهبهم القائل بان هناك سبع فرات للأنبياء والرسل هكذا:
آدم، لوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد.(عليهم الصلاة وسلام) محمد بن إسماعيل (المنسوب إليه المذهب) كما يزعمون. وبين كل نبي فترة، يملاها سبعة من الايمة، فبعد النبي عليه السلام، علي، فابنه الحسن، فابنه الحسين، فابن هذا علي الملقب برين العابدين، فابنه محمد الباقر، فابن هذا جعفر الصادق، فابنه إسماعيل.

وبإسماعيل هذا بلغت الفترة السادسة نهايتها، ثم جاء دور ابنه محمد الذي سيعقبه كذلك سبعة من الأئمة، أولهم ابنه جعفر الصدق، وثانيهم ابنه محمد الحبيب (والد عبيد الله المهدي كما قيل).
على أن كل سبعة من هؤلاء الأئمة يعقبه اثنا عشر نقيبا. وقد اثر عن محمد الباقر أن الإسلام بني على سبع
دعائم: الولاية، وهي أفضلها، والطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد.

ولهذه الدعائم في التأويل الباطني أمثال: فالولاية مثلها آدم، لفاته أول من افترض الله ولايته، وأمر الملائكة بالسجود له، والسجود الطاعة، ولم يكلفهم غير ذلك، فيسجدوا إلا إبليس. فلا بد لجميع الخلق من اعتقاد ولايته، ومن لم يتوله لم تنفعه ولاية من بعده، لان الله اوجب ولا ينسه، فكان أصل رسله وأنبيائه وأئمة دينه.

والصلاة مثلها إبراهيم، فهو الذي بنى البيت الحرام، ورفع المقام، فجعل الله ها البيت قبلة، والمقام مصلي، وقال إبراهيم «أني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين».

والزكاة مثلها موسى، فهو أول من دعا إليها وأرسله الله بها، فقال تعالى»وهل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب إلى فرعون انه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى» أول ما أمره به الدعاء إلى أن يزكي.

والصوم مثله عسى لأنه نادى أمه: «من تحتها إلا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا، وهزي إليك يجدع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا، فكلي واشربي وقري عينا، قاما ترين من البشر أحدا فقولي أني نذرت للرحمن صوما» وبذلك يكون أول من دعا إلى الصوم، كما انه كان يصوم دهره، ولا يأتي النساء، شان الصائم الذي لا يجوز له إتيانهن وهو صائم، بل كان لا يجوز للصائم قبل الآية الناسخة، آتياتهن ليلة الصيام،وكان عيسى صوام الدهر، كما سبق.

والحج مثله نبينا محمد عليه وعلى الأنبياء الصلاة والسلام، فهو أول من أقام مناسك الحج، وسن سننه كما هي، وكانت العرب فيما قبل تحج إلى البيت الحرام، وتطوف عنده، ولكنها لا تقيم شيئا من مناسك الحج، بل كان طوافها كما حكاه الله تعالى:«وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاد وتصدية» فكانوا يطوفون عراة يصفرون ويصفقون، فهي عن هذا النبي عليه السلام، فقال في العمرة التي اعتمرها قبل فتح مكة، وقد وادع أهلها المشركين «لا يطوفن بعد هذا البيت عريان ولا عريانة» وكانوا قد نصبوا حول الكعبة أصنافا يعبدونها، فلما فتح مكة كفر تلك الأصنام، وسن سنن الحج ومناسكه وفرض وفروضه بأمر الله تعالى، فكان الحج خاتمة الأعمال المفروضة، فلم يبق بعده من دعائم الإسلام غير الجهاد وهو مثل سابع الايمة، الذي هو صاحب القيامة.

ومما تجدر ملاحظته أنهم اختلفوا في هذا القائم، فمنهم من يجعله إسماعيل كما تقدم، فيكون ابنه خلفا له بعد موته، ومنهم من يجعله محمد بن إسماعيل، ويسقط إسماعيل هذا.

وعلى كل فانم العدد سبعة، وقف عنده هؤلاء القوم،ـ والتمسوا له ظاهرا وباطنا، وفرعوا عليه فروعا، وكانت أسئلتهم هكذا:
لم خلق الله سموات والأرض في سبعة أيام؟
لم جعل الله السموات سبعا طباقا؟
لم جعل الله الارضين مثلهن سبعا؟
لم جعل لجنهم سبعة أبواب؟
لم جعل الله المثاني من القرآن سبعا؟

لم جعل في عنق الإنسان سبع فقرات؟ وجعل في ظهره اثنتي عشرة فقرة؟
ما ذلك إلا لان السبع تحمل الرأس، فهي الأئمة ليس النبي، تساعدها الاثنى عشر نقيبا، نرمز لها الاثنتا عشرة فقرة.

فهذه قصة السبعية عند الشيعة، ولا شك أن أبا حفص تومي، إليها ويلم بها الماما مبهما في من غير ما يدخل في تفاصيلها، التي تبرئ منها قاضينا الشاعر، لأنها غلو يفضي بصاحبه إلى الإلحاد، في نهايتها، وإذن فليس أمعان شاعرنا في سبعة، فإنما على مجرد الاستغلال أو الاستقراء الفني، أو التوليد القائم على التداعي، لان ما بأيدينا من شعر القاضي ونشره لا يطلعنا على هذه الوتيرة من المقارنات التي يستعملها ليستخرج منها معاني أشباها في ألفاظ كذلك، لمجرد التألق في التعبير والتفنن في التصوير.

وقصة المهدوية و «السبعية» عرفها المغرب من قبل ما عرف دولة الموحدين ينيف وأربعة قرون، فلقد استغل هذه الدعوة البرغواطيون، بل استغلها أولهم صالح بن طريف أوائل القرن الثاني، وذلك انه حينما فارق المغرب عام ثمان وعشرون ومائة، كان فيما وعد به ابنه اليأس انه يرجع إلى المغرب في دولة «السابع» منهم، وانه المهدي الذي يقاتل الدجال، وان عيسى سيكون من جنده، ويصلي خلفه، فلما كانت دولة السابع منهم وهو اليسع بن إسماعيل، في منتصف القرن الخامس جعل ينتظر ظهور جده صالح في حماس وإيمان بالغ.

ومع هذا فإننا لا ندعي أن ابن تومرت، وقد استفاد من نظام الإسماعيلية ومنطقهم في الإمامة، كان اسماعليا، مائة في المائة، كما يقولون-بل انه استفاد من هذا إلى حد، وكان واقيا في تنظيم طبقات رجاله، فالعشرة المهاجرين، نظر فيهم، بعد الأمر الواقع إلى المهاجرين العشرة، من الصحابة، ولم يجعلهم أثنى عشر نقيبا، وحتى لو جعلهم كذلك، توافق موسى قبل أن يكون موافقا لهؤلاء الشيعة، كما أن السبعين في طبقته الثالثة، كانت بعد الواقع أيضا، متابعة لموسى الذي اختار من قومه سبعين رجلا.

وكما استفاد من هذا كله إلى حد ما، فانه استفاد كذلك من هؤلاء الباطنية، تلك الصرامة، التي لم تكن تتورع في إراقة الدماء وإرهاق الاوراح، آخذة بالظنة، ومستعملة تلك الحيل التي كان يستعمل مثلها «الحشاشون» في الشرق، وكان ابن تومرت قد خير من شؤونهم، حينما كان بالشرق، فسمع عنهم أو اتصل يبعضهم، إذ كانوا منبثين أنداك في كل مكان.

ومهما يكن، فهذا لا يعنينا الآن، يقدر ما يعنينا تفسير «السبعية» في سبع أبي حفص السلمي، تفسيرا يقوم على فكرة شيعية، كما وجدنا ذلك في شعر ناصر خسرو الاسماعيلي المتطرف ومثنويات نظامي الكنجوي المتصوف.

وللتصوف علاقة بالتشيع، وكذلك انتهى شاعرنا وقاضينا السلمي إلى هذا التصوف، كما قلناه في الحديث الثامن من أحاديث الأدب المغربي، التي اذبعت سنة 1957. ولأمر ما كان محي الدين بن العربي يتمتع بكثير من التقديس بين رجال الشيعة في إيران.

على أن هناك حقيقة لا بد من ذكرها، وهي أن التشيع لم يتنفس تنفسا ما إلا في أدباء البلاط، وعلى رأس هؤلاء السلمي، أما غيرهم فلا، والقصيدة التي أوردها صاحب المعجب في رثاء محمد بن تومرت، لا تمثل التشيع بما له الواضحة بل تشير إشارات إليه تقوي جدا عند فكرة المهدوية بالخصوص، ولم يرد صاحبها أن يظهر بها كما قيل، وتنسب إلى رجل من الجزائر.

هذا ما يتصل بالشعر، أما النثر فكان أقوى ترديدا لفكرة الشيعة في الإمامة والمهدوية، على عكس ما سنرى فيما بعد أن شاء الله عند تعرفنا للتشبع في الأدب السعدي، فان الشعر فيه كان انطق وأفصح بهذا الأمر...

                                                                     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here