islamaumaroc

وبعد

  بقلم رئيس التحرير

12 العدد

وبعد، فقد أنهت مجلة «دعوة الحق» بهذا العدد الممتاز سنتها الأولى، وكان من حقها أن تنهيها بعددها العاشر، جريا على العادة المألوفة من المجلات الثقافية الشهرية، ولكنا آثرنا مع ذلك أن نستمر بها إلى العدد الثاني عشر، لتنهي سنتها الأولى مع انتهاء الموسم الثقافي. ومع حلول فصل الصيف، الذي تعسر فيه الكتابة الجادة والقراءة الجادة معا، والذي لا يبقى فيه مجال إلا لما اصطلح على تسميته بلغو الصيف.
كان من حق المجلة أن تنهي سنتها الأولى بالعدد العاشر، لكن كان عليها-لكي تستطيع أن تتمتع بهذا الحق- أن تكون قد وفقت في اختيار الوقت المناسب لابتداء سنتها، أما عذرها في ذلك، فهو أنها لم تكن تملك الوقت الكافي للاختيار، لقد كان عليها أن تبرز إلى الوجود بأية وسيلة ممكنة أو غير ممكنة، لتسد الفراغ الفكري المخيف الذي كنا نعيشه وتتبرم منه، ولتبدد سحب الملل والكل واليأس، ولتستجيب إلى الرغبة الملحة التي ظلت تدعوها إلى الظهور، وهكذا، سرعان ما تطورت «المجلة» من فكرة، إلى مشروع، إلى حقيقة واقعة، وفي ظروف كهذه كان من الصعب علينا أن نطيل الوقوف لاختيار الوقت المناسب لابتداء العمل، لقد كان علينا أن نفعل شيئا ما لإنقاذ الموقف، وان نعجل به، وغاية ما نرجوه الآن أن نكون قد وفقنا ولو بعض التوفيق.
إننا لا نستطيع أن ندعي أننا قد نجحنا، ولكننا نستطيع أن نؤكد أننا قد بذلنا جهده كله، وقد أخلصنا للغاية التي رسمناها منذ البداية، وقد صمدنا لكل المعوقات التي صادفتنا في أول الطريق، والتي كان على رأسها أن القادرين على الكتابة لا يريدون أن يكتبوا، والقادرين على القراءة لا يريدون أن يقرأوا، وان البيئة كلها لا تظهر الحاجة إلى العمل الفكري أو الغذاء الفكري، ولا تطلبه أو تسعى إليه.
وطبيعي، أن المجلة-أية مجلة- لا يمكن أن يتصور لها وجود إطلاقا إذا لم يكن هناك كاتب وقارئ.
بل أن المجلة-أية مجلة أيضا- لا تعدو أن تكون أهدافا يتعاون الكتاب والقراء معا على خدمتها والعمل من أجلها.
لقد صمدنا، ولكننا اكتشفنا أثناء العمل، أننا لسنا وحدنا في طريق، وان الأزمة الثقافية التي نشكوها من الممكن إلا تكون مستفحلة إلى الحد الذي نتصوره، وأن رصيدنا مكن الطاقات الفكرية، لا يختلف عن رصيدنا في الميادين الأخرى، إلا أن الأعمال الفكرية تطلب التفرغ لها والتوفر عليها، ونحن امة قد عشنا زمنا، ولا نزال نعيش حتى اليوم، ظروفا خاصة، تقتضينا أن نجند كل قوانا للتخلص من الاستعمار ومن آثار الاستعمار، وقد وضعنا جميعا هذه الغاية نصب أعيننا، وانصرفنا إلى تحقيقها عن كل ما عداها، ونسينا في غمرة العمل من أجلها كل شيء، وكان طبيعيا في جو كهذا إلا نجد الوقت الكافي للأعمال الفكرية الجادة التي تطلب كثيرا من الأناة، وكثيرا من الوقت، جانب كل ذلك حالات عقلية ونفسية خاصة، لا يمكن أن تتوفر إلا مع الهدوء والأمن والاستقرار، وإلا مع الحرية الكاملة، التي لا يحدها إلا القانون والحق، والتي لا يستطيع الفكر مطلقا أن يعيش بدونها، إلا إذا كان من الممكن بالنسبة للإنسان أن يعيش بدون شمس ولا هواء ولا ماء.
وهكذا لم تكد المجلة تقطع نصف المرحلة من سنتها الأولى حتى اكتشفت أنها ليست وحدها في الميدان، وإنما لن تخاف الموت من انقطاع مادة الحياة عنها، وأن البيئة التي تعمل فيها-بعكس ما كان يبدو عند البداية- تتوفر على طاقات فرية هائلة، كما تتوفر على كثير من المواد الخام، وأنه ليس عليها إلا أن تزيد في صمودها ، وان تستمر في دعوتها، وان تعمل بدون انقطاع على تحريك القرائح والأقلام، وعلى تشجيع المحاولات الجادة الهادفة.
 
وهكذا أيضا، لم تكد المجلة تنهي المرحلة كاملة من سنتها الأولى، حتى بدأت تطمئن إلى النجاح.
نعم، أن بلادنا كما أسلفنا تتوفر على طاقات فكرية هائلة، ولكننا لم نبرز بعد بكل قوانا الفكرية إلى ميدان الكتابة والتحرير والتأليف، ولذلك أسباب، كان على رأسها من قبل : الاستعمار، ولا يزال على رأسها حتى الآن مخلفات الاستعمار وتركته الثقيلة العفنة، التي تشغل الفكر، وتخلق المشاكل، وتشعب السبل، وتعتقد الأشياء.
إننا لا نريد أن نتخذ من الاستعمار مشجبا نعلق عليه كل نقائصنا وخطايانا، ولكنا نريد فقط، أن نوضح الحقيقة، وان نضع أصابعنا على مكمن الداء، على إلا يشغلنا كل ذلك على البحث عن أسباب أخرى، قد تكون أسبابا قائمة بذاتها، وقد تكون مجرد مضاعفا أو مظاهر للداء الأصلي الذي هو الاستعمار.

إن في بلادنا جيلا كاملا من المثقفين،  كان لإفراده بيننا فضل دق ناقوس الخطر، وفضل الإنارة والتوجيه، وفضل التعليم، وفضل الكفاح في جميع الميادين، وفضل التبشير بمستقبل حر، وفضل العمل من اجل حقيق الاستقلال، ومن اجل تطوير الحياة الاجتماعية والنهوض بها، لاكنا مع ذلك، نكاد نخسر هذا الجيل في ميدان الكتابة والتحرير والتأليف.
لماذا ؟
لأن أفراد هذا الجيل لم يتعودوا أن يكتبوا!!
أما لماذا لم يتعودوا أن يكتبوا، فإن المسؤول عن ذلك هو الاستعمار، الاستعمار الذي يخاف الكلمة المكتوبة لأنه يعرف معناها وعملها وتأثيرها، ويستطيع في نفس الوقت أن يقف في وجهها وان يمنعها بوسائل قد لا تتاح له في مقاومة الكلمة المنطوقة، وان كان خوفه من هذه أيضا لا يقل عن خوفه من أختها السابقة.
وهكذا تعود أفراد هذا الجيل أن يتكلموا ويقنعوا وان يجلوا في الكلام، وان ينفقوا منه عن سعة وعلم وإدراك وخبرة وفلسفة وثقافة، وكانوا يتكلمون خارج بلادهم على السلسة والعلماء والحكام والنواب ومحرري الصحف ومندوبي الإذاعات، وكانوا يتكلمون داخل بلادهم على الطلاب والعمال والفلاحين، وكانوا يدافعون عن مشروعية حركتهم، وأعمالهم في جلسات الاستنطاق، وفي محاكم الاستعمار، بالحجة والمنطق والعقل والقانون، كانوا يتكلمون في كل مكان يستطيعون أن يغافلوا فيه الاستعمار، فإذا اضطروا إلى مواجهته، تكلموا أيضا، دفاعا عن حقهم وحق وطنهم في الحرية والكرامة والاستقلال، لكنهم مع ذلك لم يكونوا يستطيعون أن يكتبوا.
فإذا حاولوا الكتابة، فغن عليهم أن يضعوا نصب أعينهم مقدما، قلم الرقابة، وقاضي التحقيق، والمحاكمات الشكلية،وتهم المس بالدولة الحامية، ثم ما يتبع كل ذلك من السجن والنفي والعذاب والتشريد.
وبالتدريج، فقد أفراد هذا الجيل القدرة على الكتابة، لان الكتابة مران ورياضة، وظل مكانهم شاغرا في الصحيفة والمجلة والكتاب، وتركوا فراغا في ميدان الكتابة والتحرير والتأليف، قد لا يستطيع غيرهم أن يملأه، إلا أن تتاح له ثقافتهم وتجربتهم وخبرتهم واتصالاتهم الواسعة، ومعرفتهم بأصناف الناس، وطبيعة الجماهير وحاجاتها، وغير ذلك مما هو نتيجة نحو من ثلث قرن، قضاه أفراد هذا الجيل في العمل والكفاح والتبشير ومغالبة الاستعمار.
وإذا كان بعض أفراد هذا الجيل-واعني الأستاذ علال الفاسي- قد شذ عن هذه القاعدة، وقد استطاع أن يحتفظ رغم كل ما ذكرنا، ورغم أشياء كثيرة أخرى، بمقدرته الخارقة على الكتابة والمحاضرة والتأليف، فإنما ذلك-كما يعبر عنه غير واحد من أفراد طبقته نفسها- «معجزة» وهم يعنون أنها حالة خاصة، ترجع إلى عوامل أخرى شخصية ذاتية، مما لا يتأتى لكل الناس.
وهناك الجيل الناشئ نفسه من المثقفين، وقد تعلم كثير من أفراده في أرقى المدارس والكليات داخل القطر وخارجه، وحصلوا على أرقى الشهادات، وشغلوا أرقى المناصب في الدولة، وفيهم من يقرا باستمرار رغم مشاغله الكثيرة، ومن يتوفر على أفكار وآراء خليقة بان تكتب وتقرأ، لكن الخسارة في هؤلاء أيضا أنهم تلقوا تعليمهم كله بلغة أجنبية، ولم تتح لهم الفرصة ليتعلموا فيستطيعوا أن يكتبوا بها، ليساهموا في اثرئها من جهة، وليساهموا من جهة أخرى في خلق ثقافتهم القومية الخاصة، وعند ما نبحث عن أصل الداء هنا أيضا، نجد انه الاستعمار والاستعمار لا غير.
وإذا كان بعض أفراد هذه الطبقة، قد أتيح لهم أن ينفذوا من السد المنبع الذي أقامه الاستعمار في وجوههم، فعرفوا لغتهم وعرفوا حاجتهم إليها، وتعلموها بالقدر الذي يساعدهم على الاستفادة منها والإفادة بها، إذا كان بعض أفراد هذه الطبقة قد أتيح لهم ذلك، فغنهم يقومون اليوم بيننا بإنتاجهم وأفكارهم تعبيرا صريحا عن الخسارة التي منينا في أخوانهم الآخرين، في الميدان الذي نتحدث عنه، ميدان الكتابة والتأليف والتحرير.
أما الذين أتيح لهم من الجيل الناشئ أن يتلقوا تعليمهم باللغة العربية، فقد كانت الأساليب الذي كتب عليهم أن يكونوا بها ثقافتهم، أساليب عتيقة جامدة، أو مفككة مضطربة، تنقطع اليوم لتستأنف غدا، وتمشي دائما في خطوط ملتوية معوجة، بدون هدف أصلا، أو بهدف غير واضح، وكان السبب هنا أيضا، كما كان في غيره، هو الاستعمار، الاستعمار الذي كان يقف في وجه كل تطور في التعليم العربي، وكان يعمل على القضاء على كل حركة لتطويره في مهدها، ذلك لأنه كان يريدنا جهلة، فإذا لابد من تعليم بعض الأفراد، فليكن ذلك على يده، وبلغته، وبالأسلوب الذي يختاره، والذي يتمشى مع أهدافه ويحتفظ له بوجوده، أو يكون أداة للاحتفاظ له بهذا الوجود.

وكان المفروض نتيجة لكل ما تقدم، إلا تجد فينا اليوم من يمسك قلما أو يخط حرفا، ولكن الواقع عكس ذلك، فقد خرجنا من المعركة منتصرين في كل ميدان، حتى في ميدان القلم، في ميدان الكتابة والتحرير والتأليف.
وإذا كنا لا زلنا حتى اليوم لم نقدم من إنتاجنا الفكري إلا القليل مما يستطيع أن يشهد بانتصارنا في هذه المعركة، فإن ذلك لا يعني إلا شيئا واحدا، هو أننا لا نزال-كما أسلفت- مشغولين بالعمل للتخلص من آثار الاستعمار، ومن تركته الثقيلة العفنة.

على أن المسألة لا تنتهي عند هذا الحد، ولا ينبغي أن تترك للمجهودات الفردية والمحاولات الخاصة.أن على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في ميدان الفكر، كما تحملها في كل ميدان آخر، ولن يكفيها لذلك أن تفتح المدارس، وتشجع التعليم، وتؤسس الجامعة.
إن الاستعمار كان يعمل لتجهيلها وفق خطة محكمة وبرنامج محضر محبوك، ونحن نعمل للتخلص من آثار الاستعمار، فيجب أن يكون رد الفعل من طرفنا قويا قوة العقل نفسه.
إننا ننادي هنا بفتح (مصلحة للفكر) تزويد بالعدد الكافي من الكفاءات، وتضم مجموعة من رجال القلم والفكر، تعتبرهم الدولة موظفين لديها، وتوفر لهم الجو المناسب للدراسة وابحث والتنقيب والكتابة والتأليف، وتنفق على أعمالهم عن كرم وسخاء وسعة، وتحدد مهمتهم، فقط، في أن يقرأوا وأن يكتبوا، أن يتصفحوا المخطوطات التي تهم تاريخ المغرب السياسي أو الفكري، وينفضوا عنها الغبار، ويصححوها، ويقدموها للمطبعة لتعرف عن طريقها النور والهواء، ولتعرف عن طرقها أيدي القراء، تجعل مهمتهم أن يجيبوا عمليا عن هذه الأسئلة وعن أسئلة أخرى كثيرة غيرها : هل كان لنا أدب ؟ وهل لنا في حاضرنا أدب ؟ وهل لنا ماض في الفكر نعتز به ونعلنه للناس ؟ وما هي الأسس التي ينبغي أن نبني عليها ثقافتنا وأدبنا وبرامجنا في التعليم.
(مصلحة للفكر) تقوم في الأمة بمثابة الدماغ المفكر، لأهم لها إلا أن تفكر في بعد عن جميع المؤثرات الخارجية، وأن تعلن نتيجة تفكيرها بحوثا، ومقالات، ومحاضرات، ومشاريع، وكتبا مؤلفة أو مترجمة.
إن الدولة تعني بكل شيء، تعني بتوفير القمح، ومد القنوات، وإصلاح الطرق، وبالمجالات الدبلوماسية فما الذي يمنعها من أن تزيد على أعبائها عبثا آخر، قد لا يكلفها كثيرا، ولكنه يعطي نتائج لا تقل أهمية عن النتائج المطلوبة من الأعمال الأخرى ؟
ما الذي يمنعها من أن تحتضن الفكر، وتتبناه، وتنفق عليه ؟
ما الذي يمنعها من أن تزيد على عدد موظفيها الكثير جدا، عددا آخر قليلا تكل إليه أن يقرأ ويكتب وينتج ويصحح ؟
إننا لا نطلب إلى الحكومة أن تفعل كل شيء، ولا ندخل في حسابنا أن عملا كهذا الذي نقترحه قد يغني عن المجهودات الخاصة، ولكنا نريد أن نقول فقط، أن حاجتنا في ميدان لفكر أكبر من أن تترك للمجهودات الخاصة وحدها،وأكبر من أن يكفي في علاجها ما يفضل من الوقت على هامش الأعمال والمشاكل والمسؤوليات.
إننا ننادي بفتح (مصلحة للفكر) تدعى «أكاديمية» أو تدعى «معهدا للدراسات» أو تدعى بأي اسم لآخر، المهم أن تكون، وأن تبرز إلى الوجود في أقرب وقت ممكن، لأن الحاجة إليها شديدة، ولأنها-فيما نرى- علاج، قد لا يكون حاسما، ولكنه من غير شك، علاج مفيد، ومفيد جدا، بل ضروري لا يمكن الاستغناء عنه بأي حال من الاحوال.

 


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here