islamaumaroc

نظرة في تائية ابن الفارض

  دعوة الحق

74 العدد

لم يجمع كتاب العربية على أصل أو اشتقاق يرجعون إليه كلمة «تصوف». كما لم يتفقوا على ربطها بطراز محدد من نماذج الحياة.
قالوا انه تحذر من أصل يوناني هو كلمة «سوفيا» أي الحكمة.
وقالوا انه يدل على حياة خشنة، أوضح مظهر لخشونتها هو اصطناع الصوف لباسا
وأرجعوه إلى صوفة، وهو شخص عربي كان يمارس ذلك الطراز من الحياة، وأيا كان من هذه التاصيلات صحيحا، فان مجرد استعراضا يؤكد حقيقة لا لبس فيها، هي أن التصوف الذي تحدث عنه تاريخ الفكر الإسلامي، ليس تصوفا إسلاميا صرفا ولا عربيا خالصا. إنما هو مزيج من هذا وذاك مضافا إليهما عناصر غربية، دينية وفلسفية.
هذا التصوف العربي الإسلامي، مع هذه العناصر الغربية، بما أنها نتائج أمم متباينة في المشرب والمزاج، كان لا بد أن تعكس على المجتمع الإسلامي ألوانا متباينة من التصوف، ألوانا تبلغ من التباين حد التنافر، وكما يقول العقاد، فان هناك تصوفا يقول للحياة «نعم» وآخر يصرخ في وجهها «لا» يضاف إلى ذلك، تباين بتعلق بالطريقة التي تمارس بها مختلف الفآت كهذه، لم تكن محجوبة عن التصوف والمتصوفين في العالم الإسلامي في الربع الأخير من القرن السادس للهجرة وخلال العقود الأربعة الأولى من القرن السابع، وهي الفترة التي عاش ومات خلالها سلطان العاشقين.. ابن الفارض ( 576 - 632).
                                                   ***
والواضح أن تائيته الكبرى المسماة بـ «نظم السلوك» تتضمن خلاصة وافية لما عانى وجرب، وما خطر له أو كشف. وتعتقد أن كتابتها تمت في مرحلة النضج من حياته، سواء من حيث التجارب النفسية أو الصنعة الأسلوبية، ولا شك أيضا، انه نظمها في فترات متقطعة متباعدة، وانه وكل إلى فيض الخاطر أمر نظمها. لم يهتم بتنسيق ما نظمه صنفا مع ما ينظمه الآن أو سينظمه في المستقبل. لذلك جاءت طويلة، كثيرة الخنادق، قديمة فعلة.
على أن هذه الصنعة الأسلوبية في كثير من أشكالها، يجب النظر فيها بالنسبة إلى الصوفية على نحو لآخر يختلف عن نظرة البلاغيين. أن للمتصوفة معجمهم الخاص ولكلماتهم دلالات أخرى غير ما ألف أهل الإصلاح: لقد يتبادر إلى الذهن أنهم يشبهون أو يستعيرون والحال أنهم يلبسون الكلمات معاني جديدة من عند يتهم، ويصبون فيها دلالات خاصة بهم، فالحج، والحرم، والمسجد الأقصى، وحواء كلمات تدل عند أبي الفارض على غير ما يفهم منها عادة.
ومع ذلك فكثيرا ما تستشعر خلال النظم ، حرارة قلب وحكمة ملهم، تشعر بذلك حين تخلل تلك الإقفال اللفظية التي دفها على أبوابه. ما أشبه سلطان العاشقين بسلطان المنتائمين صنعة في الأسلوب!!
                                                   ***
والآن ما هذه المطولة التي سماها بنظم السلوك؟
أنها ملحمة لا ينازل الأبطال فيها بعضهم بعضا، ولا يقعقع فيها سلاح. ملحمة عقد لواءها للشاعر ضد نفسه، فاخذ يحاربها تارة ويروضها أخرى، مستعملا وسائل القهر والدلال، كي تصفو ويزيلها الباطل وتشرق بنور حقيقتها.
فيها إذن، ثورة ومواجهة، والأمر يتعلق بالكشف عن سلوك جديد. يقول:
فنقسي كانت قبل لوامة متى          أطعها عصت، أو اعص كانت مطيعتي
فأوردتها ما الموت أيسر بعضه      واتبعتها كيما تكون مربحتي
ــه من وان خففت عنها نادت         فعادت، ومهما حملته تحملتــ
ويقول:
فأذهبــت في تهذيبهــــا كل لـذة            بإبعادهـــا عن عادهــا فاطمأنــت
هذا العراك بين الشاعر وبين نفسه، كان يمكن أن ينتهي إلى نوع من الدربة والمران أو إلى نوع من الخضوع يدبر به حياته دون أن يعدو الأمر ذلك. لكننا نعرف أن العراك قد أفضى بالشاعر المتصوف إلى مفترق من الطرق. ترى كيف تمكن هذه الازدواجية في نفسه: كيف تجمع بين الخير والشر؟. بين وازع الضمير وهتاف الشر؟. إنها (ازدواجية لم تقبلها بداهنه، بل هي تخدم حجة الذين يقيمون الوجود على أساس من عراك الخير ضد الشر.
لو أن شاعرنا اكتفى من حربه بإخضاع نفسه، ربما انتهى به تصوفه إلى أن يخوض غمار الحياة مع الخائفين. واغلب الظن انه كان سيفعل ذلك في تزمت، أما حين تعنى ذلك إلى فحص ضميره، فقد هام في المتاهة تلو الأخرى، وبذلك أغلقت من دونه سبل هذه الفانية.
ما أعجب هذا؟: نفس إمارة ونفس لوامة. لكن مهلا فالأمر يتعلق بواحد لا باثنين. بتوحيد يتم بينهما، توحيد يولده الكفاح ومحو الائتار والشر. هكذا أصبحت نفسه خيرا محضا وحبا خالصا.
قصـرت حبيبـا- بـل محبـا لنفسـه             وليــس كقول من: نفســي حبيبتــي
وهكذا أصبح وحدة لا محط للشر والتعدد فيها، وأصبح قائما بالخير تائها فيه، يستوي إزاءه الشهادة والغيب.
يجب إذن أن: «ترى الاثنين واحد»
فان لم يجوز رؤية اثنين             واحداحجاك ولم يثبت لبعد تشبت
ماجلو إشارات عليك خفيفة         بها كعبارات لديك جلية
واثبت بالبرهان قولي ضار         بامثال محق. والحقيقة عمدتي
 
وهناك يعمد إلى مثل المصروعة بالجن في داخلها. والتي نتكلم بغير لسانها... السنا يصدد اثنين في واحد فإذا كنت لا تصدق فان الفارض كان مثلك هـ:
كـذا كنـت قبـل أن يكثف الغطــا
               مـن اللبـس مـا انفـك عن ثنويـــة.
ومضى الشاعر في مكافحة هذه الازدواجية أو «الثنوية» حتى أخذت من تائيته قسما غير صغير. بل انه يفرغ منها ويتجاوزها إلى غيرها حتى يعود إليها من جديد كل ذلك في نغمة تعليمية، فيها الهام وقليل من المنطق. نغمة تدل على أن هذا الرجل جنح إلى الكشف والإلهام. فكان متصوفا شاعرا وليس متصوفا فيلسوفا.
تلك كانت التائية الكبرى. فيها تيه وفخر، وفيها تسلطن بتأمر.. لا على كل الناس، بل على العشقين وطلاب الجلوة فحسب، ونأمل قوله:
فأنت بهذا المجد أجـدر من أخـي اجـ             تهـاد مجـد عـن رجـاء وخفيــة
وملك معالي العشق ملكي، وجنـدي الـ           معانـي، وكـل العاشقيـن رعيتــي 
 لكنه وقد روض نفسه فأزال تنوينها وعاد بها إلى سبيل الهدى وسبيل الوحدة، لم يعد يرى داعيا للعنف في مواجهتها. فاستنام إليها متأملا، واخذ يعطف عليها، بل استشعر أنها تبادله العطف الحدب. فامتد بينهما خيط رقيق من هذا الحب. ثم ما لبث هذا الخيط أن انمحى، لأنه أصبح هي وأصبحت هو. وهذا سر ذلك الهيام ولباس العشق الذي سربل به تائيته وتغنى به في أكثر من قصيدة أخرى.
معركة ضد النفس، لما تلبسها اعتقاد في التعدد. فانتصار باسم الوحدة، ترى ما نضمون هذه الوحدة ؟ يقول ابن الفارض:
وبـي موضعـي، لا بـل إلي توجهــي 
                 كـذاك صلاتـي لي، ومنـي كعبتــي
أن من يعتقد في الاه مفارق له، يتوجه إليه. أما إذا كان «إلي توجهي» فهذا يعني الحياة والندين بطريقة مغايرة. أنها الحلولية ووحدة الوجود. يقول:
وفارق خلال الفرق فالجمع منتج  
                  هوى فرقة: بالاتحاد تحدث! 
 
وصرح لإطلاق الجمال ولا تقل
                  فكل مليح حسنه من جمالها
  بتقييده ميلا لزخرف زينة
                  معار له. بل حسن كل مليحة
وهكذا ما من مثل أعلى، سواء تعلق بالأنوثة  الخالدة عند عشاقها. أو بالكشف العلمي عند رواده، وما من خطوة في التاريخ، إلا وهذه الحلولية أساس لها. وباختصار ما من مظهر من مظاهر الطبيعة إلا وهو لسان ناطق بها:
بدت باحتجاب واختفت بمظاهر
               وما برحت تبدو وتخفى لعلة
  على صبغ التلوين في كل بزرة
               على حسب الأوقات في كل حقبة
هذه الحلولية وتلك الوحدة، عبر عنهما في حرارة تلفت النظر، عرفت أوجها في فناء كلي. غير أن الشاعر ما لبث أن تراجع فأعلن في تواضع، انه ليس حلولية:
وحشا لمثلي أنها في حلت
فعل ذلك مستعينا بالمنطق. ونسى أن البرهنة، على ما هو بصدده، غير واردة، لان الأمر يتعلق بكشفه والهامه بعيان قلبه. وعلى كل حال فهناك أمور:
تنزيه عن رأي الحلول عقيدة ( ـه)
خلال هذا العرض الموجز لـ «نظم السلوك» يتبين لنا من هو ابن الفارض بين أهل التصوف؟ والسبيل الذي سلكه في التعبير عن صوفيته؟ ولا شك أن هناك ترابطا سببيا بين السؤالين.
لم يكن ابن القارض ممن يتصرفون للحياة، بالمعنى الذي نقول به أن المرحوم عبد الوهاب عزام كان ممن تصوفوا فاصطبغ سلوكهم اليومي بمسح من التصوف. لم يكن ابن الفارض من هذا القبيل، لأنه غاص وغاص في أعماقه أو نفسه حتى لم يخرج منها، أو حتى خرج منها إلى عالم مهما يكن فهو ليس عالمنا.
لذلك سلك سبيل الشعر ولم يتح نحو الفلسفة. فجاءت تدليلاته فجة في معظمها. سلك سبيل الشعر لأنه متصوف، يستمد من وجدانه. ويسترفد الهامات نفسه، ولا يأبه للأشياء والأحياء حوله فيستمد من حدودها تفكيرا محصورا على نصيب من الدقة. يتمثل لي أن ابن الفارض استحال إزاء ما عرف في عالمه الباطني ريشة مهروبا بها في قضاء لا ينتهي...
ولما كانت هذه الحالة مما لا يلائم الطبيعة البشرية فقد اضطرب الشاعر بين فناء ما حق لكل شيء، وبين نوازع إنسانية ظلت تنتابه مثل غيره من الناس. فكان ابن الفارض لم يوفق كما ينبغي التوفيق بعد ذلك الجهاد. ولعل هذا التأجج هو ما أحدا بالبعض إلى أن يتحدث عن عشقه باعتباره عشقا ماديا.
مهما يكن، فعلى الرغم من استخدامه للكثير من مصطلحات الفلسفة –أيا كان المذهب الذي سبق له الاطلاع عليه- فقد ظل متصوفا شاعرا ورجلا قلبيا. ولعل هذا هو سبب ما في التائبة من فوضى.
                                                   ***
وسواء أتصوفت من اجل الحياة، أو من اجل هدف خارج عنها. وسواء أتصوفت مفكرا، أو مستلهما فلا شك، انك ستجد لابن الفارض هتافا في نفسك وأنت تقرا له ملحمة الوحدة والانسجام اللذين رآهما قوام الكون.
ولا ضد في الكونين والخلق ما ترى
                       بهم للتاوي من تفاوت خلقة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here