islamaumaroc

الفخر الرازي في عالم الفلسفة

  محمد السائح

12 العدد

معلوم أن الخصب الفكري لم يكن وقفا على فلاسفة اليونان، ولا أن التراب العربي كان لاستنبات التراث اليوناني فحسب، من غير أن يناله بصبغته، ولا أن يدخل فيه من عناصره.
فإن العبقرية العربية الجبارة أبرزت فلاسفة لا يشق لهم غبار، فبهم الرازي الذي نحاول اليوم الحديث عنه، إلا أن شخصية الرازي الفلسفية ليست جلية لكل احد، فهو في عالم التفسير أشهر منه في عالم الفلسفة، وفي ناحية الجدل وعلم الكلام أسير ذكرا وابعد صيتا من نواحيه العلمية.
والواقع أن الرازي بما أوتي من المشاركة بمعناها التام في مختلف العلوم، فيلسوف بحانة مدفق، غبر أن عدم الالتفات الخاص لناحيته الفلسفية كان له اكبر الأثر في تحويل أنظار كثيرة عنه، كما أن امتلاء الجو الفلسفي بصدى الكندي، والفاربي، وابن سينا، وابن رشد، وابن طفيل، وإضرابهم، لم يمسح بسماع ذكر الرازي جليا، لهذا كان اهتمامي بهذه الناحية من نواحي علومه المتنوعة أكثر، الأمر الذي حملني على أن أثارتها بهذا الحديث بوجه اخص، تحريكا للأفكار، وتنبيها للأذهان على ما كان لسلفنا من الزعامة في مختلف العلوم، حثا للخلف على تحدي السلف، سيما في هذا العصر الذي انبثقت فيه عناصر العلوم، وانفهقت حياضها، وأدرك أهل التفكير عيانا أن لا حياة لهم إلا بالتروي من معينها.
حياة الرازي وعصره
الرازي هو شيخ الإسلام محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين البكري، المولود بالري، سنة ثلاث وأربعين أو أربع وأربعين وخمسمائة، والمتوفى بهرأة سنة 1205، العربي العنصر، ومن تاريخ إشراق نور الوجود عليه، تعلمون أنه كان في آخر دولة بني العباس، والتتر على الأبواب، حيث كان ظهور جنكيز خان وعبوره نهر جيحون سنة 606 وكان العصر غذ ذاك من أوسع عصور الدولة خلافا فكريا، كما كان أوسعها خلافا سياسيا، واني اعرض هنا صورة مصغرة تشخص ذلك العصر الذي كان يعيش فيه الرازي ويستمد منه حياته العقلية، بقصد ربط أفكاره بعصره فأقول :
لا يعزب عن الفكر ما بلغه الملك العربي من الاتساع وترامي الأرجاء والاستيلاء على أطراف المعمور شرقا وغربا، وان حكم العرب قد امتد من نهج التاج غربا، إلى نهر الكانج شرقا، مع ما كان يقوم به من نشر الدين والثقافة العربية، وضروري أن اتساع جوانب هذا الملك العظيم يقضي باندراج شعوب كثيرة في بحبوحته وتحت ظل رايته، وضروري أيضا أن هذه الشعوب الكثيرة من فرس وترك وروم وسريان وغيرهم لها أديان تدين بها وءاراء تتبع أمزجتها، ومعلوم أيضا أن منهم من اعتنق الإسلام ومنهم من بقي علي دينه تحت حكم الإسلام، ومعلوم ما كان بينهم وبين العرب من الامتزاج والاتصال المباشر ولا سيما في عصر بني العباس.

لا شك أن هذا التلاقح الفكري ينتج أفكارا وءاراء لم تكن معروفة للعرب وهم بين الشيح والقيصوم، وكذلك كان، فقد ظهر فيه ءاراء مختلفة، ومذاهب متنوعة، ونظريات ونحل، ولا سيما في العلم الالاهي، وكان ذلك موضوع البحث والجدل فيما بينهم، كما أن ذلك الامتزاج راض أذهانهم وحبب غليهم البحث والنظر، ونبههم إلى علوم الأمم التي كملت فيها العلوم، فكان مما اهتموا به علوم اليونان، وهي امة كملت فيها الحكمة في الأحقاب المتطاولة، فدرسوها وحذقوا فيها، وافرغوا جدلهم في أساليب منطقية، وقوالب منظمة. كما كان البحث عند اليونان، وأصبحت الفلسفة لديهم موردا لا ينفذ لهذه الأبحاث، كما تسلحوا بها للمناظرات
وكان المعتزلة أول من استعمل هذا السلاح الجديد للرد على المخالف في الدين، ونشأ فيهم عباقرة مثل الجاحظ والنظام وأبى الهذيل العلاف، وكان لهم بذلك جهاد فكري واسع، كما كان ذلك الأسلوب الجديد منارا للخلاف بين المتكلمين المعتمدين على المنطق والتفكير العقلي، وبين أهل الحديث المعتمدين على خالص النقل، وكان من خلفاء بني العباس من يعضد المتكلمين ومنهم من يظاهر المحدثين كما يقصه التاريخ، وأثر هذا الخلاف واضح في كتاب علماء ذلك العصر، ككتاب الحيوان للجاحظ، وكتاب مختلف الحديث لابن قتيبة، كما أن الحافظ الذهبي في الميزان، كثيرا ما يبني تعديله وتريحه على هذا الأساس، وعلى أرومة هذا المنزع، الأمر الذي يوقعه في التعصب أحيانا كما فعل في ترجمة الأشعري والفخر الرازي الذي تتحدث عنه اليوم.
ولم يقف هذا الصراع عند أصحاب الآراء المذهبية، بل جاوزه إلى حلقة الفقهاء مع اتفاقهم في أصول التشريع. ومنشأ ذلك أن تشدد آبي حنيفة في شروط العمل بالحديث، كثيرا ما يوقعه في ترك العمل بأحاديث ثابتة عند أهله، فيشنعون عليه بأنه قدم رأيه على السنة.
وفي تاريخ بغداد تشنيعات كثيرة على هذا الإمام الأعظم، ومشؤها ما ذكرنا، وهكذا تشعب الخلاف وتمددت أقطاره، وحمى الوطيس واحتدم النضال إلى حد قد يمضي أحيانا على الكيد للمخالف أو تحكيم حد السيف.
وان فتنة القول بخلق القرآن ما كانت إلا ثورة من هذا البركان، وقد امتحن فيها فحول عظام من أئمة الإسلام، كالإمام احمد بن حنبل، واحمد بن نصر الخزاعي، وغيرهما. وقد شغلت شطرا من أيام المأمون واستوعبت أيام المعتصم والواثق، إلى أن ارتفعت في خلافة المتوكل.
وان واقعة التتر ببغداد كانت بتحريض ابن العلقمي الرافضي وزير المعتصم لهولاكو، وتهوين أمر بغداد عليه، وكانت الفتنة ببغداد لا تزال متصلة بين الشافعية وأهل السنة، وبين الحنابلة وسائر المذاهب كما بتاريخ ابن خلدون وغيره.
وهذه الري بلد الرازي كانت ميدان حرب بين ثلاث طوائف : الشافعية، والحنيفية، والشيعة، كما بمعجم البلدان لياقوت.
وبالجملة فقد كانت هذه العصور زيادة على افتراق وحدتها السياسية، متخالفة متشاكسة مملؤة الجو بالشقاق والجدال، جدال بين المسلمين وأهل الملل، جدال بين الطوائف، جدال بين المتكلمين والمحدثين، جدال بين ذوي المذاهب الفقهية.
في هذا الجو نشأ محمد بن عمر الرازي بمدينة الري، ومنه استمد معارفه، فتلقى الفقه على والده خطيب الري وكان من تلامذة محي السنة أبي محمد البغوي، وعلي الكمال السمعاني، كما تلقى الحكمة عن المجد الجيلي بمراغة، وكان المجد من الإعلام في زمانه. ومهر في علوم الأصول والفقه والكلام وعلوم الأوائل.
تنقلات الرازي واتصاله بالسلطان علاء الدين خوارزم شاه.
دخل الرازي خوارزم، وجرت بينه وبين المعتزلة هناك مناظرات فيما يرجع على المذهب والاعتقاد، أفضت إلى خروجه منها، ثم عبر على ما وراء النهر، فجرى له نحو ما جرى له بخوارزم واستقض مضجعه، فانقلب على الري، ثم اتصل بالسلطان (علاء الدين خوارزم شاه محمد تكش) فتحفى له وحظي لديه، وهذا السلطان من أعاظم الملوك قدرا، عقد ابن الأثير في تاريخه، لصفته وسيرته، فصلا مما جاء فيه : انه اتسع ملكه وعظم، وأطاعه العالم بأسره، قال : وكان مكرما للعلماء محبا لهم يكثر مجالستهم ومناظراتهم بين يديه. وفي طبقات الشافعية أن عساكره كانت عدد الحصى، لا يعرف أولها من ءاخرها.
دخول الرازي لهراة :
لمعرفة قيمة هذا الإمام عند أهل عصره، علينا أن نعلم انه لما دخل هراة تلقاه سلطانه وتحفى له، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، ونصب له المنبر بالديوان من المسجد الجامع لعقد مجلس الإملاء، وجعل عن يمينه وشماله صفين من مماليك الترك متكئين على السيوف على صفة رسمية، وحضر الملك نفسه، فأشار له بالجلوس حيث عين له، وكذلك حضر هذا المجلس السلطان محمود بن أخت شهاب الدين القوري، فأشار إليه الشيخ بالجلوس أيضا حيث عين له.
خصبه الفكري واتساع معلوماته :
كان الرازي يدرس كل ما انتهى إليه مما أبرزته الأفكار كيفما كان، ليقف على حقيقته ويتصل بكنهه، وكانت له عناية بدرس علوم الأوائل، بل علمنا انه كان يدرس الكتب القديمة ليحتج على المخالف كيفما كانت عقيدته أو نحلته، وبسبب ذلك إدراك من العلوم ما يمكن البشر إدراكه، كما تحدث بذلك عن نفسه.
وإذا كانـت النـفوس كبــارا
                        تعبت في مرادهـا الأجســام
وإذا فحصنا أسلوبه في المناظرة، ألفيناه غزير المادة متدفق المعاني، يهجم على خصمه فلا يكاد يترك في القوس منزعا ولا في الكاس صبابة، ولاكننا لا ننكر أن استدلالاته قد تكبو أحيانا ولا تأتي بالنتيجة المطلوبة، كما يلوح لنا أن انهماكه في البحث والنظر، وتقلبيه للأفكار على جميع الوجوه،  وتحميصه لها من كل النواحي، وتوسعه في حشد الآراء استقراء المذاهب كيفما كانت وجهتها، يلوح لنا أن هذا الاسترسال وهذا النهم الفكري، قد يوقفه أحيانا على شفا الشك والحيرة فيقول :
 
نهاية أقدام العقول عقــــــــــــــال            وأكثر سعي العالمين ضلال  
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا            سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
 
ويقول :
 
  أرواحنا ليس ندري أين مذهبها                  وفي التراب تواري هذه الجثث
كون يرى، وفساد جاء يتبعـــــها                  لله اعلم ما في خلقه عبــــــــــث


كما أنا ندرك منه يقينا وفي غير ما موطن، انه يبدي نشاطا وحدة في تقرير شبهة المخالف، ثم إذا انبرى لنقضها فترت حدته وسكنت سورته، وكأنه من اجل هذا رماه الذهبي في الميزان بقوله :
له تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث حيرة.
ولاكنا إذا سبرنا غوره، أدركنا أنه ما كان يستسلم لمذهب الشك، ذلك المذهب المنبني على أن الوصول على الحقيقة متعذر وان ما عند الناظرين إنما هو آراء لا حقائق، وإنما الذي كان يقع منه انه إذا جاشت نفسه بمعضلة، وأعياه حلها، اعترف بقصور الفكر البشري، واسلم وجهه للذي فطر السموات والأرض، وهذا كما في السؤال الذي وجهه عن حكمة الوسائط في الخلق الالاهي، وعدم الخلق المباشر، فغنه لما لم يهتد للحكمة فيه، رد الأمر إلى الحكيم العليم.
وان فطاحلة المستغربين في البحوث العميقة، كثيرا ما تلقى بهم بحوتهم في مجاهل شاسعة لا يقف الطرف منها على غاية، وكثرا ما تقف في وجوههم سدود لا يستطيعون لها نقبا، فما يسعهم إذ ذاك إلا أن يردوا الأمر لربهم ليستمدوا من حضرته ما فيه سكن لأرواحهم، كما يظهر لنا أن ذلك الشك كثيرا ما كان يستجره إلى الإمعان في النظر الذي يبعه الوصول إلى الحقيقة، شأن كل فكر حر بحاث على الحقائق، فيكون هذا الشك وسيلة لليقين، كما هو تفسير شك (ديكارت) الفيلسوف الشهير. كان يشك ليستيقن، وقد أدرك أبو حامد الغزالي هذه الحقيقة قبل ديكارت بعدة قرون كما يعرف ذلك من رسالة حي بن يقظان الأندلسي لابن الطفيل، وقبله الجاحظ، وأجاد شرحها في كتاب الحيوان.
الأسلوب الذي يراه الرازي في الدعوة :
كان الرازي يرى أن الطريقة المثلى في الدعوة على الحق هي طريق المنطق، ولذا كان يفرغ احتجاجات القرآن في قوالب منطقية، بالتأويل المذكور، إلا انه كان كابي حامد الغزالي، لا يرى ما يراه الاشاعرة من التزام تل الأدلة الكلامية التي قرروها وحتموا السير عليها، فغن بعضها يتبين بطلانه، فيستدل على المطلوب بما هو أقوى، فلا معنى للحجر في الاستدلال، وهي خطوة إصلاحية مهمة في علم الكلام.
ولكن مع هذا أدرك أخيرا أن احتجاج القرآن بنهجه الواضح وأسلوبه البين، هو أقوم قيلا وأهدى سبيلا، فقد قال في وصيته المشهورة :
ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن.
ونحن إذا فكرنا في هذا الموضوع بصفاء فكر وإخلاص وجهة، ندرك جليا أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم المعتمدة على براهين القرآن، تناجي الفطرة، وتنصل بالقلب اتصالا مباشرا، لقيامها على التنبيه على آيات الله في الأنفس والآفاق.
أما الجدل المنطقي فلا يكاد يقوى على إدراكه إلا من ارض فكره بالنظر، وليس كل الناس بمناهل لذلك، وإنما كان سلاحا في عصور قد خلت، كان ذلك مقتضى الحال فيها لمقابلة الخصم بالمثل، وقد هلك كثير من تلك الطوائف في الدهر الغابر، فليس اليوم لإحياء تلك الخصومة من داع، على أنه قد أنكره في تلك العصور نفسها كثير من السلف لما فيه من تحويل العقيدة الإسلامية البسيطة السهلة، على عقيدة نظرية معقدة، ويكفي أن نعلم أن البني صلى الله عليه وسلم لما سئلا عن صفة ربه، انزل الله سورة الإخلاص :  قل هو الله احد.. السورة.
ولو إننا قمنا بدعوة القرآن، ونبهنا على ما فيه من آيات الله في الأنفس والآفاق، لكان خيرا لنا وأهدى سبيلا، وان أحسن كتاب رايته على هذا الأسلوب هو كتاب (آيات الله في الآفاق= أو (طريق القرآن الكريم في العقائد) للشيخ محمد أحمد العدوي المصري أحسن الله إليه، ولو أن علماءنا قاموا بتنفيذ شبه أخرى تطوح بعدد غير قليل من العقول، وأنقذوا الناس من مخالبها لكان خيرا لهم. ولو أنهم قاموا بنشر مبادئ الإسلام المطابقة لروح كل زمان ومكان، وفروا ما فيه من اليسر والسماحة ورحابة الصدر لكل جديد، لعظمت مثوبتهم عند الله. وقد وقد قررنا في كتابة لنا على حديث «أنا امة أمية» أبتناء الدين على اليسارة والتقريب وما يسهل فهمه على العموم عاما في العقائد والعمليات، وان من أحست ما صنف فيس الدعوة الإسلامية كتاب (الوحي المحمدي) للأستاذ رشيد رضا فعلى الشباب أن يعنى به ويهتم بدراسته.
الرازي وجمعه بين ثقافات ثلاث عربية وفارسية ويونانية :
ثقافته العربية : العربية لغته، كما أن عنصره عربي، وله فيها وفي علومها اليد الباسطة والشاو البعيد، ولو ذهبنا نتحدث عن مباحثه في العربية وعلومها لطال بنا المجال، وحسبنا أن نرجع إلى تفسيره (مفاتيح الغيب) ولا سيما تفسير (الفاتحة) لنعلم مبلغ تمكنه في علوم اللسان، وله تأليف مختصر في الإعجاز، ومؤاخذات جيدة على النحاة، وشرح سقط الزند للمعري، ويقال أن له شرح المفضل في النحو للزمخشري.
ثقافته الفارسية : الرازي كان يحسن اللسان الفارسي نثرا وشعرا، وكان يعظ به ، ونحن نعلم أن الوعظ بلسان لا يتأتى إلا من حاذق فيه، عارف بأساليب التأثير على أهله. وقد قال في تفسيره في ضرب الأمثال انه أمر معروف عند العرب والعجم، قال : ويدل عليه عند العجم كتاب (دمنة وكليلة) وأمثاله وله مصنفات باللسان الفارسي، وقد استفدنا من هذا، انه ينبغي للعالم أن يعرف من لغات عصره ما يتوقف عليه سير الحياة وحفظ توازن أمته مع الأمم، لا سيما في المستوى العلمي، وقد كان الرازي قائما بنصرة الدين والنضال عن مذاهب أهل السنة، ولا سيما لما كان بهراة.
ثقافته اليونانية : أن (ابن القفطي) في (أخبار العلماء بأخبار الحكماء) يذكر الرازي في صف الفلاسفة، ويحيله بما صورته : بذ القدماء في الفقه وعلم الأصول والكلام والحكمة، قال : ورد على ابن سينا واستدرك عليه، له تأليف كثيرة في علم الحكمة، كالملخص، والمطالب العالية، وشرح عيون الحكمة، وكتاب الإشارات، وفي الطب، كالجامع الكبير الملكي، وكتاب النبض، وشرح كليات القانون، قال : إلا انه لم يتمه، وفي الهندسة وعلم الأحكام النجومية الخ وقد قال فيه شرف الدين ابن عنين :
 
غلط امرؤ بابي على قاسه                            لله اعلم ما في خلقه عبث
لو أن رسطا ليس يسمع لفظة                       هيهات قصر عن مداه أبو علي
ويحار بطليموس لو لا قاه من                      من لفظة لعرته هزة افكل  
برهانه في كل شكل مشكل                          أن الفضيلة لم تكن للاول

وليس من تأليفه (السر المكتوم في مخاطبة النجوم) خلافا لما زعم الذهبي، وقد حمل السبكي في طبقاته على الذهبي في ذلك حملة منكرة، ونسبه على التعصب على الإمام، وانه ليس لذكره في الميزان من داع حيث أن الرجل ليس في صف المحدثين. 
مادة فلسفته ورسمها :
كانت فلسفته نظرية على رأي أرسطو وهي الفلسفة التي اعتنى بها العرب كثيرا، ويحدثنا ابن القفطي أن الرازي وقف على تصانيف أبي علي بن سينا، والفارابي، وعلم من ذل علما كثيرا، وقد ذكر الغزالي في المنفذ من الضلال انه لم يقم بنقل علم أرسطو من المتفلسفين الإسلاميين مثل الفارابي وابن سينا.
الرازي يحاول الجمع بين الدين والفلسفة :
يرى الرازي أن الفلك الأعظم هو العرش، وهذا من محاولة الجمع بين الدين والفلسفة، وقد حاول هذا غير واحد من فلاسفة الإسلام كابن رشد في كتاب فصل المقال، وابن الطفيل في رسالة حي بن يقظان، وأعظم فيلسوف سعى إلى ذلك هو ابن سينا، قال المارزي : أعظم فيلسوف حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة هو ابن سينا، قال : وتلطف جهده حتى تم له ما لم يتم لغيره، وممن تصدى لذلك وافرغ له جعبة معارفه أصحاب رسائل إخوان الصفا.
أما نظري في هاته المحاولة فهو أنها من الأعمال العقيمة، فإن ما كان ثابتا ثبوتا يقينيا لا يمكن أن يتصادم مع الدين بحال، وما كان من حيز الأداء والظنون التي قد تطفو اليوم وترسب الغد، فالقرآن أعلى منه منالا، فلا معنى لهذه المقارنة، لا سيما ووجهة الدين غير وجهة الفلسفة، فهذه مسئلة الأفلاك وما ارتأى اليونانيون في حقائقها، واثبات النفوس لها، أصبح ذلك من الأوهام والخيالات في نظر العلم الصحيح، على أن جملة معارفهم في الهيئة أصبحت اليوم كهباء منثور في زوايا العلم، وألاحظ بالخصوص على رسائل إخوان الصفا، فقد اشتملت على فلسفة فيتاغورس التي هي أرك المذاهب الفلسفية وأرذلها، وربما اشتملت على ما هو كفر مع تزيينه والاحتجاج له
بعض نظريات الرازي العلمية مع عرضها على محك البحث الجديد
وقد أوردناها كصورة مصغرة لقيمة تفكيره البيولوجيا (علم الحياة)
الرازي أول من تحدث عن مذهب النشوء والارتقاء، وأشاد  ببطلانه، تحدث عن ذلك لدى قوله تعالى (ومن ءاياته أن خلقكم من تراب ثم إذا انتم بشر تنتشرون). فقرر أن التراب ابعد عن قبول الحياة من سائر الأجسام، لان عناصر ابعد من المركبات، لان المركب بالتركيب اقرب درجة من الحيوان، والعناصر أبعدها التراب، ورتب الموجودات من أدناها إلى أعلاها : المعدن، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان.
ثم بين أن نكتة (إذا الفجائية) في قوله تعالى (ثم إذا انتم بشر تنتشرون) الإشارة على أبطال التحول، وان الإنسان خلق من أول نشأته إنسانا، لا انه انتقل من مرتبة أخرى قبل الإنسانية.
وقد قال محمود بن سالم في خطبة ألقاها بالجمعية الجغرافية المصرية  : أن جميع معضلات المسائل التي لا تزال قيد أنظار الباحثين وغل ألبابهم، ناقشها علماء الإسلام من قبل، ونضرب لكم مثلا مذهب داروين، فقد وقف عليه مفسرو القرآن وانفاضوا فيه، وداروين وءاباء داروين ضمير في الغيب مستتر، ولمن شاء التحقيق أن يراجع تفسير الفخر الرازي.
ومما يقوي ما يراه الرازي ويراه أيضا كل معتمد، ما نشاهده من أن لكل نوع من المخلوقات كيفما كانت درجته اتجاها خاصا وميلا لا يعدوه، وبهذا نقض الفيلسوف (نرجسون) مذهب التطور في كتابه التطور المبدع، وأجاد القول في توضيح ذلك، زيادة على النقوض العديد التي اوهت هذا المذهب، ومنها عجزه عن تعليل الإلهامات في الحيوانات، ومنها أن التخول الفجائي كما في الشرنقة مما يدكه من أساسه.
الحقيقة الإنسانية عند الرازي
الرازي يرى أن الحقيقة الإنسانية هي الروح، وان الإنسان ليس مجموع هذه البنية، ويحتج على ذلك بان أجزاء هذه البنية في الذوبان والانحلال والتبدل، والإنسان المخصوص باق من أول عمره إلى ءاخره، والباقي مغاير للمتبدل، ويستنتج من هذا حقيقة الإنسان هي الروح، وهو مذهب النظام، والحديث عن هذه المسألة شهير، وقد استفدنا من كلام الرازي قضية تبدل الأجسام بالتحلل والاستعاضة (أو قال النمو والذبول) وهو أمر معلوم، حتى أن الجسم كله ليتبدل في سبع سنين كما أنبته العلم.

البنية ليست شرطا للحياة
ذكر في مفاتيح الغيب، وفي المحصل، أن البنية ليست شرطا لوجود الحياة، خلافا للمعتزلة والفلاسفة، ويعني بالبنية الجسم المتعارف، وقد بنى على هذا أنه يجوز تعلق الحياة ببعض الجسم، وهذا أمر لا نرتاب فيه، سيما وقد أثبت العلم أن الحياة هي الأصل للمادة، وان الحياة علة الأجسام، والبرهان عليه ما يشاهد في جماعة (الاميب) من تمتعها بكل الخصائص والمميزات الأصلية للحياة، حتى أنها لنبني لنفسها فواقع جميلة ومعقدة التأليف أحيانا، والحال أن هذا الحيوان خال من كل تركيب.
هل الجامع والحافظ شيئان أو شيء واحد ؟
المراد الجامع لأجزاء النطفة، والحافظ لذلك الاجتماع إلى قبول الجنين للنفس الناطقة.
هذا البحث من أجل المباحث، قال في رسالته المشتعلة على أجوبة مسائل المسعودي : واعلم أن الجامع لتلك العناصر غير الحافظ لذلك الاجتماع، والذي عليه ابن سينا في الشقاء والارشارات : أن الجامع والحافظ هو نفس الأم، وقد أجاد الطومي القول في شرح المسألة، وتخلص له أن الجامع للأجزاء الغذائية الواقعة في الماءين هو نفس الأبوين، وهو غير حافظها. والجامع للأجزاء المضافة إليها على أن يتم البدن، وغلى آخر العمر، والحافظ للمزاح هو نفس المولود.. الخ.
وقد اثبت علم الفسيولوجي الحادث، أنه عند ما يتم التلقيح باتصال الحيوان المنوي بالبويضة التي يفرزها الرخم، تنقسم تلك البويضة إلى عدة خلايا متماثلة، وهو طور العلقة، لكون تلك الخلايا صغيرة ككريات الدم ثم فيما بعد، تتنوع خلاياها ويتميز بعضها عن بعض، لتتخلق منها الأطراف والعظام والعضلات، وأما تغدي الجنين فيكون بواسطة الحبل السري، وقبل وجوده بطريق الامتصاص، إلى آخر ما هو مبين في ذلك العلم، وعليه فإن الجامع نفس الأبوين، والحافظ نفس الجنين، وهو ما عليه الرازي.
استعمال الحيوان للدواء إلهاما
ذكر في رسالة النفس من مطالبه العلية، أن وقوع (الصعتر) في الترياق علم من الكركي، فان بعض الأطباء كان في بعض الجبال يجمع الحشائش، فجلس في مغارة يستظل وقت الهاجرة، فرأى كركيا يقاتل أفعى، وكلما نهشته الأفعى عاد إلى (الصعتر) واكل منه، ويعود إليها، فعمد الطبيب على ما هناك من (الصعتر) فقطعه، فنهشت الحية الكركي فجاء إلى (الصعتر) ليأكل منه فلم يجده، فبقى زمانا يسيرا، ووقع صريعا ومات سريعا). 
واستعمال الحيوان للطب إلهاما وغريزة أمر معروف، وممن أجاد القول في ذلك ابن طرخان الحموي في كتاب الأحكام النبوية في الصناعة الطبية، هذا وبعضهم اثبت للحيوان التفكير المنطقي، حداه على ذلك عجائب النمل، وهو قول قد قوبل بالمعارضات الحادة أما المذهب المادي فيرى أن التفكير مجرد تفاعلات كيمائية، وهو مذهب مرذول، والرأي الصواب أن للحيوان الإلهام أو قل الغريزة، وهو التفكير في دائرة محدودة، وللإنسان التفكير المنطقي، هيأة الله له، وعلم ادم الأسماء كلها. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم. والكلام على كنه التفكير واسع المدى.
من فوائد الرازي الطبية
قال أن الدم يتجمع حيث يحتاجه البدن للعمل، وهذا أمر ثابت، فالدم بتجمع للرحم وقت تكون الجنين، وللدماغ وقت التفكير، وللمعدة وقت عملية الهضم، ولذا لا يحسن الهمل الفكري بعد تناول الطعام مباشرة إلا بعد مضي ساعة على الأقل.
وذكر أن المواظبة على طعام واحد تضعف الشهية، وقرر في حكمة النوم، انه لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وإنقاذ الغذاء على الأعضاء، فالنوم راحة للبدن ونمو له.
ومن العلم الطبيعي :
قرر الرازي إن الهواء لا يقبل النور، وبني على ذلك أن ضوء الصبح لا يمكن أن يكون من الشمس تناقل من هواء، مبطلا بذلك نظرية ابن الهيثم.
ولكن أرى أن نظرية الرازي مردودة، بما ثبت من أن هذا العالم مملوء بالأثير، وان في هذا الأثير تحصل تموجات منها ينشأ النور والكهرباء والجذب، وقد أدرك الجاحظ وهو من علماء العصور الأولى هذه الحقيقة فقال : أن الهواء فيه ظلام الليل وضياء النهار، وما كان فيه من الأشباح والحركة لا ترى الضياء العارض في الهواء ما تباعد منها الخ...
وقد اثبت العلم أن نور الشفق يحمل مقدارا كبيرا من الأشعة التي فوق البنفسجي، وقد قالت اللجنة العلمية التي عينت لدرس صحة الاسلانديين : فلا نعجب أن تعلو أبناء الاسلانديين سمرة الصحة، فاصفرار بشرتهم في أثناء فصل الشتاء الطويل، يجعلهم اشد تأثيرا بالمقدار الكبير من الأشعة التي فوق البنفسجي الذي في جوهم ربيعا وصيفا. ص 108 كتاب (العلم الحديث).
وليست هذه الأشعة إلا جزاءا من الأشعة التي ينحل غليها نور الشمس، تظهر قبلها أو تبقى ومنا خاصا بعها ثم تنسحب مع نورها. وعليه فالرأي ما رآه الهيثم من قبول الهواء للنور.
العناصر الأربعة لها هولي مشتركة
ذكر في انفجار الماء من الحجر عن الفلاسفة : أن العناصر الأربعة لها ميولي مشتركة، وقالوا انه يصح الكون والفساد عليها، وانه يصح انقلاب الماء هواء وبالعكس، وخرج أيضا تكثير الماء عليها. وقد أجاد القول في شرح هذه المسألة فيما كتبه على الإشارات، فان نوزع في هذا بان العناصر غير المشعة لا يمكن تحويل بعضها إلى بعض،  اجبنا بان هذه العناصر هي عند التدقيق مواد مركبة من ذوات، والذوات لا يمكن تحويلها ولا إبادتها بقوة من القوى الطبيعية المعروفة كالحرارة والضغط، أما المواد فيمكن أن يستحيل بعضها إلى بعض بتفاوت نسبة مقادير العناصر، أو قل الذرات الداخلية في تركيبها، كما يستحيل العصير إلى الكحول، فقد اثبتوا أن عصير العنب إنما به ماء وسكر، وانه إذا تخمر، انحل جزء من السكر، وانفصل عنه ما فيمه من الأكسجين والإيدروجين والكربون، ثم تتركب هذه بمقادير جديدة وعلى نسبة معلومة تنشأ عنها المادة الخمرية المسماة بالكحول، فيصير عصير العنب خمرا بدون أن يزاد فيه شيء أو ينقص، وما ذكره الفلاسفة من تحول العناصر الأربعة إلى بعضها، هو أن تم علميا، من هذا.
الكيمياء بالإطلاق القديم
الرازي يرى استحالة الكيمياء، ويرى أن الله تعالى ضرب دونها بابا مسدودا لاختلال نظام التعامل بتيسر الذهب والفضة، حيث أنه لا فائدة في وجودهما إلا الثمنية قال : وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة. أما ما لا مضرة فيه على الخلق، فقد مكنهم منه، فصاروا متمكنين من اتخاذ الشبه من النحاس والزجاج من الرمل، والرازي نفسه حاول الكيمياء ولم يؤب منها بنتيجة، كما ذكر ذلك عنه ابن القفطي، وقد سلف عنه أنه كان يدرس كل علم برز للوجود ليقف على حقيقته، والدليل الذي استدل به على استحالة الكيمياء خطابة لا غير، وأما البرهان الذي احتج به النافون، فهو أن الذرات التي تتمكن منها العناصر لا يمكن تحول بعضها على بعض بقوة من القوى الطبيعية المعروفة كالحرارة والضغط كما أسلفنا.
الرازي ينكر التنجيم
الرازي صرح في تفسيره بإنكار التنجيم، اعني علم الأحكام النجومية، واستدل على ذلك بالآيات المبعدة للخلق من علم الغيب. وأمر التنجيم مما يأباه الإسلام، ومما لا ريب فيه انه كان معروفا في القديم عند الكلدان ثم اليونان، وقد نفقت سوقه في دولة العرب، لاسيما في العصر العباسي في جملة علوم اليونان التي ادخلوها، كما أن بعض معلومات عنه كانت رائجة في فجر الإسلام، ولربما كانت من بقية ما تلقاه القدماء عن الكلدان، فقد كان منهم من يعتقد ارتباط السعادة والنحوس بالكواكب، بدل لذلك ما جاء في منتخب كنز العمال أن عمر بن الخطاب لما هم بالخروج إلى الشام، وأراد أن يدلج والقمر في الديران، أراد الربيع بن سبرة الجهني أن يذكر له ذلك، ولكنه عرف انه يكره ذكر النجوم، فقال له : انظر إلى القمر ما أحسن استواءه الليلة، فنظر فإذا هو في الدبران، فقال قد عرفت ما تريد يابن سبرة، تقول : أن القمر في الدبران، والله ما نخرج بشمس ولا قمر، إلا بالله الواحد القهار. وأورد نحو هذه القصة عن علي بن أبي طالب حين انصرف من الانبار إلى أهل النهروان، وذكر له مسافر ابن عوف بن الأحمر : أن الساعة غير موافقة للخروج، فكذبه وخالفه وخرج.
نظر العلم الحديث في ذلك
أما الآثار الطبيعية للنجوم فأمر ثابت لا مرية فيه، وذلك نحو ما يقع من تهيج فرص الشمس بمقابلة العلو بين زحل والمشترى لها مجتمعين، كما يحصل في البحار م مقابلة القمر من التهيج، ويتبع هذا الهيجان تغير في الطقس من اشتداد الحر وكثرة العواصف، ولذلك أثر كبير في أحوال الحيوان والنبات، وكذلك ما للشمس من اثر في نمو النبات، فأنه بأشعتها يتمكن النبات من تحويل الكربون الذي تمتصه أوراقه إلى المادة الخضراء (كلورفيل) التي هي قوام النبات، وكذلك ما للقمر من الآثار في الخصب والمد والجزر والطمث مما هوة معلوم، وقد أجاد في المطالب العلية القول في منافع الشمس والقمر واتى في ذلك بما لا غاية وراءه، وقد نقل كلامه الراغب في سفينته ص 189 وما بعدها.
وعلى هذا يحمل تسخير هذين الكوكبين في ءاية : (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) والتنجيم بهذا المعنى مما يعترف به الرازي، فقد قال : ولو حكمنا بإسناد حوادث هذا العالم السفلى إلى الحركات الفلكية والكوكبية، فهذه الحركة مسندة إلى الخالق. وقال أيضا أنه لابد من الصانع الحكيم، سواء قلنا أن وجود المسببات عقب الأسباب أمر عادي، أو بقوة أودعها الله في الأسباب، وقد تساءل عن حكمة الوسائط وعدم الخلق المباشر، ولم يحر جوابا، ورد الأمر إلى الفاعل المختار.
وأما التنجيم بمعنى علم الأحكام الذي يراه المنجمون كالسعادة والنحوسة وطول العمر وقصره وسعة العيش وضيقه، فهو محط الإنكار، وتحقيق القول فيم لا يتسع له هذاه البحث.
الباب الرئيسي لمدينة (شالة) الاقرية، وقد بنيت هذه الباب وكذلك أسوار المدينة في عهد السلطان أبي سعيد المريني سنة 739هـ.
أما المدينة نفسها-وهي توجد خارج أسوار مدينة الرباط- فيرجع عهدها إلى العصر الفينيقي، حيث كانت من أهم المراكز التجارية، واحتلها القرطاجنيون ثم الرومان، واتسعت عمارتها بعد الفتح الإسلامي.
وفي عهد (المرينيين) تجددت معالمها وأصبحت مدفنا للملوك، ويوجد بها قبر الملك يعقوب بن عبد الحق المريني، وابنه يوسف، وأبي سعيد، وأبي الحسن المريني، وزوجته شمس الضحى أو أبي عنان المريني.
عن كتاب (المغرب) للأستاذ الصديق بن العربي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here