islamaumaroc

ثقافة العصر

  دعوة الحق

73 العدد

ونعني بثقافة العصر هذه المجموعة من النظريات وأساليب التفكير ومواد التثقيف التي خصت بها هذه السنون الأخيرة من القرن العشرين، وكان ولابد لهذه النظريات وما صاحبها وما عقبها وما نتج عنها من أن تكيف تفكير الجيل الجديد الذي يعيشها وتستأثر باهتمامه.
إن الجبل السابق –وفي العالم العربي بصفة خاصة- كان يضرب له المثل بحافظة حماد الراوية وما يستطيع أن ينشده من مئات الأبيات على عدد الحروف الهجائية، وكان يضرب له المثل بنصاعة أسلوب الجاحظ، وأبي حيان التوحيدي وكان يقال له أن أصول الأدب أربعة هي مقدمة ابن خلدون والبيان والتبيين، والكامل للمبرد والأمالي لأبي علي القالي، وكان يشوق إلى قراءة اليادة هوميروس للإطلاع عن شيء من الأدب اليوناني، كما كان يقال له أن الشعر اتباعي وابتداعي وقصصي.
ولم يكن لذلك الجيل في ذلك الوقت محيد عن اتباع هذا التخطيط الذي يتضمنه هذا الفهرس، وذلك بالإضافة إلى أبواب أخرى من التاريخ، وبالإضافة إلى ما أمكن أن يتعرف عليه من ثقافة ما بعد الثورة الفرنسية وما قبلها بقليل.
وأمكن لهذا الجيل أن يعي ما وعيه من ضروب هذه الثقافة في أصولها وفروعها كما استطاع أن يحذو حذوها في التفكير في الأسلوب وفي أصول البحث والاستنتاج.
إلا أن مشاكل أخرى ومفاهم أخرى ومقاييس جديدة ظهرت على سطح هذه الدنيا وفاجأت هذا الجيل بما لم يكن في الحسبان وبما كان في الحسبان شيء منه. وهي مشاكل أصبحت تلزم الجيل الصاعد وما تبقى ن الجيل السابق من أن تكون تلك الحافظة التي كان يتمتع بها حماد الراوية تعي شيئا أكثر من الشعر وأهم منه، ذلك لن ثقافة الهوادج والخدور والأدب الترفيهي لم يعد لها مكان عملي إلى جانب هذه المشاكل بل وهذه الطلاسيم التي أصبح يزخر بها العهد الأخير من القرن العشرين. وهي مشاكل وطلاسيم لابد من معرفتها لأنها مشاكل من صميم حياة الأفراد ومن صميم حياة المثقفين في هذا الجيل.
وهكذا أخذ مفهوم الثقافة معناه العصري والوقتي، وأصبحت شؤون الجاحظ وأبي حيان ومفارقات الشعر الاتباعي والابتداعي ونثر ابن المقفع ونقد ابن قدامة عبارة عن أشياء تدخل في نطاق التخصص في الأدب العربي، مثلما كانت وما تزال شؤون الاليادة وقصة أديب تدخل في نطاق التخصص الأدب اليوناني، أي أنها ظلت تراثا ثقافيا نعتز به الأجيال العربية كمقوم من مقومات كيانها. إلا أن شيئا وقع في العالم العربي ضيع الكثير من الوقت على المثقفين ونظنه ما يزال يضيع الوقت عليه.
فالثقافة العربية قد انفعلت مع الأحداث الطارئة ما في ذلك شك، واهتزت لها ولم يكن لها بد من أن السلبي ولم ينغمر في خضم الجانب الإيجابي ولتوضيح ذلك نشير إلى ما يأتي :
إن ظروف الثقافة في العالم العربي تغيرت على ما كانت عليه منذ أزيد من عشرين سنة، غير أنها تغيرت من عمق القديم إلى سطحية الجديد، وهذا أصل الأزمة في الثقافة العربية ومن المحيط إلى الخليج
فالشعر العربي قد اعتراه تحول جماعي، ولكنه مني –للأسف- بمسخ في الكثير من صوره. والمقالة حاولت أن تتكيف بمشاكل العصر وتستخدم مفاهمه ولكنها ظلت سطحية في الكثير من صورها. والدراسات ما تزال في حاجة إلى تطعيم سواء في الفكرة أو في الأسلوب أو في العرض، في حين أن القصة حاولت أن تجعل من المادة الاجتماعية والاقتصادية الباب الموصل إلى الأخذ بأسباب ثقافة العصر، بيد أن ما قل منها هو الذي استطاع طرق ذلك الباب، والسبب في ذلك هو أن ثقافة العصر كغاية أصبحت أمرا متفقا عليه وعنصرا لابد منه، ولكن الشيء الذي بقي وما يزال باقيا على الجيل المثقف في العالم العربي وفي العالم الثالث بصفة عامة هو استيعاب المشاكل الاجتماعية والاقتصادية استيعابا يوميا، وبأقصى ما يمكن من الدقة، وما أكثر المشاكل التي نصبح ونمسي عليها في عالم اليوم.
إننا شعوبا نامية نعيش في عالم غير متوازن، القوى اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا تبعا لذلك، وعدم التوازن في القوى هذا يخلق المشاكل خلقا، ويضعها وضعا، ويمليها إملاء علينا نحن جيل العالم الثالث. فأشباح الجوع تهدد جهات مختلفة من هذا العالم، وانخفاض المستوى الاقتصادي والاجتماعي يرهق جهات أخرى منه، بينما تزايد عدد السكان لا ينظر تصفية المشاكل القائمة وإنما يزيدها تعقيدا على تعقيدها.
إن الجيل السابق لم يكن يدرك سر السحر الذي كان يملكه المستعمر، ويستعين به في غزوات الاستعمار والاحتلال، ولئن كان يدرك شيئا منه، فإنه لم يكن يعيره نفس الاهتمام الذي يوليه إياه الجيل الحاضر، وهذا السر هو أن ذلك المستعمر كان يستخدم علم الإحصاء، كان يحصي المواد والسكان ويعد الوسائل التي تمكنه من استخدام المواد والسكان في مستعمراته وإمبراطوريته. كان ينتهز الفرص التي كنا نحن في العالم العربي نقرأ فيها شعر عمر بن أبي ربيعة ونستلذ بقولته الأفلاطونية :
وإنــي امــرؤ مولــع بالحســن أتبعــه             لاحــظ لــي منــه إلا لــذة النظــر  
لقد كان العفريت الاستعماري ينتهز فرصة انتشائنا بهذا البيت وأمثاله ليحصي وبعد ويوازن ويقدر ويقارن فيما بين الصادر والوارد ثم يمارس عمليات السرقة والاختلاس التي ظل يمارسها حتى شعرنا به، ووجدنا أنفسنا مضطرين إلى أن نتصرف عن ابن ربيعة وابن سهيل والأخطل الصغير، لتواجه الواقع الأليم الذي كان لنا لابد منه من أن نواجهه والذي كان لابد لنا من أن نواجهه بثقافة العصر.
إن مئات من الكتب والنشرات تصدر وهي معززة الإحصائيات عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المزرية في أغلبية البلدان النامية، وأن المنظمات التابعة للأمم المتحدة هي أيضا تصدر دراسات وأبحاث ونشرات من أخصائيين يكشفون فيها عن عالم ما يزال مجهولا لدينا، ونحن منه بمشاكله الضخمة والمعقدة، وإن اكتشاف هذا العالم المجهول من طرف الجيل الصاعد لهو الرسالة الأساسية لخدمة نفسه، ومجتمعه ومعرفة بيئته، ولكي يقوم هذا الجيل بهذه الرسالة فلابد من أن يكيف نفسه بثقافة هذا العصر وأن يستهلك من موادها بالقدر الضروري وبالقدر الأوفى كذلك.
فثقافة هذا العصر أصبحت تلزم المثقف بأن يكون على بينة مفصلة ومدفقة من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للبيئة التي يعيش فيها وعلى بينة مفصلة ومدققة كذلك من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في طانجانيقا وزنجبيبار وكوبا والمحيط القروي في بلاد الهند والصين. وأن يكون على بينة من هذه المسافات الشاسعة التي تفصل فيما بين عالمين، عالم يسمى بالمتخلف، وآخر يسمى بالمتقدم، لأن مثل هذه المعرفة ستجعل المثقف قادرا على أن يسهم في ردم هذه الشقة الهائلة التي تفصل فيما بين عالمين، عالمه هو، وعالم آخرين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here