islamaumaroc

نجيب محفوظ أو الكاتب العربي الذي يكتب عن مجتمعه-1-

  دعوة الحق

73 العدد

الحديث عن القصة العربية في العهد الحاضر حديث متشعب قد يتيه فيه القارئ والباحث معا عن الهدف المقصود إلا وهو استجلاء السبيل الصالح للفن القصصي في أدبنا العربي، في وقت تتعرض فيه الرواية لمختلف التجارب لدى الأمم المتقدمة، مقتدية بالرسم وبغيره من الفنون الجميلة التي عرفت انحرافات متعددة منها ما انتزع الإعجاب وحل محل الصدارة ومنها ما رفضته الأذواق السليمة وعدته من قبيل المجهودات الضائعة.
لذلك فسنقصر كلامنا هنا على الوقوف مع أحد الروئيين العرب الكبار لنطلع على فنه القصصي ونعرف كيفية فهمه للقصة وما ينتظره منها وما يقدمه فيها، لأن القصة، كما لا يخفى فن مركب، يجمع سائر ألوان الأدب من شعر، وحكمة، ومأساة وملهاة وحوار وفلسفة، أي أنها، في الواقع، خلاصة الأدب وعصارته التي تتمثل فيها براعة القلم والفكر والخيال في أقصى حدودها. ولا عجب إذا رأينا معظم الكتاب الكبار في أروبا وأمريكا يقبلون على كتابة الرواية لأنها تفتح لهم الميدان الواسع الذي تخوض فيه عبقريتهم بكامل حريتها فيدخلون إليها بنفسهم الطويل غير واجدين أي عائق اللهم إلا ما كان من محدودية طاقتهم الإنسانية.
والروائي الذي نريد أن نتحدث عنه هو نجيب محفوظ الذي يعد اليوم ألمع اسم في القصة العربية. وقد يكون من العجب ألا تتحدث صحفنا الأدبية بالمغرب عن الرجل وعن قيمته. ولاشك أن هذا تجاهل غير مقصود قد يكون مرده إلى ضعف تنظيم الصحافة الأدبية في بلادنا وإلى انعدام التوجيه في البحث. ففي الوقت الذي نجد فيه هذه الصحافة تزخر بالمقاولات المتكررة في المسائل المعروفة والمطروقة، نراها تهمل المواضيع الطريفة التي تحتوي على فوائد حقيقية، سواء بالنسبة لثقافة القراء أو بالقياس إلى ما تتطلبه نهضتنا الأدبية المنشودة من دراسات متنوعة حول الأدب العربي المعاصر. ويجب علينا في هذا المقام إلا ننسى أن الانبعاث الفكري بدا في الشرق قبل المغرب بأجيال، وأن الأدب اكتسب هنالك بفضل هذا السبق الزمني نوعا من النضج والاستقرار والثقة بالنفس جعلته يتحرر من كثير من المركبات والعقد ويسترجع رويدا رويدا شخصيته الوطنية العربية. وبدون أن نندفع عميانا وراء التقليد والمحاكاة، يجب علينا أن نعرف النهضة الأدبية التي يعيشها الشرق من خلال بعض الآثار القيمة التي تدل على مجهود فني صادق. ولعل ذلك هو أوفق سبيل يساعدنا على أن نكون لأنفسنا نحن أيضا فكرة عما يجب أن تكون عليه نهضتنا في المغرب. 
ونجيب محفوظ خير مثال للكاتب الذي بعد أن نال حظا وافرا من الثقافة الأجنبية واطلع على ألوانها وفنونها استطاع أن يتحرر من هوسها و«موضاتها» العابرة واندفاعاتها الطارئة ليستخلص منها الصفوة الصالحة فيعود إلى نفسه وإلى مجتمعه ولم يزده الاحتكاك إلى صفاء في الجوهر وتماسكا في الشخصية واستقلالا في التفكير والإنتاج.
وثقافته العميقة الواسعة تلوح للقارئ من خلال كل سطر من سطوره، إلا أنها ليست من نوع تلك الثقافة الفجة التي عسر هضمها على أصحابها فظلوا يتعثرون بها في كتابتهم ويتخذونها من قبيل الماكياج لهزال أفكارهم، بل إنها ثقافة مستوعبة مهضومة مندمجة في شخصية الكاتب وطابعه بحيث لا تشعر بغرابتها وفضولها. وهذا ما يجعل اللقاء بين الكاتب وقرائه لقاء بسيطا ميسورا لا تعمل ولا تصنع فيه.
وقد يظن البعض أن هذه السهولة في الاتصال تتحقق على حساب مستوى الرواية وما تنطوي غليه من خيال وتفكير. ولربما دفعهم إلى مثل هذا الظن الصعوبة التي صادفوها في مطالعة بعض الروائيين الكبار من أمثال «ويليام فولكنر» و«جيمس جويس» وهذا ظن خاطئ، لأن نجيب محفوظ استطاع حقيقة أن يضع قصصه في مستوى الرواية العالمية، دون أن يلتجئ إلى الطرائق الشاذة وأن يخرج عن فن الحكاية كما عرف منذ قديم الزمان. وهذا لا يعني مطلقا أننا ضد الطريقة التي انتهجها جويس أو فولكنر. وإنما يدل فقط على أن فن الرواية ليس واحدا، بل هو فنون مختلفة اختلاف الليل مع النهار. والفرق بين نجيب محفوظ وفولكنر وجويس، هو أن هذين الأخيرين مبتكران لمذهبين جديدين في عالم الرواية، بينما روائينا العربي ظل وفيا نوعا ما للمذهب التقليدي، مذهب القصة كما تحكيما العجائز للأحفاد مع بعض التحليلات النفسية والتحويرات الفنية.
حقا، إن فولكنر وجويس يتفوقان بفنهما وأن صعب فهمه أحيانا، لأنهما يلقيان أضواء جديدة على الواقع البشري، فنكشف الإنسان معهما مرة أخرى في مواقف وأحوال لم نعهدها من قبل. يضاف إلى هذا أسلوبهما الغريب الذي هو ثورة على التعبير المألوف ومحاولة لاستخراج الرواية من نفوس أبطالها. ولكن المقارنة هنا لا تغير نجيب محفوظ في شيء، لأنها ستكون مقارنة في غير محلها، فهي أشبه ما تكون بالمقارنة بين اللوحات التي رسمها «دافيد» مثلا وبين ما يرسمه «بيكاسو» في وقتنا هذا.
إذن، يمكننا أن نقول أن أول ما يعجبنا في رواية نجيب محفوظ هو أصالتها العربية التي تميزها عن الرواية المعهودة عند الكتاب الأروبيين وبذلك تضفي عليها لباسا طريفا يجعل لها مكانا في الآداب العالمية.
فالأجانب –وأعني الأروبيين خاصة لأنهم لا زالوا يسيرون الذوق الأدبي في العالم- عندما يقرأون القصة العربية أو الهندية أو الفارسية، مثلا، يعودون بالمخيبة إذا ما وجدوا الكاتب أنف من مجتمعه وراح يصور لنا حوادث وأبطالا في إطار خيالي هو أقرب ما يكون إلى البيئة الأروبية. فهذا نوع من التهجين يضيع معه الفن أشياء كثيرة لأنه ينبني على فكرة خاطئة وهيان الإنسان لا يصلح أن يكون بطلا للقصة إلا إذا كان فيه بعض الشبه بالرجل الأروبي.
ولكن هؤلاء الجانب يشتد إعجابهم إذا ما كانت الرواية تقدم لهم الإنسان في إطار طبيعي، حقيقي أي إطار عربي أو هندي أو فارسي. وهذا ما توفق إليه نجيب محفوظ إلى حد بعيد. فهو بهذا المعنى يواصل التقاليد القصصية العربية كما لأبرزتها لنا ألف ليلة وليلة منذ أكثر من عشرة قرون. وفضل نجيب محفوظ هو أنه لم ينس أن للقصة العربية وجودا قديما لم يستطع أن يعفي عليه الزمن، إذ أنه اكتسب في العصور الأخيرة منتهى الشهرة والمجد، لا في البلاد العربية فحسب ولكن في أوربا حيث أصبحت حكايات شهرزاد من الكتب القليلة التي يحرص القراء منذ صغرهم على مطالعتها.
نعم إن فنه امتداد لألف ليلة وليلة في جوانب متعددة كما سنرى بالتفصيل. ومن هنا أحرزت قصته الأصالة والطرافة وارتبطت بالعبقرية العربية في أحسن ما انجلى عنه إيحاءها واستطاعت أن تخرق الآفاق القومية لتستشرق الآفاق الإنسانية وتحل محلها من نفوس القراء في كل مكان.
حياة الشرق، جو الشرق، روح الشرق، إنسان الشرق.... ولكن في القرن العشرين، ذلك هو موضوع نجيب محفوظ. إننا ندخل معه كسائحين مفعمين بحب الإطلاع إلى البيوت، إلى المقاهي، إلى المساجد، إلى الحانات لنرى كيف يعيش المصريون، على اختلاف طبقاتهم. وهنا ينحرف عن ألف ليلة وليلة نوعا ما، ففي القصة القديمة نلفي الكاتب ينحاز من أول وهلة إلى أبطاله المحبوبين  ويعيش متحيزا لهم من الأول إلى الآخر، بينما نجيب محفوظ يقف منتصبا لا نعطف لأي جانب فيصور الواقع الإنساني والاجتماعي كما يتراءى له بنوع من التجرد والموضوعية.
وهذا الموقف، يربطه، طبعا، بطائفة الروائيين الواقعيين الأروبيين من نوع بلزاك وفلوبير وديكنز وغيرهم، فهو من الذين يعتقدون أن الواقع إذا تحدث عن نفسه كما يجب يكون أحسن قصة وأعمق فن.
إلا أن كلمة الواقعية التي تظهر لأول وهلة واضحة دقيقة، هي في الحقيقة من أصعب الكلمات تحديدا. فهنالك مذاهب فنية متعددة لا تنتحل هذا الاسم دون أن يكون التقارب بينها واضحا بينا. وذلك راجع إلى كون الحدود بين الواقع والخيال من الصعب تعيينها.
الواقع ميدان واسع غير متناه، يحتضن أشياء مختلفة، وأحيانا متناقضة، يعجز العقل عن ضبطها والخيال عن استيعابها. فالرواية البوليسية التي تقص علينا حوادث غريبة واقعية، وأخبار الجاسوسية بعجائبها التي لا تخطر على بال واقعية، ومغامرات الأفذاذ من أبطال الحروب، وأصحاب الرحلات والأسفار واقعية. بحيث أن الواقع يتسع لأكثر مما يتسع له الخيال البشري، ويتطلب دائما مزيدا من الاستكشاف والإطلاع.
ولكن هذا لك يمنه كل روائي من أن يكون واقعيا على شاكلته، يختار جانبا محدودا يستطيع أن ينفذ منه إلى أسرار وأغوار. وهكذا، رأينا «دوستويفسكي» يتجه إلى تصوير بعض الشواذ من الناس أو –بالأحرى- إلى اكتشاف الشذوذ النفسي في البشر. وشاهدنا «هيمنجواي» يصف لنا الإنسان في صراعه مع نفسه ومثيره. وهذا «زولا» ينظر حواليه بإمعان، فيكشف لنا عما يكتنف الحياة العصرية من تشويه ودمامة. والقائمة طويلة جدا.
الواقعية، إذن، مذاهب وأشكال، ولعل نجيب محفوظ من الكتاب الذين يقدمون لنا أصح نموذج عنها، لأنه ينمحي تماما في قصته ويترك الأحداث الأشخاص ينطقون بأنفسهم عن أنفسهم، وقد وجد أمامه ميدانا فسيحا، يكاد يكون بكرا، ألا وهو المجتمع المصري.
لقد أصبحنا منذ زمان بعيد نعرف المجتمع الفرنسي والإنجليزي والروسي والأمريكي من خلال الروايات العديدة التي ألفها الكتاب المنتمون لهاته الجنسيات المختلفة. ولكننا لا نكاد نجد من يعرفنا بمجتمعنا العربي في مختلف أوطانه. وتلك ظاهرة حقيقة بأن تثير في نفوسنا بعض الأسف، لأنها تدل على أن الكثير من كتابنا لا زالوا لم يستمثلوا في أذهانهم مهمتهم على الوجه الأكمل، ولا زالوا لم يتحرروا من بعض العادات الفكرية والعقد النفسية المتولدة عن أرستوقراطية مزيفة. فهم يرون أن ربط فنهم بالمجتمع معناه النزول إلى حضيض الشعب والارتطام بالشر والبؤس والإجرام والرذيلة والاحتكاك بما هو سمج في عيونهم، مر في أذواقهم. ويعتقدون في برجهم العاجي أن سلوك هذه الطريق سيبعدهم عن ثالوث «الخير والحق والجمال» الذي يضعونه في عالم آخر، عالم بعيد قد يكون باريس وقد يكون لندن، ولكنه على أي حال لا يمكن أن يكون هذه الأرض التي يخترقون دروبها كل يوم ويأكلون من طعامها ويستنشقون من هوائها.
وهنا يندمج الاختيار الفني في موقف أخلاقي معين : هل للكاتب من الشجاعة والصبر وسلامة الشعور ما يجعله يقبل بارتياح أن يعيش في مجتمعه ومع مجتمعه ويكتب عن مجتمعه بما فيه خير وشر وجمال وقبح؟ أم هل يساير هذا الانحراف الذي فرضته عليه بيئته الضيقة حتى جعلته يفر من واقعه اليومي ومن محيطه القريب فصار أشبه ما يكون بتلك العذارى السادرات في أحلام الغد البعيد، الغد الذي يجهلن عنه كل شيء ؟.
ولست أدري عل ألقى نجيب محفوظ السؤال على نفسه بهاته الصورة، ولكنه، على أي حال، تجاوز ما كنا ننتظر منه ولم يترك لنا أي مجال لنلاحظ عليه في هاته الناحية. فهو، وإن كان كما قلنا يلتزم التجرد والموضوعية يشعرك من طرف خفي بأنه يكن لمجتمعه حبا عميقا ويحلو له أن يسجل بدقة كل مظاهر حياته ونفسيته كبيرها وصغيرها. وما أشبهه في هذه الحال بالأب مع ابنه الصبي يتتبع كل ما يصدر عنه باهتمام وعطف ويحد لذة في أن يقص لمعارفه ما يبدر عنه من هذيان وحماقات وأفعال تدل على فطنة وذكاء!
ولعل كلام الفلاسفة الجدليين يساعدنا هنا على توضيح المراحل التي انبثق عنها موقف نجيب محفوظ كروائي واقعي. ففي طور أول نشاهده يبتعد عن مجتمعه وقد فتحت له ثقافته الواسعة واتصاله بالأدب الأجنبي آفاقا جديدة وخلقت له مشاغل لا صلة بينها وبين المحيط المحدود الذي يعيش فيه. ولكن هذا الابتعاد هو في الحقيقة ارتفاع. وهنا يبدأ الطور الثاني في هاته الحركة الجدلية، حيث يتمكن الكاتب بعد أن صقلت فكرته التجربة الثقافية، من أن يشرق على مجتمع من مكان عال، فيلقي عليه نظرة هادئة مستوعبة تضع كل شيء في مكانه فلا تطفى عليها كثرة المشاهد والمرئيات، فهو يعطي لكل جانب من الواقع حقه ويحلل المتناقضات الإنسانية والاجتماعية بما يلزم من التدقيق والتعميق. وهنا ندخل معه في الطور الثالث حيث يصير الابتعاد والارتفاع في النهاية قربا واتصالا. فنرى نجيب محفوظ مندمجا في مجتمعه يتحدث عنه بتفهم وعطف وفي نفس الوقت يؤدي لنا عنه شهادة موضوعية تامة ليس فيها أي أثر للتمجيد والمدح ولا أي محاولة لستر القبيح وإبراز المليح. بل هي شهادة تريد أن تكون وفية للحقيقة، قبل كل شيء. وهذا التعلق بالحق هو الذي أعطى لفن نجيب محفوظ جانبا مهما من قوته وهو الذي يجعلنا نحن أيضا نشعر بعطف على المجتمع الذي يصوره وعلى الأبطال الذين يتحركون في مسرح رواياته. 
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here