islamaumaroc

أهمية الدراسات الأدبية.-1-

  دعوة الحق

73 العدد

خلف لنا تاريخ الثقافة البشرية مجموعة من المؤلفات لا تحصى ولا تعد كما خلد الفكر البشري روائع إنسانية لا يحصيها عد وتشتمل هذه المؤلفات والكتب والروائع على مختلف وجوه الثقافة الإنسانية من علم وأدب ودين وفلسفة وغيرها.
وقد كان للطباعة أثر كبير في كثرة هذا الإنتاج الفكري البشري فأقل الناس يطبعون ما يكتبون كم أسرع البعض منهم إلى دراسة المؤلفات القديمة والمخطوطات النادرة يراجعونها ويصححونها ويطبعونها الشيء الذي جعلنا نعيش أمام إنتاج ضخم ووسط مجموعة هائلة من الكتب والمآثر حتى أصبح فوق مستطاع أي فكر أن يستوعب العلوم الإنسانية كلها ويلم بها جميعا وأضحى من الصعب على المرء أن يجمع في خزانته الخاصة كلما تركته البشرية على ممر العصور والدهور فأحرى أن يقرأه ويدربه بما يستحقه من العناية والاهتمام.
وإذا كان للطباعة دور كبير في تكاثر هذا الإنتاج فإن الاتصال المتين والقريب بين الشعوب على اختلاف لغاتها وأديانها وأجناسها قد ساهم بحظ وافر في تراكم هذه المعارف وتجمع هذه المؤلفات أو المراجع والروائع قد تطورت العلاقات الدولية تطورا عظيما صار في استطاعة كل فرد أن يتعلم اللغة التي يحب ويريد ويكتب باللغة التي يهوى ويشاء وينشر مؤلفاته وكتبه في البلاد التي يختارها لنفسه فنشأ من ذلك تقارب بين الشعوب ونشأ عن ذلك اتصال والتحام لبن مختلف الثقافات العالمية ونشأ عن ذلك في الأخير كثرة الإنتاج في مختلف أنواع العلوم والآداب البشرية. نعم لقد قام عدد من الرحالة بزيارات متعددة لمختلف الأقطار والبلاد النائية وما ابن بطوطة وابن جبير وغيرهما إلا أمثلة حية قائمة الذات وأدلة ناطقة على وجود هذا الاتصال في الماضي القريب والبعيد ولكن هذه الاتصالات رغم كثرتها وتعددها لم تكن تكتسي صبغة الشرعة والاستعجال التي تكتسبها اليوم فقد أصبح السفر يسيرا في هذا القرن من بلد إلى آخر وصار من السهل على المرء أن يزور البلاد التي تشتاق إليها نفسه رغم لبعد مرات عديدة إذا شاء ذلك وأضحى من اليسير على جميع أبناء البشرية أن يتصلوا في مختلف المؤتمرات والمنظمات والاجتماعية الدولية الشيء الذي أدى بأبناء آدم إلى تعارف متين واتصال وثيق وتعاون أكيد فنتج عن ذلك رغبة زائدة في حب الإطلاع وسعة البحث وقوة التنقيب ونتج عن ذلك أيضا تبادل المساعدة بين مختلف الدول وتبادل المنافع والخيارت وكان من ذلك تبادل المعارف والكتب والإنتاج بين هذه البلاد وبين تلك وحصل من مجموع كل هذه الأشياء رصيد فكري بشري عظيم يقف كل راغب في المعرفة مشدوها ذاهلا لا يدري ما عساه يفعل أمامه. إذن فمر الأعوام وكر السنين والقرون وخروج الطباعة العصرية إلى الوجود وتحسين طرق المواصلات وتقوية العلاقات الدولية بين الأمم كل هذه العوامل قد جعلتنا نتوفر على إنتاج بشري ضخم لا يستطيع استيعابه والتمكن منه فرد بشري مهما بلغت قوة إدراكه وسعة فكره ورغبته في الإطلاع والمعرفة.
فما هي الوسيلة يا ترى لاستيعاب هذه المعارف إذا كان لابد من ذلك ؟ وكيف يمكن أن يطلع على أجود الروائع التي أنتجها الفكر البشري في مختلف الأعصار والأمصار ؟
قبل الإجابة على هذين السؤالين نود أن نشير إلى أن من فضل الله على البشر أن كثرة الإنتاج ووفرة المؤلفات قد أدتا بعدد من المهتمين والعلماء إلى الإلمام بهذه المؤلفات الكثيرة كل حسب ميوله وهواه، وأن هؤلاء المهتمين بطور الإنتاج رغم تعدده قد وضعوا دراسات مفيدة مختصرة عن أهم أبواب المعرفة الإنسانية وأنهم خلفوا لنا تراثا جليلا عمل على تقويم الإنتاج البشري الشيء الذي جعلنا نقف على بعض هذه الملفات ونتعرف عليها ولو بصفة موجزة. فقد كثرت المجلات الثقافية والجرائد المهتمة بهذا الشأن كما تعددت الدراسات عن مختلف الآداب والمعارف والعلوم الإنسانية وذهبت رغبة تقريب بعض العلوم والمعارف إلى الأذهان ببعض دور الطباعة والنشر والإدارات الحكومية إلى إصدار مؤلفات عديدة ترمي إلى تبسيط مختلف أبواب العلوم والمعارف والآداب إلى الأفهام البشرية بطريقة مبسطة شيقة تحظى بكامل العناية وجميل الرعاية ونحن إذا أردنا أن نقتصر في كلامنا على الآداب يمكن أن نشير إلى الدراسات المفيدة التي حظى بها تاريخ الأدب مثار اختلافات شديدة بن رجال الأدب من كتاب وشعراء ونقاد لأن تاريخ الأدب إذا كان من المحمود دراسته فهو لا يغني من دراسة النصوص الأدبية والمؤلفات الأصلية والروائع الباقية شيئا.
ولعل أهم النظريات التي تعارضت مؤخرا في فرنسا في هذا الشأن هي الفكرة التي كان ينادي بها رينان الذي يقول بأن دراسة تاريخ الأدب كافية عن قراءة المؤلفات الأصلية والفكرة التي كان يدعو إليها لانسون في كتابه، تاريخ الأدب الفرنسي حيث نصح قراء كتابه بسبب قراءتهم كتابه عن مطالعتهم للروائع البشرية التي كتبها الأدباء والشعراء والنقاد الفرنسيون على ممر الأجيال والعصور.
وهاتان الفكرتان جديرتان بأن يقف المرء عندهما لأنهما يعبران في الواقع عن اتجاه مدرستين متباينتين.
أولاهما : مدرسة رينان العلمية التي كان صاحبها يوصي بالاختصار والإيجاز كما يتطلب ذلك البحث العلمي الصرف أو ليس رينان هو مؤلف كتاب «مستقبل العلم» واحد الدعاة لتطبيق الطرق العلمية في جميع الميادين ؟
ثانيهما : مدرسة لانون هو الأديب المؤرخ في الأدب والناقد الكبير الذي كان يومن بأن أحسن صلاح للإنسان ورفع لقيمته هو دراسة مؤلفات كبار الكتاب وعباقرة الدب الفرنسي والعالمي لأن تلك الدراسة والقراءة بالتمعن والتدبر هي خير وسيلة لتكوين الفرد.
وليس بين المدرستين تعارض أو تباين كما قد يبدو ولأول وهلة لأن كلا منهما تدعو إلى دراسة الأدب ولكنهما مختلفتان في طريق تحقيق هذه الغاية والوصول إلى هذا الهدف.
وإذا كان صاحب كتاب «مستقبل العلم» يميل إلى الدراسات النقدية ويجد فيها الكفاية بدلا من قراءة المؤلفات فإنما ذلك لأنه كان عالما جليلا يفتي عليه لممه وتكوينه أن يختصر الطريق نحو الكمال والازدهار ولا يتأخر في سبيله وبتعثر في مشيته فالدراسات النقدية ربح للوقت تكفي الراغب في الزيادة في الإطلاع مرونة الرجوع إلى المصادر الأولى وقراءة مؤلفات عديدة بدلا من كتاب واحد يخرج به المرء بمعلومات عامة كافية تضمن الإلمام بالموضوع الذي يريد أن يطلع عليه ومعرفة الجوانب التي رغب في إدراكها والوقوف عليها ويسمح بالحكم على هذا المؤلف أو ذاك دون تعب كبير وجهد كثير. نعم إن هذه الأحكام سوف لا تكون شخصية ومبينة على حكم أخذه القارئ بنفسه بل ستكون عبارة عن نقل حكم الغير والتأثر به وهذا لا يخلو من ضرر على مستقبل هذا القارئ لأنه سيصبح غير مستقل في أحكامه موجها يخضع لنظريات الغير ويتأثر بها ويعمل بها في عصر يتفق جميع المهتمين بشؤون العلم والأدب على أن أحسن أساليب التكوين وأقوم طرق التعليم هي تربية الشخصية وتكوين الذاتية عند الفرد البشري لأن ذلك يربي فيه الإيمان بنفسه والثقة والاعتزاز برأيه وفكرته.
والدراسات النقدية مهما بلغت من النزاهة في الحكم والقوة في الوضع والترتيب والشمول ضعيفة ناقصة نعم إنها تعطينا نظرة عن الكاتب أو الشاعر الذي نريد أن ندرس ونعرف فهي تحاول إبراز مكانة هذا المؤلف أو ذلك في عصره وإيضاح التأثيرات التي عاشها الأثر الذي تركه وعرض معطيات حياته التي تفسر الدواعي التي حملته على وضع هذا الصرح الأدبي لهذا العصر. فمن منا مثلا استطاع أن يدرس على حدة عددا من الشعراء الجاهلين غيرالكتاب أو ذلك والتطورات التي عرفها طوال حياته. والدراسات الأدبية النقدية المهمة المفيدة لا تكتفي بعرض الأسماء اللامعة التي احتلت مكانة بارزة في عصر من العصور ولكنها تلم بهذا العصر وتتكلم عن الشخصيات التي احتلت المرتبة الثانية أو الثالثة والتي قد لا نجد من الوقت ما يكفينا للإلمام بها ودراستها رغم ما أسدته من خدمات في العصر الذي عاشت فيه والمساهمة التي ساهمت بها في تثبيت المشهورين الذين كان لهم دور في تكوين الأدب الجاهلي بالإضافة إلى أصحاب المعلقات والذين بقوا مغمورين دون أن يعتدي احد إلى الاعتناء بدواوينهم لولا أن تداركتهم كتب الأدب واعتنت بترجمتهم وعرض نموذج من إنتاجهم ؟ ومن منا استطاع أن يقرأ جميع ما كتبه فولتير الشهير رغم المكانة المرموقة التي يحتلها في الآداب العالمية والدور الخطير الذي لعبه في الدفاع عن المظلومين ونصرة الحق ومحاربة الظلم والطغيان ؟ فقد كتب فولتير أزيد من سبعين كتابا ولكن أهم كبار الباحثين لم يقرأوا أزيد من ثلاثين مع أن الأربعين الباقية لها دور عميق في رفع مستوى التفكير البشري وتنوير الأذهان.
إن كثرة الإنتاج وتعدد المؤلفات تلزمنا بنوع من الاختيار والاختصار كما تفرض علينا الاعتماد على الدراسات النقدية والأبحاث الأدبية وكتب تاريخ الآداب حتى نكون لنفسنا صورة كاملة عن جميع المعارف الإنسانية والعلوم البشرية وحتى لا نبقى جاهلين بجزء مهم من التراث الفكري الذي لم تسمح لنا الظروف بالوقوف عليه ودراسته دراسة متينة مفيدة.
ولكن هل تعتبر الدراسات الأدبية كافية في حد ذاتها ؟ وهل يمكن الاعتماد عليها دون الرجوع إلى روائع ما أنتجه الفكر البشري ؟ وباختصار هل تقوم الدراسات الأدبية مقام المؤلفات الأصلية كما حاول أن يجرنا إلى ذلك صاحب كتاب «مستقبل العلم» ؟
ذلك ما سنحاول الإجابة عنه في الفرصة المقبلة إن شاء الله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here