islamaumaroc

الفراغ الروحي

  دعوة الحق

73 العدد

خلق الإنسان من عنصرين، مادة وروح، والمادة شيء فإن ليس له بقاء، يعتريه الضعف والهزال والفناء، فيذهب الإنسان ولو كان أقوى الخلق، كأنه لم يكن، فيصبح ترابا تذوره الرياح، كان لم يغن بالأمس.
أما الروح فهو ذلك السر الإلهي الذي أودعه الله في الإنسان وأن هذه الروح من اله سبحانه لقوله تعالى : «ونفخت فيه من روحي» ومظهرها عقل الإنسان، وجميع مواهبه الأدبية والخلقية.
والمادة والروح متحدان ببعضهما اتحادا موقتا على حسب قانون ثابت، وموازنة محكمة، يقف العقل أمامها مبهوتا واجما.
وهذه الروح المودعة في الجسم البشري نحن دائما إلى مصدرها، وهو الله سبحانه وتعالى. ولا ترى لها كمالا إلا بالاتصال به على كل حال من الأحوال، فهي تتطلع بطبيعتها دائما إلى الملأ الأعلى، وحظيرة القدس، وتتوق إلى محتدها، ولا يتأتى لها ذلك كما قلنا إلا بالاتصال مع الله بجميع أنواع العبادات والطاعات كالصلاة، والصيام..، وهي باقية بقاء سرمديا، وخاضعة لنوامس خاصة بعالمها.
ولكل من العنصرين المادة والروح، مطالب تتناسب مع طبيعة كل منها.
فالجسم لا يفترق عن كل أنواع المادة في قبوله للنقص والزيادة، والضعف والقوة، فهو محتاج إلى مقومات كالغذاء والمسكن، وغير ذلك مما يحفظ شخصه وأنواعه.
والروح تواقة لمنازل الكمال الأدبي، طالبة لأن تلم بأسر الملكوت كله، وتدرك صميم عالم الشهادة.
ولقد قضت حكمة لله وسنة الكون في أن يجعل الروح والجسم في تصارع مستمر، فأيهما كانت له الغلبة والمتعة والسلطان انتصر على الآخر.
لذلك تجد من الناس من غلبت عليه مادته، فصار لا يفكر إلا في إشباع نزواته وشهواته بكل الوسائل.
ومهم من سادت عليه روحه، فهيأ نفسه للرقي المعنوي عن طريق الباطن، وضرب بسعادة مادته الحاضرة عرض الحائط، ونبذها نبذ النواة.
والإنسان في الحقيقة يحب أن خطة الاعتدال والتوسط، إذ كلا طرفي قصد الأمور ذميم، كما يقول الشاعر.. فنعدل مع مطالب الجسم لحفظه، ومع مطالب الروح، لنهيها أمانيها مع عدم الإجحاف بمطالب المادة، وبذلك يتحقق الكمال الإنساني.
ومن أجل هذا قال الله تعالى : «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» وقال «ص» : «ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه، بل خيركم من أخذ من هذه وهذه».
ولذلك لم تكن الصلاة سوى تخلية الفكر من الشواغل المترددة عليه، والتوجيه بالقلب إلى الله مباشرة توجها صحيحا بتعطيش تام وهيام غالب لتتمكن الروح من قبول الإمداد القدسي مباشرة، فتكتسب حياة جديدة تشعر الإنسان معنى القوة والمنعة والسلطان.     
ولأمر ما فرض الله على المجاهدين في الحرب صلاة الخوف في قوله تعالى :
«وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم –فيميلون عليكم ميلة واحدة، ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم، إن الله أعد للكافرين عذابا معينا، فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة، إن الصلاة كانت على المومنين كتابا موقوتا».
فأنت ترى أن المسلم المؤمن المجاهد وهو في حومة الوغى يقوم لأداء الصلاة وهو في رحاب الحرب يسمع صليل السيوف وقعقعة السلاح وصهيل الجياد لتتصل الروح حتى في هذه الحالة الحربية، بربها فيرخص نفسه لإعلاء كلمة الله، وينبذ الدنيا وراءه ظهريا، ويتقبل ربه راضيا مطمئنا وهو أقرب إليهن فتتقوى عزيمته، ويبعث الله فيه روحا معنوية تجعله يستقبل أنواع المكاره وصنوف المخاطر باسما راضبا، والتي سرعان ما تتكسر على صفاة يقينه بالله وإيمانه بربه.
فلا غرابة إذا رأينا سيدنا محمد «ص» يفتح نصف الدنيا في ربه قرن كما قال نابليون.
ولا غرابة إذا قال أحد علماء الاجتماع بأن من أسباب تقدم المسلمين في الصدر الأول وفجر الإسلام أداء فريضة الصلاة المكتوبة.
لقد كان المسلمون المجاهدين يؤدونها حتى وهم في حومة الوغى واشتد البأس واحمرت الحدق فيكتب لهم النصر ويعقد الظفر في لوائهم..
ولكن سرعان ما لبثوا بعد ذلك العز الأمنع، أن انصاعوا انصياع الكواكب عند إنكدارها وأسرعوا إلى الهبوط سرعة المياه عند انحدارها، وهووا عن صهوات ذلك المجد العظيم، وأخرجوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم، فغاضت ينابيع المسرة في القلوب، وماتت أحاسيس البهجة في النفوس، وتحللت أواصر المودة بين الناس.. ثم في العصور الأخيرة تطورت الحياة وتقدم العمران، وظهر عصر الصناعة، وتغيرت معها العقليات، وأنتجت مدنية راقية، وتسببت هذه المدنية عن مشكلات، ومن مشكلاتها هذا الفراغ الروحي في نفوس الناس، وخلوها من خشية الله، ومراقبته، وعدم الجري على أحكامه وشرائعه في الشؤون الدينية والتصرفات الدنيوية.
ولعل أشد الشعوب إحساسا بذلك الفراغ أرقاها حضارة، وأكثرها مدنية وعمرانا.
وكأنما ذلك الفراغ يسير عكسيا مع المدنية.
إننا في البلاد الإسلامية نشكو ذلك الفراغ، ونألم له أشد الإيلام لا في نفوس الشاردين من الأديان والمغاضبين لها فحسب، ولكن في نفوس كثير من أشياعها والحائمين حولها، بل إن من هؤلاء من يشكو في نفسه ويتطلع إلى حال أصلح من حاله.
والبلبلة كذلك في المغرب بل هي أشد وأقوى، فقد قال أحد الأوربيين الدارسين لأحوال المجتمعات هناك :
«إن الأروبي العادي سواء عليه أكان ديمقراطيا أم فاشيا رأسماليا أو بلفشيا، صانعا أو مفكرا، يعرف دينا إيجابيا واحدا هو التعبد للرقي المادي، أي الاعتقاد أن ليس في الحياة هدف آخر سوى جعلى هذه الحياة نفسها أيسر، فأيسر».
ومن أهم أسبابه تلك الفكرة الأوربية الخطيرة، وهي دعوات الإلحاد الجماعي في بعض الشعوب التي تحمل في طياتها الشهرية بالأديان، ورسالات الأديان، ورب الأديان، وإلى جانب ذلك كانت دعوات الحرية الفكرية، والحرية العقائدية، فانفلتت الأقلام من أعنتها تقول في القيم الدينية ما تشاء، وفي الأقلام زائغ وطائش، وفيها مغرض ومأجور، وفي الأديان قيم يعسر على العقول الغضة، والأفهام الضحلة، أن تستكنه السر فيها، فتقف منها موقف الحيرة والتردد، أو موقف انرفض والإنكار، إن لم تعتصم بالتسليم والقبول لتشعر بحرارة الإيمان، وبرد اليقين.
كل ذلك كان سببا في أن يتغير الجو الديني في المنزل وفي المدرسة وفي المجتمع، وأن تنشأ الأجيال خاوية النفوس من القيم الدينية والروحية، وأصبحنا من جراء ذلك نشكو الغدر والاستغلال في المعاملة، ونشكو الذاتية والجفاف في المعاشرة، ونشكو التخاذل والتقاعس عن البر، ونشكو الخيانة والمجاملة في المصالح العامة، ونشكو فقدان الغيرة والاعتداء على الحرمات، ونشكو الاستهانة والاستهتار بالتقاليد والمقومات مما آل بالحالة إلى هذا الصورة انطماسية والحال البائسة وما سبب ذلك إلا هذا الفراغ الروحي، وضعف الوازع الديني والوجداني.
إن العالم كله اليوم يشعر بهذه المجاعة الروحية لذلك نرى مؤتمرات عديدة تنعقد في مختلف أنحاء الدنيا لتدارس الحالة النفسية والخلقية والوجدانية لكثير من الشعوب.
وأروبا نفسها تشكو هذا الفراغ الروحي، لذلك تراها تعقد مؤتمرات يحضر فيها أقطاب المفكرين لإصلاح الحالة وتصحيح الأوضاع ومراجعة الأصول.
لقد حضرت مؤتمرا للتسلح الخلقي بكو المطلة على مدينة مونترو بالقطر السويسري عام 1960 مع نخبة من رجال المغرب.
وكان هذا المؤتمر يضم طائفة من رجالات الفكر في العالم يبحثون عن خلاص للأزمة الروحية والوجدانية التي تشكو منها كثير من الشعوب التي تمر بإحداث جسام حيث تنهار المفاهيم القديمة، وتقنع الديمقراطية بالوقوف موقف الدفاع، ويصبح السلاح وهو لم يعد ضمانا للأمن وتفقد المواثيق غرضها بقيام قوى جديد وتختفي ألوان الولاء القديم في وجه الأخطار الجديدة.
إذ مهمة التسلح الخلقي في نظر أقطابه كالدكتور فرانك بوخمان وإن كنا نخالفهم في الأسس الخفية التي ينبني عليها مذهبهم الغيب تزويد السياسيين والشعوب بسلاح خلقي يمكنهم من رؤية ما يحدث في العالم، أن الديمقراطيات تتخاذل، لأنها في حاجة إلى الوقود الإيديولوجي، وإن كثيرا من الساسة يشكون حالة مستعصية من نقص الغذاء «الإديولوجي».
وهذه الإديولوجية المتفوقة في نظرهم : تصنع طرازا جديدا من الناس لهم حوافز جديدة، أناس يعملون على تدليل الصعوبات.
والحقيقة أننا كنا نلاحظ أن الغربيين يشكون هذا الفراغ الروحي ويحاولون ملأه بمثل هذه المؤتمرات والندوات التي تعقد داخلها.
والإسلام لابد له من مؤتمرات تجمع زعماء الرأي من أهله، ليجددوا ما درس منه، ويوضحوا ما ألتبس فيه، وينفوا عنه ما ران على عقول أصحابه من الأوهام والخرافات، وما غشيه من أباطيل القرون وأضاليل النحل، ويجلوه للناس كما كان غضا طريا صالحا للحياة، كافلا للفوز، ضامنا للسعادة.
ولقد انعقد في القاهرة اجتماع المؤتمر الإسلامي الذي نظمه مجمع البحوث الإسلامية في 6 مارس 1964 حيث حضر علماء المسلمين ودرسوا في جدول أعمالهم ستة عشرة بحثا تتناول مسائل هامة عن العلاقات الدولة والمذاهب الاقتصادية، كما تناولا موضوع الاشتراكية في الإسلام وتحديد معالم حقوق الإنسان والحرية الشخصية والدعوات الإسلامية ووسائل نشرها، والاجتهاد في الإسلام ومشكلات الملمين المختلفة.
كما حضر هذا المؤتمر ممثلون عن العلماء في 44 دولة عربية وإسلامية، افريقية وآسيوية وأروبية وبينها ممثلون عن اليابان ويوغوسلافيا والمجر والاتحاد السوفياتي وانجلترا.
والعلاج الناجع لهذا الفراغ الروحي هو تفهم حقيقة الدين الإسلامي والرجوع إلى طريقة السلف رضوان الله عليهم. فهو المرهم الواقي لكل انحراف أو فراغ. فقد جرفنا تيار التمدن الكاذب إلى مواطن تأت بنا عن مبادئ الدين وحدوده، وأغرى بريقها الزائف أبصار الشباب فصرفهم عن النواحي الجدية التي تستلزم نشاطهم وها هو برنادشو يقول : أن الإسلام هو الدين الذي يسود أروبا بعد مائة عام.
وهو لم يقل هذا إلا أنه لحظ اتجاه الحياة الأوربية إلى مبادئ الإسلام الحق تستنجد بها كلما أحست وحشة المادة وظلمتها وكثافتها مدفوعة في ذلك بعوامل الطبيعة لا بتبشير يزاوله المسلمون، ولا بجهاد يمارسونه بالمال والعتاد والحروب الإديولوجية.
«وشو» فنان من الغرب يعرفه الناس بأنه قد حرر عقله وهو يؤذن بالإسلام على رأس أروبا.
فكم من عالم يتحرروا كما تحرر هو، وأكثرهم لم يصقلوا إحساسهم كما صقل إحساسه هو، وأكثرهم لم يطلقوا من إغلال الزيف عقولهم كما أطلق عقله هو.
وحدود الإسلام ليست قيودا مما يشل الحركة ويعوق النشاط، ولا هي أغلال وأصفاد مما يمنه النهوض، ولا هي عصائب مما يحجب عن العيون النور، ولا هي أحجار مما يثقل عن الحس، ولا هي جهالات مما يمتنع على العقل الإقناع به وتدبره، وإنما هي حدود الطبيعة التي لا يمكن خرقها والتي لا يخرقها إلا من ظلم نفسه، وهي ليست شيئا إلا تحرير الإنسانية ممن كل عبودية تفرض عليها إلا عبادة الله، من كل تقليد أو نظام يراد به العبث بكرامة العقل أو كرامة الروح.
وفي كل ذلك كله سعي حر، بالتطور إلى الارتقاء فعلينا أن نعمل وأن نملأ الفراغ ومن الله العون.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here