islamaumaroc

توحيد القوانين بالمغرب

  دعوة الحق

73 العدد

شعر العرب في مشارق الأرض ومغاربها بوجوب لم شعثهم وتوحيد اتجاههم ليكونوا يدا واحدة وعلى قلب واحد في السراء والضراء والمنشط والمكره، تطبيقا لأصول شريعة سمحة تمكنت من نفوسهم، وعملا بتقاليد وعادات ورثوها أبا عن أب وقبيلة عن قبيلة، ولا شيء يمكن أن يمتن روابطهم ويوحد فيما بينهم أحسن من توحيد قوانينهم التي تنبعث من شعورهم واستجابتهم، فيبرزها المشرع على شكل مواد مفصلة محددة. والعرب في هذا الوقت أحوج من أي وقت مضى إلى توحيد قوانينهم، ولاسيما القوانين الدستورية والثقافية والمدنية والتجارية. ولا يخفى أنهم ظلوا متحدين فيما بينهم ما يزيد عن اثني عشر قرنا في ظل الإسلام وشريعة القرآن الكريم، ولم يظهر زيغهم عن اتباع قوانين الإسلام إلا بعد استيلاء الأتراك عليهم، وبالأخص في عهد محمود العثماني سنة 1255 هـ، الذي أعلن المرسوم السلطاني في قصر كلخانة المتضمن لتشريعات جديدة بعضها مقتبس من قوانين بعض الدول الأوربية والبعض الآخر من المبتكرات الجديدة التي دعت إليها الضرورة واقتضاها تعقيد الحياة الجديدة، واستمر الحال في خروج البلدان العربية عن إطار القوانين الإسلامية واحدة واحدة تحت تأثير الاستعمار الأجنبي وضغط بعض أذنابه الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.
وقد شعر العرب بوجوب هذا التوحيد بعد أن عرفوا الحياة الجديدة التي عاشوها بعيدين عن تطبيق مقتضيات الشريعة الإسلامية في شؤونهم التجارية والمدنية وفي المسطرة التي يجري بها العمل داخل الأسرة والبيت وفي المدرسة والشارع والمعمل والمكتب.
والتوحيد الذي نرمي إليه هنا هو توحيد في الأسس والقواعد العامة والمبادئ الجوهرية، أما الفروع والجزئيات فينبغي أن  تترك لتكون جارية على أساس اعتبار العادات الخاصة واختلاف البيئات، واختيارنا هذا مبني على مراعاة الحقيقة العلمية وماضي الأمة العربية وحاضرها.
أما الحقيقة العلمية فتقرر أن القوانين تنبعث من صميم أفراد الأمة وتتولد عن مطامحها ومشاعرها وأمانيها الخاصة والعامة، وأن عمل المشرع للقوانين يقتصر على إظهار ذلك وإخراجه في شكل فصول ومواد لا غير. وماضي الأمة العربية وحدة متماسكة لأنها بقيت طيلة اثني عشر قرنا على منوال واحد في جميع تشريعاتها وأحكامها العامة هو منوال وضعه الإسلام وتضمنته آيات القرآن والحديث الشريف وإجماع الأئمة المعتبرين، وحاضرها اليوم يستدعي أن ترجع إلى سالف حياتها لتعيد مجدها الغابر وحياتها المثلى فتتوحد في حياتها في المتجر ونظام البيت والعائلة وفي القانون العسكري والتشريعات التجارية، لأن هذه الأمور الأربعة تخص أهم العوامل في حياة الأمة ومقوماتها.
واختلاف القوانين في أمة من الأمم يقف عرقلة في طريق وحدتها ويرجع بها إلى عهد الفوضى والانحلال بل إلى شريعة الغاب التي تعتبر من مخلفات عصور ما قبل التاريخ، ومن حسن الحظ أن الفرقة السياسية لم تنفذ آثارها إلى الكيان الأدبي الذي هو وحده البقية الباقية التي بنى عليها العرب ما نشاهده اليوم من اتحادهم الجديد وإن كانت ما زالت عوامل الهدم والتحطيم تبذر بذورها هنا وهناك. إن العمل على توحيد القوانين العربية واجب أكيد يقع على كاهل الشعوب العربية وحكوماتها التي تلتزم بتطبيقها من غير تحريف أو تأويل غير علمي لصالح الشعوب والأفراد أنفسهم، ولا نستطيع أن نصف مقدار الجريمة التي يجترمها هؤلاء الموظفون في الحكومات الذين يسعون إلى تحريف القوانين أو خرقها بغية الحصول على مغنم جزئي أو فائدة لا تفيد إلا أشخاصهم وإلا وقتا معينا ثم ترجع على العامة والخاصة في الأمة بالحسرة والندم والخيبة المرة التي تنتشر نتائجها جيلا بعد جيل، وتعرقل سير التقدم التي تنشده والحياة السعيدة التي تطمح إليها، وتسعى النقابات العربية في مشارق الأرض ومغاربها مكتلة في جمعيات واتحادات إلى هذا الهدف مثلما تبذل جميع الهيئات والأفراد في الاقتصاد والاجتماع والسياسة جهودها لنفس الغرض، لأن الوقت لم يعد قابلا لأن يبقى العرب مشردين مشتتين، كل أمة تدعو إلى كتاب وكل هيئة تسن قوانينها متناسية أخواتها اللواتي تجمعها بهن روابط وروابط أكثر من أن تحصى، وعمل المكتب الدائم للتعريب في هذا السبيل قويم وقويم جدا، حيث أنه ما فتئ يدعو فيما يدعو إليه من توحيد وتنسيق للجهود إلى توحيد القوانين بين الدول العربية في المشرق والمغرب. وإن هذا الأمل سيحقق بفضل العزائم المتوثبة وبفضل الحماس الذي يسود الأوساط العلمية والشعبية العربية في هذه الأيام بالذات.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here