islamaumaroc

الإسلام كعقيدة حققت وجودها في التاريخ الحي

  محمد الحمداني

12 العدد

لم يكن أحد أولئك الذين اشتروا بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا، أولئك الذين اصطبغوا بصبغة العلم ولكنهم زهدوا الناس في طلبه من قلة عملهم به، اصطبغوا بصبغة العلم ليتصدوا به المجالس، ويجمعوا به الحطام، وينالوا به الحظوة والشرف. وصدق بني الإسلام فيما وصف من حالهم حين قال : (ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب) وصدق بني الإسلام فيما أخبر عن مآلهم حين قال : (من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار) وأطرف الشاعر الأندلسي فأحسن الطرفة حين وصف بعض الأصناف منهم قائلا :
 
أهل الرياء لبستم ناموسكـــم                     كالذئب أد لج في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مـــــالك                    وقسمتم الأموال بابن القاســــم
وركبتم شهب الدواب بأشهب                    وبأصبغ صبغت لكم في العـالم

أجل، لم يكن من هذا الصنف الذي حدثوا عن بعض أفراده أنه أدرك من الفقه والجاه ما جمع به مالا فأوعى، ولكنه حينما أدركه الموت وانكشفت له النهاية اخرج عنه الأهل والأصحاب، وغلق الباب، واخذ يلطم وجهه مرددا قول الله : (يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله).
ولكنه كان عالما من علماء ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم يهدون به ويهتدون، كان أبا محمد سليمان بن مهران الأعمش عالم الكوفة، ومحدثها، وزاهدها، وعابدها، قام ذات ليلة يقرأ ما تيسر من القرآن، ويتهجد عسى أن يبعثه ربه مقاما محمودا، فمر بهذه الآية الكريمة : (شهد الله انه لا الله إلا هو والملائكة والوا العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم أن الدين عند الله الإسلام).
وإذ هو الأعمش (علامة الإسلام) كمل وصفه يحي القطان، فلم يمر على الآية مر الذين يقرؤون القرآن لا يتجاوز حلافمهم والتراقي، وإنما وقف عندها وقوف الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، لذا خشع فلبه لما تلا لسانه ونطق قائلا : (وأنا كذلك اشهد بما شهد الله، واستودع هذه الشهادة عنده، وهي عنده سبحانه وديعة)  وكرر الآية مرددا مرارا : (أن الدين عند الله الإسلام).

أي والله، لقد صدق الله، وصدق أنبياؤه ورسله، وصدق المؤمنون من لإحياء القلوب من عباده، إن الدين عند الله الإسلام.
وما الإســلام ؟
الإسلام هو ما أوحى إلى محمد في الكتاب، هو الرسالة العامة التي أرسل بها محمد على حين فترة من الرسل إلى الخلق أجمعين، الشرقي والغربي، الأحمر والأسود، اليهودي والنصراني (قال يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) (كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت على الناس عامة) (بعثت إلى الأحمر والأسود).
هو خاتمة النبوات السابقة، ونهاية المراحل لجميع رسالات الله من السماء لأهل الأرض (ما كان محمد أبا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين).
هو المعنى الشامل والخلاصة الجامعة، والتصحيح المحكم، لمعاني ما انزل على الرسل من قبل محمد (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه).
هو البيان الكاشف لما أخفى أهل الكتاب من الكتاب (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب).
هو النور الساطع الذي جلي معاني السمو والكمال في ملكوت الله في السماء وفي الأرض ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا) هو اللبنة التي عجب الناس لخلو مكانها في هيكل قصر النبوءات الذي بناه رب العرش العظيم لبني الإنسان على الأرض، ليبلوهم أيهم أحسن عملا، ومن ثم جاء قول نبي الإسلام صادقا : (إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زواية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت اللبنة ؟ فانا اللبنة)
هو الحق وليس بعد الحق إلا الضلال (ذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال) (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا) (ويرى الذين أوتوا العلم الذي انزل إليك من ربك هو الحق).
هو العلم وليس بعد العلم إلا الجهل (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم أنك إذن لمن الظالمين)  
هو الصدق وليس بعد الصدق إلا الكذب (وإن كادوا ليستفزونك عن الذي أوحينا غليك لتفترسي علينا غيره، وأذن لا تخذوك خليلا، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات).
هو الدستور الالاهي الذي جمع قوانين الروح وقوانين الجد، قوانين الفرد وقوانين الجماعة، قوانين الحال، وقوانين المال للإنسانية، في آخر مرحلة من مراحلها التاريخية المتعاقبة على مر الزمان والأحقاب (وأنزلنا إليك الكتاب تبيانا لكل شيء).
هو القرار الالاهي الأخير الذي قرر معنى الفطرة الإنسانية في أتم حقيقتها طبعا وخلقا (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم).
هو المحجة البيضاء إلى الإسلام، لو شاء أهل الأرض التائهون في بيداء القلق والحيرة والاضطراب في الشرق وفي الغرب، عن يهتدوا على الإسلام، (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام).
كان بدء ما انزل على محمد من وحي الإسلام بدء النعم المصبغة من رب الإنسان على الإنسان ومنشأها، وكان آخر ما أنزل على محمد من وحي الإسلام أتم النعم وأكملها. كان أول ما انزل منه أول النعم، إذ كان النعمة التي فضلت وكرمت وصرفت من اعترض وجود الإنسان خليفة في الأرض عن اللجج، كان نعمة (العلم) التي بعث بها الرب الأكرم إلى محمد، في الغار على لسان الناموس الأكبر قائلا : (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لو يعلم) وكان آخر ما انزل منه أتم النعم وأكملها، إذ كان النطق الالالهي الكريم الذي أعلن لبني الإنسان يوم الحج الأكبر في عرفات، أن الهداية الالالهية المسددة التي أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، وأحلت الطيبات، وحرمت الخبائث، ووضعت الإصر، ورفعت الأغلال، وسمت بالروح، ووجهت الإنسانية وجهة السعادة الأبدية، قد تم بها الوحي اليوم في الكتاب المنزل على محمد (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) ومن هنا كان صدقا ما جاء عن نبي الإسلام من أن عقيدة الإسلام هي العقيدة التي يأخذ الله بها ويعطي يوم القيامة، ومن ثم كان من العدل الالاهي أن لا يقبل من أهل الأرض أن يدينوا بغير هذه العقيدة على الأرض (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ومن ثم أمر الله محمدا نبي الإسلام أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلط عليهم، ومن ثم أمر المؤمنين من إتباع محمد أن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار وليجدوا فيسهم غلطة، ومن تم أعلن نبي الإسلام في غير تحرج ولا خوف أن لا عصمة لدماء وأموال الخارجين على هذه العقيدة والمقاومين لها والواقفين في وجه انتشارها حين قال : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق من الله) وحين قال : (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري).
ومن حيث كانت عقيدة الإسلام العقيدة التي قررت الوضع المجتبي الذي أراد رب الحياة في الأزل أن تحيي عليه النسمات المبروءة على الأرض، بعد أن تكون قد اجتازت من المراحل ما استكملت به نموها ووصلت إلى الطور الذي تنطبق فيه حياتها مع معاني هذه الرسالة انطباق المخلوق مع ما خلق لأجله، فقد كان من المحتم في طبيعة الخلق وسنة الله أن تشمل من عناصر القوة والحق ما تحقق به وجودها في التاريخ البشري الحي، لذا حققت العقيدة الإسلامية وجودها العقدي في قلوب المؤمنين بها أولا، ثم حققت وجودها الواقعي في تاريخ الدنيا ثانيا، حققت وجودها في قلب محمد، رسولها المبعوث بها أول ما نزلت عليه، وتملكت كل مشاعره، وجميع إحساساته، وإقامته في فترة البعث، يصدع بما أمر، ينذر عشيرته الأقربين ويدعوا إلى دين الله، فيسفه الأحلام، ويضلل الأقوام ويعيب الإلهة غير اله الحق، ويقول لعمه حين جد الجد وحزب الأمر (يا عم : والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، لما رجعت عن هذا الأمر حتى يظهره الله أو اهلك دونه) وحققت وجودها في صمود محمد لاحين أوقفته في فترة الضعف صامدا صابرا يتحمل الأذى، ولا يبالي الاضطهاد، وإنما يحسب الحساب فقط لان لا يكون عليه من ربه غضب أو سخط، أسمعوه ينادي ربه حينما أغرت به ثقيف سفهاءها وعبيدها يطاردونه ويرمونه بالحجارة : (اللهم إليك أأشكو ضعف قوتي وهواني على الناس، يا ارحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، أنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتهجمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي) وحققت وجودها في شجاعة محمد يوم أوقفته في فترة الكفاح بطلات شجاعا، يخوض المعالم، ويقارع السيوف، ويتلقع الرماح، فتكسر رباعيته ويشج في وجهه، ويقف ثابتا لا يتزحزح. وحققت وجودها في عظمة محمد يوم كانت أساس سلوكه مع القوم في فترة الانتصار، فكان بها المثل الأعلى للإنسان المهذب، الحليم الصبور، السياسي المحنك (السوبرمان) العالمي، أليس هو القائل يوم دخل مكة منتصرا : (يا معشر قريش، إن الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب) ثم تلا الآية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) يا معشر قريش (اذهبوا فانتم الطلقاء).
ثم  حققت وجودها في أصحاب محمد الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه، فصبروا، وصابروا، ورابطوا، وجاهدوا في سبيل الثبات على عقيدة الإسلام.
حققت وجودها في أبي بكر الذي كان بها أول المؤمنين وخير الصديقين، فقلبته من رجل التجارة والتكسب وجمع المال، إلى رجل الإيمان والعقيدة والتضحية وبذل المال، اسمعوا إلى بنته أسماء تحدثكم عنه حينما ترك وطنه وأهله وخرج مهاجرا مع رسول الله، باذلا ماله، ومعطيه رفده، قالت : (لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله خمسة الآف درهم أو ستة آلاف، فانطلق بها معه، قالت فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال والله أني لأراه قد فجعلكم بماله ونفسه، قالت : كلا يا أبت أنه ترك لنا خيرا كثيرا، قالت : فاتخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت يا أبت ضع يدك على هذا المال، قالت : فوضع يده، فقال لا بأس، إذا كان تر لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، قالت : والله ما ترك لنا شيئا وغنما أردت أن اسكن الشيخ بذلك).
وحققت وجودها في عمر حين كانت بتأثيرها العقدي في نفسه ذلك (الديناميت) الذي هزه هزا، ورماه كالقذيفة إلى دار الأرقم يعلن إيمانه لنبي الإسلام الذي لم تعد يومئذ في الأرض نسمة أحب إليه من نفسه كما قال، ويشهد معلنا أمامه أن لا اله إلا الله، وأن محمد رسول الله، فيهز محمد ومن معه من الصحب القلائل المختفين هزا، ويرفعون التكبير قائلين (الله اكبر) ثم يقول السنا على الحق يا رسول الله أن متنا أو حيينا ! قال بلى ! والذي نفي بيده إنكم لعلى الحق أن متم وان حييتم، قال عمر ففيم الاختفاء، والذي بعثك بالحق لنخرجن، ويخرج الجميع مهللين مكبرين لهم كديد ككديد الطحين، فنراهم قريش، وتصاب يومئذ بكآبة لم تصب بمثلها من قبل.
وكما حققت هذه العقيدة وجودها في عمر بعملها العقدي في نفسه، فقد حققت وجودها فيه بتأثيرها التربوي في سيرته، حين صبرت منه ذلك الحاكم القوي الذي (فتح الفتوح، ووضع الخراج، ومصر الأمصار، واستقضى القضاة، ودون الدواوين، وفرض الأعطية...
وحققت بوجودها في المستضعفين من المؤمنين الأولين عند ما تركزت في قلوبهم وامتزجت بدمائهم وأعصابهم وتحملوا من اجل الثبات عليها من ألوان العذاب ما كان به صناديد قريش يجرونهم فوق رمال الصحراء، على ظهورهم وصدورهم الحجارة المحماة، وهم صامدون صابرون وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ينشدهم بلال تحت السياط نشيد الإيمان مرددا «احد أحد».
وحققت وجودها في سليمان الفارسي الذي كان إذا سئل، ما نسبك ؟ أجاب : نسبي الإسلام.
وحققت العقيدة الإسلامية وجودها في غير أولئك وهؤلاء في قادة الإسلام، وساسته وحكمائه وعلمائه ورجاله الفاتحين في كل بقعة حلها الإسلام فكونوا بذلك (تاريخ الإسلام)
فمن قلوب رجال الإسلام، من أخلاقهم، من سيرهم، من أعمالهم، حققت العقيدة الإسلامية وجودها في المجتمعات الإسلامية، حققت وجودها في عهد النبي في الجزيرة العربية فقلبت أهلها من أولئك الأعراب الجفاة المتناحرين الأشد كفرا ونفاقا، إلى أولئك المسلمين المؤمنين الموحدين الأكمل تهذيبا وخلقا، وصيرتهم كما وصفهم جعفر بن أبي طالب عند ما سأله ملك الحبشة عن حقيقة هذه العقيدة التي فارقوا فيها دين آبائهم، وهجروا من أجلها أهلهم وأوطانهم، فقال (كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم، والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور واكل أموال اليتيم وقذف المحصنة وان نعبد الله وحده لا شريك له).
ثم حققت هذه العقيدة وجودها في الشام والعراق ومصر في عهد الخليفتين عمر وأبي بكر، ثم انتشرت بعد شرقا وغربا من جبال القوقاز إلى شاطئ الأطلسي، إلى المغرب العربي، على هذا البلد، حيث حملها أولئك الفاتحون الأطهار، والمؤمنون الإبرار، الذين قطعوا الفيافي، وجابوا القفار، لا يحدوهم مطمع، ولا يحفزهم غرض، فانحون أطهار، لم يكن غرضهم من فتح هذا البلد فتح كنوزه وخيراته واستثمار أراضيه واستعمارها، وإنما كان غرضهم أسمى من ذلك كله. كان غرضهم أن يفتحوا قلوب أهله ليغرسوا فيها مبادئ قدسية سموية، هي عقيدة الإسلام.
إن العقيدة الإسلامية التي حققت وجودها في المغرب الإسلامي بفضل جهاد أولئك الفاتحين الروحيين الأبرار، هي العقيدة الإسلامية التي جعلت منه أمة، وكونت له تاريخا، وأسست له دولة، وخلدت له مجدا لا يزال في التاريخ يذكر ويعبر، ففي هذا البلد حقق الإسلام وجوده في المغاربة الذين اعتنقوه فكانوا به المغاربة المسلمين، الأبطال العظام، رجال الفتح والإيمان، الذين رسخت عقيدة الإسلام في نفوسهم، ثم حملوا بعد مشعلها، يضيئون به ما حوالي هذه البلاد من أصقاع وبقاع. في هذا البلد حقق الإسلام وجوده في الفريق الأول الذي عبر بحر الزقاق إلى الأندلس بقيادة طارق، ثم احرق ما عبر به البحر من سفن، لأنه عبر البحر وليس من أمله الرجوع إلا أن تخفق راية الإسلام فوق الجزيرة أو تكون الجزيرة قبورا لرفاتهم، كأبرار شهداء في سبيل العقيدة والمبدأ فكانت لهم الغلبة، وكان لهم النصر، وكان لهم الفتح، وكان لهم أن كونوا في تلك البلاد فردوسا ارضيا لا تزال آثاره مائلة حية ناطقة لمجد الإسلام هناك.
وفي هذا البلد حقق الإسلام وجوده في الفريق الثاني الذي عبر البحر ثانيا بقيادة يوسف بن تاشفين، وضربوا النصرانية في وقعة الزلاقة ضربة مدوا بها من عمر الإسلام ومن مدنية الإسلام في الجزيرة الأندلسية ما يزيد على أربعة قرون.

لقد كان للعقيدة الإسلامية من الأمجاد في هذا البلد، وفي غير هذا البلد، ما هو في التاريخ القديم والحديث مسطور، واعترف به البعيد والداني، والعدو والصديق، ولقد حاول المستعمرون الاروبيون أن يطفئوا نور هذه العقيدة السامية المبدأ في عالم الروح، المحققة الوجود في التاريخ الحي، في كل ارض حلتها أقدامهم في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، بعد أن اخفق أجدادهم في القضاء عليها بحملاتهم الصليبية في القرن الثالث عشر. اسمعوا إلى الجنرال الانجليزي اللور اللبني يفصح في نهاية الحرب العالمية الأولى عن أن تلك الحرب لم تكن بالذات حرب الحلفاء للألمان، ولكنها كانت في المقصد والغاية حرب النصارى للمسلمين، أليس هو القائل في خطبته بعد أن وطئت بالغدر والحيلة والمكر أرض فلسطين (الآن انتهت الحروب الصليبية !!) ؟ ثم ألم يصرح زميلاه الفرنسيان في تلك الحرب كورو وكوابي، أن الجنود الفرنسية التي دخلت دمشق بقيادتهما قد أخذت النار لأجدادهم الصليبين في ارض الشام ؟ ثم ألم يحاول المستعمرون الفرنسيون بالعمل على تطبيق سياستهم البربرية في الجزائر والمغرب القضاء على عقيدة الإسلام، وتعاليم الإسلام، وقوانين الإسلام، في الأغلبية الغالبة في مسلمى هذه البلاد ؟ ثم الم يصرح المشرعون والقانونيون الفرنسيون في بدء الاستعمار الفرنسي للأقطار المغربية، بأنه لا يثبت للتشريعات والقوانين الفرنسية أي وجود في هذه البلاد ما دامت فرنسا لم تعمل على إحلال الكنلكة محل الإسلام في دنيا الشمال الإفريقي ؟ وها هي فرنسا لا تزال في الجزائر تبدل الجهد عبنا لتقطع من أراضي الإسلام تلك الأرض.
أجل لقد بذل المستعمرون الاروبيون في العصر الحديث أكبر المجهودات للقضاء على العقيدة الإسلامية في جميع بلاد الإسلام، بقوتهم العسكرية، وبدعايتهم التبشيرية، وبأساليبهم الساسية، كما حاول أجدادهم من قبلهم القضاء عليها بحملاتهم النصرانية الصليبية، ولكن الله آبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون والمستعمرون.
في جميع ادوار التاريخ، في هذا البلد، وفي غير هذا البلد، وفي غير ما دولة، وفي غير ما موقف، في عالم الفكر، وفي عالم الروح، وفي عالم الصراع، حقق الإسلام وجوده كعقيدة خالدة في التاريخ الحي.
فهل سيحقق مسلمو اليوم بإحياء مثله العليا في نفوسهم، وأخلاقهم وسلوكهم، وجودهم في التاريخ المعاصر كمسلمين...؟ 


                                                                                                               

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here