islamaumaroc

استقلال جميع العرب

  الفاروقي الرحالي

1 العدد

ليس للحياة من مزية واعتبار إلا عند ما يشعر المرء بعزة قومه وكرامة وطنه، وليس للحياة من نفوذ ولا وجود إلا إذا كان في العمل إحسان، وبني على سمو الروح ورسوخ العقيدة وهداية الدين، وعلى معرفة وخبرة بحيث يكون المرء في مأمن من نزوات النفس وشهواتها، وبمنجاة من كثرة أغلاطها وأخطائها، وإذا كانت الحياة تستمد نشاطها مما تحس به من رعاية واحترام، وامتلاك للحقوق وأخذ بالزمام، فلها بهجة ورونق وسر وبهاء، وإذا كان العمل يقوم على تلك الأسس فله أثر عميق وذكر ملموس وسعادة دائمة. ثم الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات، والأمور تبنى على أغلب الوجوه والاعتبارات. فالعمل الواحد قد يكون عملا صالحا يثاب عليه المرء ويؤجر، وقد يكون سيئا وآثما، وليس ذلك إلا بحكم النية والقصد. فجدير بالعاقل أن ينظر في قصده من عمله في هذه الحياة الدنيا التي خلقت على الامتزاج بين طرفين، ووضعت على الاختلاط بين حالين، حال الألم والأمل، والخوف والرجاء، والراحة والعناء، والنعيم والشقاء.

فلا يصفو مشربها ولا يلذ مأكلها، ولا يحيا الإنسان كما يريد أن يحيا، فكل المصالح لا تخلو من مشقة، وكل المفاسد لا تخلص من ملذة، فالمصالح والمفاسد ممتزجتان، والمشاق والملاذ متصلتان.

وإذا بنيت الحياة على هذا الغرار وأقيمت على هذا النظام. وكانت مكتظة بالمحن والآلام، وعامرة بالأماني والآمال، فالإنسان يتدحرج فيها دائما بين حالين، ويعيش بين قدرين، لا علم له بعاقبة أمره، ولا بمآل حاله، والأمر كله غيب عنه لا يعلمه إلا من يعلم غائبات الأشياء وعواقب الأمور وهو أجس الصدور، وإذا فما على المفكر إلا أن يذهب في الوجه الغالب ويسير في الطريق المعبد والصراط الممهد وهو ما أمرنا بالعمل لأجله، ذودا عن شرف الإنسانية وحفظ كرامتها، وخدمة للمصالح الكبرى والمقاصد العليا، ودفاعا عن الحق حتى يقوم في نصابه، وإنقاذا له من عبث المفسدين وغلو المستكبرين الذين لا يهمهم إلا طاغوت المادة وناموس الشر، والشر لا يأتي إلا بالشر، ومنذ كان الاستعمار وهو شر على الإنسانية، وفتنة وبلاء على البشرية، منذ كان وهو يرمي إلى هدفين وغايتين: الأولى هتك الكرامة والتلاعب بالميزات التي تميز بين أمة وأخرى.

 والأمم تختلف تقاليدها وعاداتها وتختلف نحلها ومللها، والثانية استغلال الكنوز والاستيلاء على جميع الموارد.
 وعلاج الأولى يكون بالاجتماع والتناصر، فإن الذي مكنه من الإيقاع بهذا ثم بالآخر، وهلم جرا، هو التخاذل بين الناس، ولو نصروا الأول ووقفوا بجانبه لوقف الشيطان من أول أمره.
والاجتماع كان وما زال ركنا من أركان الحياة وسرا من أسرارها، ووسيلة إلى الخير والبركة، وسلما إلى العز والرفعة، ومادة للسيادة والسعادة، وفيه معان وخواص لا توجد في التفرد والتفرق، وعلاج الثانية هو تعلم ما تتوقف عليه الحياة الحاضرة من علوم وصناعات لأن استغلاله واستيلاءه كان بحجة جهل أبناء البلاد. وتعلم العلوم الحديثة والصنائع الثقيلة لا مناص منه طبعا وشرعا، كيف وهو من باب الدفاع الواجب على المواطنين. ولكن بعض المغرورين والمخدوعين ظنوا أن الحضارة هي التخلق بأخلاق الغرب والتعلق بأهوائه وعوائده، وهو ظن قبيح وغلط فاحش.

إنما الحضارة في تعلم العلوم والصناعات المختلفة التي أضعناها وفي الإيمان بالله وبالقيم المعنوية التي فقدناها، وإن الاستقلال الحقيقي لا يتم إلا إذا شمل جميع الجسم العربي الممتد من الشرق إلى الغرب. فاستقلال جميع العرب هو الكفيل بحفظ مصالح العرب، ولا سبيل للقضاء على السياسة العمياء، إلا بالتسلح بسلاح الوحدة الذي لا يفل، والاستمرار في الكفاح والتضامن الذي لا يمل، حتى تنكص هذه السياسة على عقبيها، وحتى تدرك خطر ما اقترفته بيديها. فعلى المسلمين أن يعملوا لخير الإسلام ويهتموا بمصير المسلمين، ولا سيما المغرب الذي أبلى بلاء حسنا، وناضل نضالا متواصلا، يليق بمجده وتاريخه. وما دام شعب الجزائر وهو بين المغرب وتونس منغمرا في معركة حياة الحرية والغاصب مكابرا ومعاندا في هذا الحق، فالاستقلال لم ينته بعد، والمعركة مازالت مستمرة، والمسلم أخ المسلم في الخير والشر. وقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (ما لي أراكم عزين) يعني متفرقين. والتخاذل كما يكون بين أفراد الأمة الواحدة يكون بين الشعوب المسلمة  فلا يجمل بالعرب ولا بالمسلمين أن يخذل بعضهم بعضا في هذه المعركة التي تصفي الحساب بين الغاصبين والمغصوبين والله يبشر المستضعفين وينذر الظالمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here