islamaumaroc

حول عمليات زرع الأعضاء البشرية..

  دعوة الحق

73 العدد

بعثت سفارة المملكة المغربية بلشبونة إلى وزارة الشؤون الإسلامية بسؤال يتعلق باستئصال أعضاء أو خلايا جسمانية من جثت الموتى بقصد تلقيحها لأشخاص أحياء يمكن معالجتهم بهذه الطريقة.
وبما أن هذه العملية كثيرا ما تجعل المختصين أمام نظريات تستند على أحكام دينية، فإن الجمعية الأكاديمية لكلية الحقوق بلشبونة تريد أن تعرف النظر الإسلامي والفكر الديني في الموضوع.
ولقد تفضا فضيلة الأستاذ السيد محمد الطنجي فأجاب مشكورا عن هذا السؤال الذي أحيل على وزارة الأوقاف لتجيب عنه.

وقع السؤال عن قضية استئصال أعضاء أو خلايا جسمانية كم جثت الموتى بقصد تلقيها لأشخاص أحياء يمكن معالجتهم بالوسائل الجراحية على هذه الطريقة ؟.
ومن المعلوم أن هذه القضية إنما ظهرت للوجود عند تقدم الطب في العهود الأخيرة، هذا التقدم المدهش، فكثر السؤال حولها خصوصا من المتدينين وبما أن الدين الإسلامي دين اجتماعي يلزم تحكيم شريعته في جميع الحالات، كان من المناسب تنوير الرأي الخاص بوجهة نظره في هذا الموضوع المصلحي العام.
وبالرغم عن عدم إطلاعي على وجود نص في هذه النازلة بالجواز أو المنع فسنحاول استطلاع قواعد الشريعة الإسلامية في بعض توجيهاتها عسى أن نجد ما يكشف لنا بعض الغموض في هذه القضية.

هل للموت حرمة :
من المعلوم في شريعة الإسلام أن للموتى حرمة وهذه الحرمة تقضي بعدم إذايتهم بتشويه خلقتهم بالقطع والبتر في حالة الاختيار، فقد ثبت وصح عن النبي (ص) قوله كسر عظم الميت ككسره حيا. يعني فكما يمنع التعدي على الحي بكسر عظمه كذلك يمنع التعدي على الميت ويفهم من هذا النهي عدم إذاية الميت إطلاقا بل تتعدى الحرمة إلى احترام قبره فضلا عن ذاته فلا يمشي على قبره ما دام به ولا ينبش قبره في قبر غيره، يقول خليل في مختصره الذي به الفتوى : والقبر حبس لا يمشي عليه ولا بنبش ما دام به إلا أن يشح رب كفن عصبه أو قبر يملكه أو نبي معه مال. ويسمو خيال الشاعر أبي العلاء المعري فيطلب تخفيف الوطء على الأرض احتراما لأجساد آبائنا وأجدادنا لأن أديمها تكون من اجساد الموتى على تطاول الأزمان حيث يقول :
صاح هاذي قبورنا تملأ الرحــب                فأين القبور من عهد عاد
سر أن اسطعت في الهواء                      رويدالا اختيالا على رفات العباد
خفف الوطء ما أظن أديم الأر                  ض إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدم العهــد هو                   أن الآباء والأجداد
بل عن الإسلام يحترم حتى أجساد أعداء دينه فيمنع التمثيل بقتلى الأعداء في الحروب المشروعة فلا تشوه خلقتهم بقطع أعضاء مهما كانت إلا في حق المحاربين الذين يسعون في الأرض فسادا كما في الآية : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. ويقول السيهلي في توجيه حكم الآية في أحد جوابيه : إنما قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف لنهم فعلوا ذلك بمن اعتدوا عليهم. وقد ذكر خليل من الأشياء الممنوعة في الحرب المثلة، قال شارحه الحطاب نقلا عن الأقفهي أي يحرم أن يمثل بالمقتول، قال في الاستذكار (وهو كتاب للحافظ ابن عبد البر) : والمثلة محرمة في السنة المجمع عليها وهذا بعد الظفر وأما قبله فأنا نقاتله أي المحارب بأي قتلة أمكننا انتهى كما صحح السهيلي حديث النهي عن المثلة عن ابن عبد البر، وقد ذكر خليل من أفراد هذا القبيل المحرم الممنوع حمل رأس لبلد أو وال قال شارحه المواق نقلا عن مجنون : لا يجوز حمل الرؤوس من بلد إلى بلد ولا حملها إلى الولاة، وكره أبو بكر حمل رأس العرفط من الشام وقال هذا فعل الأعاجم انتهى.

حرمة الموتى أمام حالة الاضطرار :
وهكذا كله في حالة الاختيار، أما في حالة الاضطرار فقد يجوز تعدي هذه الحرمة في حق الحي والميت على السواء وقد يتحتم ذلك في بعض الأحيان كحالة موت امرأة حامل والولد يتحرك في بطنها جاوز الستة أشهر فيشق بطنها ويخرج منها الولد لأن القضية تتعلق بإنقاذ نفس من الموت المحقق، وقد ذكر هذه القضية الحافظ ابن حزم مستدلا بقوله تعالى (ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا) ثم قال : ومن تركه عمدا حتى مات فهو قاتل نفس.
أما كيفية شق البطن وإخراج الولد فهي من اختصاص الطبيب الجراحي، وأن كان ابن حزم يرى أن يشق بطنها طولا.
نعم قد تعرض الحافظ ابن حزم لمسألة «المحلى» : من بلع دينارا أو لؤلؤة ثم قال ولا يجوز شق بطن الحي لأن فيه قتله ولا ضرر في ذلك على الميت ولا يحل شق بطن الميت بلا معنى لأنه تعد وقد قال تعالى : ولا تعتدوا، انتهى فهو يرى أن لا ضرر على الميت في شق بطنه لأجل إخراج دينار منها وشأن الدينار حقير بالنسبة إلى المسألة التي نحن بصددها، كما أنه لا يجيز شق بطن الميت بلا معنى فيفهم منه انه إذا دعت الضرورة والمصلحة الشخصية أو الاجتماعية إلى قطع عضو من الجسم فقد بحكم له بالجواز بل الوجوب في حق الحي إذا بلغت الضرورة حد الخطر على نفسه وتلك شريعة الحياة فإننا ترى الإنسان إذا أصابته آفة في عضو وحكم علم الطب بوجوب قطعه وبتره حفاظا على حياة صاحبه فإنه يذهب لهذه الضرورة الحتمية ارتكابا لأخف الضررين جريا على القاعدة الشرعية المعروفة (إذا تعارض ضرران ارتكب أخفهما) فهذا العمل يجب عليه درءا للخطر عن نفسه وسعيا وراء جلب المصلحة لها واتباعا لآية التشريع الحكمية : (ولا تقتلوا أنفسكم أن الله كان بكم رحيما).
وكما للإنسان حق التصرف التام يرشد في ماله الذي هو مفارق لجسده فإنا نرى له الحق في حفظ ذاته وصيانتها حتى بعد مماته، لأن الشريعة التي أعطت هذه الحرية وهذا التكريم لبني آدم في جميع حالاتهم، لا يوجد فيما نعلم ما يمنع استمرار هذا التكريم وهذا الاحترام بعد الممات.

استثناء حالة التطوع :
نعم إذا اعتبر الإنسان نفسه مندمجا في الحياة الاجتماعية وعضوا حقيقيا منها وتطوع في حالة حياته وأوصى أنه إذا مات وانقطع عمله فإنه يتبرع باستعمال بعض أعضاء جسمه أو خلاياه لنفع أخيه في الدين أو في الإنسانية عملا بالحديث الصحيح (لا يومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). حتى يدفع الخطر عن أخيه ويجلب المنفعة له فإن هذا العمل قد يحكم له بالجواز وكذلك قد يمكن اعتبار المجريم، المنفذ فيهم حكم الإعدام بالشنق إذا أساءوا حقيقة للإنسانية وتجاوز الحدود بالسعي بالفساد في الأرض، نقول يمكن اعتبار فقدهم للحرمة الإنسانية لأنهم انتهكوا حرمتها وحرمتهم الإنسانية بأفعالهم الشيعة في المجتمع،وقد يضطر الإنسان لعدم الحفاظ على الميت كمن مات وهو مسافر في باخرة فإن إخوانه يكفنونه ويلقونه في البحر تمزعه الحيتان كما قال خليل : ورمى ميت البحر به مكفنا إن لم يرج البر قبل تغيره. فتضيع جثته بدون فائدة.
ومن جهة أخرى قد يقول بعض العلماء أن العضو بعد انفصاله من الحي أو قطعه من الجثة يكون في حكم الميتة فلا يجوز استعماله، فنقول أولا أننا في حالة اضطرار كاستعمال الدم بحقنة في حالة إنقاذ المصاب بنزيف، ونقول ثانيا أن العضو عندما يستعمل وتعود إليه الحياة يتغير حكمه مثل الخمر إذا تخللت وصارت خلا أو خللت بصناعة، وقد يستأنس لهذا برد الرسول لعين الصحابي قتادة بعد انفصالها من جسمه فصارت أحسن عينيه فيما بعد حيث استرجعت حيويتها.
وهذا رأيي الخاص في هذه القضية، ونظرا لعدم وجود نص من الشريعة أو لعدم إطلاعي عليه يمكن أن يوجد من يؤيد هذا الرأي من العلماء، كما يمكن أن يوجد من يخالفه لاعتبارات يراها والله الموفق للصواب.       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here