islamaumaroc

حصة الحديث (أشدكم بلاء الأنبياء)

  دعوة الحق

73 العدد

1) أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلي الرجل على حسن دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة.
                                                                                 حديث شريف

قامت الأديان السماوية على الإيمان بخالق الأكوان وحده لا شريك له، وعلى سمو المبادئ وأصول الأخلاق الفاضلة وحب الخير العام لجميع البشر واجتناب الشر ومقاومته حيث كان، بحيث يصير المتمسك بتعاليمها مثالا حيا للكمال الإنساني، ولكن غرائز البشر الجامحة في اتباع الشهوات كثيرا ما تصرف بعض الناس أو أكثرهم عن الاتجاه القويم الذي رسمته الأديان وشرائع الله، فتتجدد رسل الهداية إلى الخلق حتى تكبح جماعة المنحرفين وترشد الضالين. وبقدر اختلال تعاليم الأديان الصحيحة السليمة بين البشر في مختلف أدوار التاريخ كانت مهمة الرسل أولي العزم وأتباعهم المتفانين في المحافظة على شرائعهم شاقة وصعبة، وكان ابتلاؤهم واختبار نفوسهم في التبريز في الميادين الإصلاحية بالغا، وتزداد هذه المشقة والأهمية بقدر تنوع ميادين الإصلاح.
وشريعة الإسلام التي جاء بها خاتم النبيئين في نظر الباحث المنصف أوسع الشرائع السماوية موضوعات وأعمها تناولا لشؤون الحياة البشرية ذلك أنها جاءت لأمور:
أولا: لإصلاح العقائد الفاسدة ومحو الوثنية والشرك  وتكسير الأصنام والمعبودات غير الإلاه الواحد سواء كانت بشرية أو حجرية، وذلك لا يكون إلا بوسائل كتحرير العقول ومحو الأوهام واقتلاع جذور الخرافات من المجتمعات البشرية، ومن المعلوم أن العقيدة إذا تمكنت من النفوس، سواء كانت صحيحة حقا أو فاسدة باطلة، تصعب إزالتها ومحوها وغرس عقيدة جديدة في مكانها، ولذلك تحتاج الدعوة إلى صبر وثبات راسخ سمي أصحابها، من رسل الله الأقوياء بمعنوياتهم، بأولي العزم. وكثيرا ما وردت الآيات بتقويم عزم الأنبياء والتنويه بصبرهم، كما قال تعالى مخاطبا رسوله الكريم: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل) [الأحقاف: 35‏]، ِوكان الله يسلي نبيه بأن الرسل قد كذبهم قومهم قبله، ثم آمن الذين كتب الله في قلوبهم الإيمان، قال تعالى: ((وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ، وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ، وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ. وَكُذِّبَ مُوسَى... ) [الحج: 42-44‏]، وخاطبه بقوله:
(فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر: 8‏]، وقال: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف: 6‏].
ثم بين الله لنبيه أن مهمته هي التذكير وتبليغ الشريعة، وأنه ليس مسؤولا عن القوم المكذبين بعد تبليغهم دعوة الإسلام (ما على الرسول إلا البلاغ) (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) [الغاشية: 21-22‏].
ثانيا: جاءت الشريعة الإسلامية بعد عقيدة توحيد الخالق بتبين العبادات التي يستحقها الخالق من صلاة وصيام وزكاة وحج لمن استطاع، وهذه مع التوحيد والشهادة بالرسالة هي قواعد الإسلام الخمس التي يلزم كل مؤمن أن يقوم بها. وقد دأب الرسول عليه السلام على إقامة هذه القواعد منذ فرضها الله عليه وعلى أمته، يعلمها قولا وعملا ويبين فوائدها ويحافظ على أركانها وشروطها ويؤسس المساجد للصلاة التي هي روح العبادة، حتى كانت الصلاة والتوجه بخشوع وخضوع وإخلاص لله هي قرة عينه عليه السلام. ثم بعد التوحيد والعبادات التي تزكي النفوس وتطهرها وتهذبها يأتي دور الأسرة البيتية والمعاملات وما تتطلب من تشريعات في الأحوال الشخصية والأمور المدنية والجنائية ومحاربة المنكرات ومفاسد الأخلاق والأمر بالمعروف ومحاسن الأخلاق ونشر الفضيلة، حتى يتكون المجتمع الإسلامي فاضلا طاهرا بعيدا عن الفواحش والرذائل متحليا بأجمل الفضائل، له تقاليد صالحة وآداب في المعاملة والسلوك ناجحة تجلب إلى النفوس الاطمئنان والاستقرار وتجعله راسخ القدم في العدل والمروءة والتعاون على البر على مر الأعصار.
وهذه المهام لا ترسخ في أي مجتمع إلا بجهاد وابتلاء في معركة التشييد والبناء حتى تتوحد به أهداف الأمة وتشيع فيها الفضيلة والعدل والرحمة بتربية جميع أفراد المؤمنين على فعل الخير وحبه، فتتماسك أجزاء المجتمع حتى يصير كالجسد الواحد كل عضو له وظيفته الخاصة في دائرته ومحيطه تتعاون مع الأجزاء الأخرى على سلامته وحفظه، وهذا هو مثل المجتمع الصالح المتعاون على الخير الذي يريد الرسول الأكرم أن يكون عليه مجتمع الأمة المحمدية كما يرشد إليه قوله: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائره بالسهر والحمى.
وهذه الإلمامة القصيرة تبين لنا عقيدة المجتمع وتبليغ الشريعة وتربيته على تقاليد وآداب جديدة لم يألفها من قبل هي أشق مهمة في الحياة البشرية إذا تكلفت بها جماعة، فما بالك إذا بعث بها أفراد مخصوصون في أحقاب من التاريخ لا شك أن كفاحهم من أجل تغيير أوضاع الحياة في المجتمعات بإحداث هذه الثورات الاجتماعية الكبرى هو أشد البلاء وأعظم الجهاد، ولذلك كان هذا الكفاح العظيم ظاهرة بارزة في حياة الرسل والأنبياء الذين اختارهم الله لتبليغ رسالته وهداية خلقه، وكثيرا ما أوذوا وقتلوا أو أخرجوا من ديارهم بغير حق، لأن شدة إيمانهم ويقينهم بأحقية دعوتهم تجعلهم حسب أمر الله لا يقبلون هوادة أو مساومة من أي شخص أمام أداء أمانة رسالتهم أو على حساب المبادئ التي يدعون إليها، فالأمر لله يضعه حيث يشاء. ولا يقبل الرسول من أي شخص أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ويحسب من أتباعهم من أي طبقة كان، بل يجب الإيمان بجميع الشريعة والعمل طبق هذا الإيمان العام الشامل الذي يشمل العقيدة والقول والعمل، طبق الحديث الصحيح: إن للإيمان شعبا وإن أعلاها كلمة التوحيد وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وعلى أساس (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ‏؛ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[الزلزلة: 7-8] فللمؤمنين دينهم اعتقادا وأقوالا وأعمالا وأحكاما وسلوكا وأخلاقا، وللكافرين دينهم بما فيه كما قالت الآية: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [الكافرون: 6]، وفي أخرى:(لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) [الشورى: 15].
فالإيمان طيب لا يكون إلا مع الأعمال الطيبة الصالحة إلا إذا حصل عصيان من مؤمن من جهة العمل فهو إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له ما دون الشرك، والكفر خبيث يكون مع ما يجانسه.
ورسول الإسلام أقام يدعو إلى الله ويصبر على أذى المشركين مدة طويلة حتى دخل في دين الإسلام جماعة أمكنها حماية دعوته بالقوة بعد أن أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، فكان إذن الله لنبيه في رد العدوان، فتحول طور الدعوة إلى انتصاف المظلومين من الظالمين، فكان الكفاح وحسن البلاء، والصبر عند اللقاء، وكان في طليعة المجاهدين قائدهم الباسل، ومربيهم الروحي الفاضل، وحاكمهم النزيه العادل، ومبلغ شرع الله الكامل، (محمد رسول الله)، فصدق عليه وعلى جميع إخوانه الأنبياء الحديث الذي جعلناه عنوانا لهذه الكلمة، أشد الناس بلاء الأنبياء، الحديث.
وهذا البلاء يشمل الابتلاء في المعنويات ومشاق تبليغ الدعوة، كما يشمل البلاء في الأبدان بالأمراض التي لا تزري بقدرهم العظيم، وبالصبر على قلة المال، وعلى الزهد في زهرة الحياة الدنيا، كما قال الله مؤدبا لنبيه: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [طه: 131]، وأول من ورث عن النبي العظيم الصلابة في الحق والزهد في متاع الدنيا خليفتاه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، فكانت لهما المواقف التي بيضت صفحات التاريخ الإسلامي بالحق والعدل، والنزاهة والعفة والفضل، وقد أتعبا من جاء بعدهما من الصديقين والأخيار. وحسب المصلحين والقادة المؤمنين أن يجعلوا سيرة الرسول وخلفائه الراشدين منارا يهدون بهديها ويصلحون الأمة بالسير على نهجها، حتى يكون الله بعونه معهم (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)‏‏ [النحل: 128]

1) ذكر هذا الحديث المحدث الشيخ إراهيم المعروف بابن حمزة الحسيني في تأليفه أسباب ورود الحديث. وقال: أخرجه الترمذي والنسائي في الكبير وابن ماجه، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم كلهم من طريق عاصم بن بهدلة عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله عنه، وأورد أوله البخاري ترجمة ولم يخرجه ومن ثم رمز له ابن حجر في ترتيب الفردوس وتبعه السيوطي في جامعيه، (سببه) عن سعد بن أبي وقاص قال : قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال : أشد الناس بلاء الأنبياء فذكره انتهى.
وعاصم هذا هو صاحب الرواية المشهورة في قراءة القرآن، وهو حجة في القراءة. قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: عاصم بن بهدلة وهو ابن أبي النجود بنون وجيم الأسدى مولاهم الكوفي أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة وحديثه في الصحيحين مقرون، من السادسة مات سنة ثمان وعشرين أي بعد المائة، أما مصعب بن سعد فقال عنه ابن حجر في التقريب: مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري أبو زرارة المدني، ثقة من الثالثة أرسل عن عكرمة بن أبي جهل، مات سنة ثلاث ومائة.
أما سعد فهو فاتح العراق واحد العشرة المبشرين واحد الستة الذين جعل عمر الشورى إليهم في تعيين خليفة للمسلمين، وقال عمر في حقه: أن إصابته إلا مرة فذلك وإلا فليستعين به الوالي. مات سنة ست وخميس من الهجرة، وهو أحد أبطال الإسلام. وترجمته تحتاج إلى بسط ليتمعن الشبان المثقفون المؤمنون في عظمة أسلافهم من أبطال أهل الإيمان.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here