islamaumaroc

خصائص المدرسة الحديثة بالمغرب.-1-

  دعوة الحق

73 العدد

لنحاول أن نعطي (لعلم الحديث) تحديدا بناء على تطورات التفكير الإسلامي المعاصر لنظهر مكانته (كعلم) له تأثير عظيم على العقلية الإسلامية في القرن العشرين، ولعل من الواضح أن الإسلام يتبع كعقيدة وإيمان، ويتجدد أيضا في الاستلهام من القرآن، هذا الكتاب المعجز الذي سيظل الحارس اليقظ لتركيز التعاليم الإسلامية، والدفاع عنها في كل عصر ومكان، والقرآن المعجز أوحى إلى النبي إيحاء لا علاقة له بوعي تفكير، وقد استطاع (دونكان بلاك ما كدونالد) أن يشرح بوضوح فلسفي مقنع كيف تتلاءم العقيدة السامية مع العالم المتافريقي، ويحدد مفهوم النبوة تحديدا منطقيا علميا، وبناء على استنتاجه فالإسلام ليس مذهبا لاهوتيا متوارثا، بل هو إيمان يتجدد متماسكا يصوغ حججه بشكل عقلاني متطور(1).
وإذا كان القرآن وحيا إلاهيا لم يشكل العقل الواعي صياغته، فإن أحاديثي الرسول وإن كانت وحيا غير متعبد بتلاوته فإن صباغتها منبثقة عن عقله الواعي، إذ كانت شارحة ومبينة لما أوحى إليه، وأحيانا كانت تعبيرا عن مقتضيات بيئية وعائلية أو تعبير من الصحابة عما فعله أواخره بسكوته مما يؤلف مجموع (السنة) ووجد العلماء الذين أثاروا قضايا مذهبية وإيديولوجية وقانونية وحياتية بصفة عامة (في السنة) مصدرا حيا للإسلام، فكرسوا جهودهم لتحقيق هذا العلم وتصنيفه، واستعملوا مواهبهم العقلانية لتنميته ومناقشته بحرية أمدت التفكير الإسلامي بديناميكية وفعالية وبصلاحية للتطور والتقدم لا حد لها، وبذلك نفذوا إلى الواقع الداخلي للعقيدة الإسلامية وشكلها الخارجي أيضا(2).
واستطاع علماء الإسلام أن يحددوا الضمير الإسلامي بدقة في القرآن الكريم وإن يستنبطوا منه قواعد الإسلام وفلسفته وأن يجعلوا ذلك محكا للسنة فإذا وجدوا ما يخالف (الضمير الإسلامي) حكموا عليه بالغلط في المتن ولو صحت روايته وكانوا غالبا ما يوفقون في طعن السند إذ ضعف المتن، غير أن استغلال المذاهب والفرق (للسنة) في معالجة القضايا الإسلامية أخذ يباعد بين الأصل والفرع أو بين روح الإسلام وبين الدراسة المنهجية للإسلام، سواء في ميدان العقيدة أو ميدان السلوك، وكان المسؤول عن ذلك تعدد النحل والفرق وإثارة قضايا اجتماعية عمل بعض الفقهاء فيها دهاء في الاستنباط بعيدا عن الضمير الحقيقي للإسلام، سيما بعد أن استطاع الفقهاء والمتصوفة أن يهيمنوا على قيادة الفكر الإسلامي ويقصوا غيرهم عن مراقبة تطور الضمير الإسلامي، وكان من نتيجة ذلك أن ظهر رد الفعل في شعارات سلفية تنادي بالرجوع إلى القرآن والسنة وحدهما، كل ذلك لحراسة الضمير الإسلامي الحريص على صيانة الجماعة باعتبارها المجموعة الشعبية الواعية هذا الضمير الذي لا يوضح بالتصويت ولكن بالإقرار والاستقراء الذين تظهرهما الأيام الطويلة الكافية لتحقيق التجربة..
من خلال هذا العرض يتضح لنا موضع (علم السنة) من القيادة الفكرية الإسلامية إذ هناك القرآن النصي المقدس الذي يمد العلماء بالنصوص الواضحة القاعدية لبناء الفكر الإسلامي الذي يسيطر على المرافق الفكرية للأمة الإسلامية وهنا السنة التي تضم إيضاحات وتوجيهات وبيان الأسباب، مما يساعد (المجتهدين) على أن يمدوا الفكر الإسلامي بتطويرات جديدة وهناك (الإجماع) الذي يسير مع القوانين حيث يتقبلها راضيا، ويطورها.
ثم هناك الاجتهاد الذي يقول عنه إقبال هو مبدأ (الحركة) في الإسلام، هذه الحركة التي كانت تسير دوما في المقدمة لتفتح الباب، ولكن مع الأسف فقد سده كلاسيكو الفقهاء خوفا على الذين من بسطاء المفكرين ووضع حد لتيولوجيا رؤساء الفرق والطرق.
فموضوع علم السنة والحديث في المكانة الأولى الذي في وضعه أن يمد المسلمين بسلاح جديد متطور لتكوين مجتهدين يعملون بفكر ناضج في توضيح الفلسفة الحديثة للإسلام وتزويدها بالمقتضيات العلمية على الأسلوب الحديث.
فلم يجد العلماء العقلانيون وسيلة لدراسة الإسلام بحرية إلا في علم (الحديث) أو في السنة حسب التعبير القديم، ذلك لأن قداسة النص القرآني تحد من انطلاقات الفكر، أما أحاديث الرسول الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ففيها يتحرر العقل من القداسة ليناقش حرا، ومن هنا بدأ علم الحديث يناقش القضايا الفكرية عامة، ويعتبره الفقهاء مترفعا فوق المذهبية الضيقة، لا يبخل ولا يضيق بأية مناقشة، ومنها بدأت العناية بمتن الحديث... وكان النظر إلى شخصية الرسول وأعماله وأقواله يدعو إلى انطلاق الخيال الأدبي والتحليل العلمي وتقديم مفهوم خاص عما يجب أن تكون عليه صفات الرسول (ص) الإنسان الكامل بالمعجزة، وبطبيعة الحال تتزايد متطلبات هذا التصور فتبدأ بالطبيعة الحرفية المفعمة بالطاعة وبالعمل لاتباع الخلق الكامل للرسول (ص) مستمدة من كنوز الأحاديث النبوية والأحاديث القدسية وكلماته الخاصة التي لا تنطق عن الهوى، ومن هنا بدأت السيرة النبوية، ثم تطورت إلى علم منهجي.
لقد كانت حياة الرسول (وهي موضوع علم الحديث) مجالا لا حد له لإمداد علم السنة بالآراء والملاحظات التي غمرت الحياة البشرية، فالرسول كان يتحدث إلى الناس في شؤون الدين والدنيا ويعاني التجربة الحياتية في المدينة والقرية والحرب والسلام والمنزل والشارع، فأمدت سيرته التفكير البشري بتفاصيل علمية وأخلاقية واجتماعية وفنية تتصل برقة الذوق في بناء التعمير وتوجيه الري والفلاحة وتتصل بتنظيم المجتمعات وسيكولوجية المجتمع، ما تهتم بالميتفزيقيا وتوضيح القوانين الطبيعية ونواميس الكون، وكل ما يتصل بالإنسان فلذلك كانت (السنة) أعظم موجه ومنظم لحياة المسلم فيما بينه وبين ضميره وما بينه وبين الناس.
وتقدمت دراسة الحديث التي كان هدفها الوثوق بالنص حيث أذكاها ما شاهده العالم الإسلامي من توتر عنيف بين الفرق الإسلامية المتعددة التي وجدت (في السنة) مجالا خصبا لإمداد إيديولوجياتها بحقائق إقناعية لا مرئية ميتافزيقية واتخذ الباطنية من التفسير والحديث وسيلة لنشر مبادئهم حيث لجأوا إلى التأويل غير المشروع(3) أي الذين لا يوافق العقائد الإسلامية مما حدا برجال الحديث أن يضعوا مناهج وإصلاحات للنظر في الأسانيد ومراتب النقلة(4) ويرفضوا رواية المتحزب والمتشيع، ويضعوا قوة كل حديث في مكانتها فمنه الصحيح والحسن والغريب والمشكل إلخ...
واهتم المستشرقون بدراسة (السنة)، والواقع أن هذا الميدان كان عسيرا بالنسبة إليهم فلم يستطيعوا نقد الاصطلاحات الحديثة فقدا علميا، ولم يجدوا في علم السابقين من الإغريق والرومان ما يوازي هذا العلم الذي يذكر ابن حزم في الملل والنحل أن الإسلام وحده يختص بعلم الرواية والسند، لذلك لم يجدوا مجالا لإثارة الشبه إلا فيما يسمى (بعلم الشمائل أي في (شخصية الرسول)) والواقع أن ما أثير من أسئلة لم يشغل الفكر الإسلامي، بعدما اعترف كثير من المستشرقين بان الوسائل العلمية الصحيحة لا يتوفرون عليها لدراسة الحديث بموضوعية وأن عليهم ثقل إعادة. النظر فيما كتب بروح تبشيرية وتوجيهية ليكتب تاريخ الرسول بناء على دراسة سيكولوجية صحيحة كما يقول هـ أجيب.
فمن هذا العرض ظهر أن علم الحديث يشتمل على فروع أربعة يدرس كل واحد منها على حدة، وهي دراسة فن الحديث، دراسة الشمائل النبوية، دراسة السند ومتعلقاته ودراسة أداة الإصلاحية لعلم الحديث أو ما يسمى بمصطلح الحديث.
ولا يهمنا في هذا الموضوع أن نحلل تطور هذه الفروع في بلاد المشرق والمغرب فذلك عسير كل العسر، ويحتاج إلى كثير من الجهد والوقت ولكن يهمنا أن نلقي نظرة على تطور علم الحديث في بلاد المغرب وأن نوضح خصائص المدرسة الحديثة المغربية.
لقد عرف المغاربة بحرصهم على سلامة العقيدة والسلوك الديني، لهذا فقد أخذوا أنفسهم بالشدة في معالجة قضايا الدين واتباع النهج الصحيح فكان مذهبهم مالكيا لأن الإمام مالك كان من المدينة المنورة، ويحرص في مذهبه على تقديم السنة على غيره بعد القرآن الكريم.
كما أن الفقه بالمغرب درس بدقة متناهة وألفت للمدونة شروح تميزت الطريقة المغربية فيها بالحرفية ووحدة المنهجية المتوارثة، فلذلك اعتموا بدراسة المتن لتركيز المذهب الفقهي بالنص الحديثي وكانت عناية مختلف طبقات الشعب فائقة بالحديث حيث يحفظ أقل الناس اتصالا بالأوساط الفقهية طائفة من الأحاديث النبوية، والتعابير الرسولية، التي أصبحت من صميم اللهجات المغربية.
وفي البيئات الدراسية كان للمدرسة المغربية اهتمام بالغ بالمتن فقد درسوا الكتب الحديثة الخمة والموطأ، وكانوا يفضلون كتاب مسلم على البخاري وشرحه المارزي الصقلي(5) ويذكر ابن زرع قصيدة الملزوزي(6) التي تشير إلى الكتب الحديثية التي كانت تدرس في عصره. ورغم شيعة الدولة الإدريسية فقد غمرت فاس بفقهاء قرطبة والقيروان ذوي الاتجاه الحديثي الذي يخفف من حدته إلا استفواء الفقهاء المرابطين من بعد، مما أدى إلى رد فعل عنيف في عصر الموحدين الذين اهتموا بالحديث، ويرجع ذلك لأخذهم بالمذهب الظاهري، ويقول عبد الرحمن الفاسي في كتاب بيوتات فاس أن ملوك الموحدين تحلوا بالمذهب المعروف لهم من إنكار الـــــرأي(7) وقد أمر عبد المومن سنة 555 بتحريق كتب الفروع، ورد الناس إلى قراءة الحديث، وكتب بذلك إلى طلبة المغرب المنصور حيث خافه الفقهاء، ويروى الحافظ لأبو بكر بن الجد أنه لما دخل على أمير المومنين يعقوب أول دخلة وجده وبين يديه كتاب ابن يونس فقال له يا أبا بكر إما انظر في هذه الآراء المتشبعة التي أحدثت في دين الله، أرأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة، أو أكثر من هذا ؟ في أي هذه الأحوال هو الحق ؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد فافتتح أبو بكر ليبين له ما أشكل عليه من ذلك فقال له وقطع كلامه، أبا بكر ليس أبي داود، وكان عن يمينه أو السيف(8) وقد حمل الناس على هذا المذهب بالقوة وشاهد المراكشي إحراق الكتب في شوارع فاس، وكذلك اعتنى الموحدون بطلبة الحديث، ويذكر المراكشي أنهم نالوا في عهد يعقوب المنصور ما لم ينالوه في أيام أبيه وجده(9) وكان يوسف الموحدي يحفظ أحد الصحيحين(10) كما كان المامون معدودا بين حفاظ الحديث بسرد البخاري والموطأ وسنن أبي داود(44) وكذلك كان الأمير ابراهيم بن يوسف الذي قال عنه المراكشي لم أر في العلماء يعلم الأثر انقل منهم له(12) ويدل على العناية بدراسة الحديث قصة امتحان الواردين عليهم من أهله(13) وانتشرت في عهدهم بالخزائن المغربية من كتب الحديث، الكتب الخمسة، وهي : صحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترميذي وسنن النسائي ومسند البزار وموطأ ابن تومرت وأحاديث الجهاد التي أمر يعقوب المنصور يجمعها(14) والشهاب للقضاعي المسمى بشهاب الأخبار في الحكم والأمثال، والأدل من الأحاديث النبوية(15) وبظهور الفرق الصوفية ذات النزعة اللاهوتية أي اللاهوت الصوفي لا الأخلاق الصوفية، واستفحال أمرها، وجد المرينيون أنفسهم أمام واجب رعاية دراسة سنية منظمة فأسسوا المدارس في سائر المدن لتحقيق هذه الغاية، حيث التزموا فيها دراسة الحديث كما في الرسالة المحازة في معرفة الإجازة لابن ميمون(16)، وكانت مجالس أبي عنان وأبي الحسن(17) المريني حافلة بالدراسة الحديثية، واقتفى السعديون منهاجهم فكان بلاط المنصور السعدي حافلا بمجالس سنية لمناقشة موضوعات حديثية، ويذكر القارئ أن بالقرويين حبس خاص لكرسي يدر علليه البخاري بابن حجر حيث كان الونشريشي احد أعلامه وقتل عليه، ولاشك أن النزعة السنية بلغت مداها في العصر العلوي حيث التزم المولى عبد الله 1134 بحضور دروس حديثية في قصره، وألف كتاب الفتوحات الإلهية وأصدر مرسوما لإصلاح التعليم على أساس الرجوع إلى القرآن والحديث(18) واقتفى سيرته عالم الملوك المولى سليمان الذي كان زعيم الحركة السلفية في عصره، ونعثر في ديوان الحوات على قصائ بليغة أنشدت بمناسبة ختم الدروس الحديثة وقد سار على نهجه الملك الحسن الأول والمولى الحفيظ الذي نشر عدة كتب حديثية والمولى يوسف وجلالة الملك المرحوم محمد الخامس رضي الله عنه حيث كانت تلقى في أمسيات رمضان أحاديث نبوية يناقشها كبار العلماء.

(1) ص 32 الاتجاهات الحديثة في الإسلام للمستشرق هـ، أ. جيب.
(2) نفس المصدر ص 36.
(3) Guard Fragment relatif à la Doetrine des Ismaïlites
(4) 209 و(Paris 1874) والغرالي، فضائح الباطنية نشره جولد سهير بليدن ص 13 طبعة سنة 1916.
(5) ص 36 هـ. أجيب. الاتجاهات الحديثة في الإسلام.
(6) قصة الأدب في الأندلس (ص 102).
(7) الملزوزي القرطبي.
(8) العلوم والآداب والفنون لمحمد المنوني (ص 51).
(9) المعجب (ص 185).
(10) المعجب (ص 188).
(11) المعجب (ص 155).
(12) القرطاس (ص 161).
(13)المعجب (ص 207).
(14) عنوان الدرية (ص 161) ونفح الطيب (ص 369).
(15)المعجب (ص 167).
(16) التكميلية لابن الآبار (ص 1608).
(17) ولد ابن ميمون سنة 854.
(18) نيل الابتهاج ترجمة المقري الكبير.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here