islamaumaroc

الإسلام إزاء الفكر الغربي

  دعوة الحق

73 العدد

كان الفكر الإسلامي بلا ريب وبإجماع منصفي الباحثين من المصادر الأساسية، للثقافة الغربية المعاصرة وللفكر الإنساني العالمي الحديث، كما كانت علوم الإسلام من أسس هذه الحضارة.
وقد جحد الفكر الغربي هذه الحقيقة، وحمل على الإسلام حملته الظالمة دون تقدير لأي إنصاف أو رعاية لحق غير منكور وأذاع في لسان أعلامه وكتبه أن الفكر الإسلامي مضطرب وناقص، وأن الإسلام نفسه ملئ بالقصور والعجز على النحو الذي كشفت عنه كتابات فولتير ولامانس وفنسك و... وغيرهم من أقطاب الفكر الغربي الحديث..
وتوالت هذه الاتهامات وتتابعت على ألسنة السياسين ودعاة الكنيسة والتبشير والمؤرخين والصحفيين.
وحاولت أن تأخذ طابع العلم والبحث القائم على الأصول والمراجع والوثائق وهدفها أساسا تأكيد المشاعر الأساسية في النفس الغربية بكراهية الإسلام والحقد عليه واحتقار أهله، وحتى تكون حجابا كثيفا أمام المثقفين فلا يصلون إلى حقيقة الإسلام وجوهره إلا من خلال هذه الأبحاث.
غير أن الإسلام بقوته الذاتية وقدرته الكامنة في أصول واسعة رفيعة قد استطاعت أن تشق طريقها بقوة، وأن تحفر مجرى جديدا في الفكر الغربي، لم يلبث هذا المجرى أن توسع فأصبح تيارا قويا.
لقد استطاع الإسلام عن طريق كتابات الغربيين أنفسهم التي تحمل الخصومة والتعصب أن يكشف عن نفسه، وأن يحمل إلى قلوب الباحثين... المنصفين المتطلعين إلى الحقيقة والذين لم يتورطوا في هوى خاص أو صلات سياسية مع دوائر الاستعمار، ومن ثم اقتحم هذه النفوس والقلوب في بساطة ويسر وإشراق، وتمكن من السيطرة عليها حتى دفع أهلها إلى أن يكتبوا كلمة الحق، وأن يتحولوا عن معتقداتهم القديمة، وأن يؤمنوا به إيمانا كاملا، وأن يثقوا به ثقة فكر وثقافة ومنهم من أنصفه بخير ما انصفه به أهله، ومنهم من آمن به إيمانا واعتنقه سرا أو علانية، وقد آمن هؤلاء وأولئك بأنه السبيل الوحيد إلى خير الإنسانية والنظام الأمثل للحياة البشرية والسناد الحقيقي للحضارة الحيةـ وانه هو الذي يستطيع أن يحميها من الدمار والهزيمة والسقوط.
وبذلك استطاع الإسلام بقوته الذاتية أن يحقق غزوة جديدة للفكر الغربي هي أشد قوة وبأسا من غزوته القديمة التي أنكرها جحود الغرب وأن تجد مجرى قويا لتيار ضخم يرى في الإسلام منقذا من اضطراب البشرية وأمنا لقلق الإنسانية.
وليس معنى هذا أن الفكر الغربي منصف أوانه قد تخلى عن عقائده الأساسية في الإيمان بالوثنية اليونانية والثقافة والرومانية التي صاغ على أسسها «المسيحية الأوربية» التي تختلف اختلافا كاملا وأساسيا عن المسيحية الحقيقة التي نعرفها في الشرق. هذه المسيحية الجديدة التي قادت المعارك الصليبية وحملت لواء سحق كل ما سوى الغرب من قوى، والتي بعدت بعدا كبيرا عن الأسس التي جاء بها المسيح سلاما على الأرض ومحبة للناس...
ولكن معنى هذا التيار هو أن للإسلام قوة ذاتية تفرض سلطانها على العقول المجردة وأن المقارنة المنصفة بينه وبين العقائد تكشف عن جوهره البسيط السمح التقي.   
وإذا كان هؤلاء الكتاب من المنصفين قد حاولوا أن يبرروا غدر المتعصبين من المفكرين فليس معنى هذا أن الفكر الغربي قد تخلى عن تعصبه العميق وحملاته العنيفة وطعناته المستمرة للإسلام وقيمه وتاريخه ولغته وفكره.
ولقد حملت كتابات المنصفين صورة الاعتذار عن عنف الخطأ الذي ساقته كتابات المتعصبين، حتى إن كارليل وهو في مقدمة من تصدوا لكشف الحقيقة يقول : لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدين من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب وأن محمدا خداع مزور، وأن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة فإن الريالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثنى عشر قرنا لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا خلقهم الله الذي خلقنا، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء كذبة وخدعة.
أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدا، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة كان الأولى بها ألا تخلق، فوا أصفاه ما أسوأ مثل هذا الزعم وما أضعف أهله وأحقهم بالرثاء والمرحمة، وبعد فعلى من أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات ألا يصدق شيئا البتة من أقوال أولئك السفهاء فإنها نتائج حبل كفر وعصر جحود وإلحاد وهو دليل على خبث القلوب وفساد الضمائر وموت الأرواح في حياة الأبدان، ولعل العالم لم يرقط رأسا أكفر من هذا وألأم، وهل رأيتم قط معشر الإخوان أن رجلا كاذبا يستطيع أن يوجد دينا عجبا، والله أن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتا من الطوب، فهو إذا لم يكن عليما بخصائص الجير والجص والتراب وما شاكل ذلك فما ذلك الذي يبنيه بيت، وإنما هو نل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد، نعم وليس جديرا أن يبقى على دعائمه اثنى عشر قرنا يسكنه مائتا مليون من الأنفس ولكنه جدير أن تنهار أركانه فيتهدم فكأنه لم يكن، وإني لأعلم أن على المرء أن يسير في جميع أموره طبق قوانين الطبيعة وإلا أبت أن تجيب طلبته وتعطيه بغيته، كذب والله ما يذيعه أولئك الكفار، زخرفوه حتى خيلوه حقا، وزور وباطل وإن زينوه حتى أوهموه صدقا، ومحنة والله ومصاب أن ينخدع الناس شعوبا وأمما بهذه الأضاليل، وتسود الكذبة وتقود بهاتيك الأباطيل، وإنما هو كما ذكرت لكم من قبيل الأوراق المالية المزورى يحتال لها المذاب حتى يخرجها من كفه الأثيمة ويحيق مصابها بالغير لا به وأي مصاب وأبيكم ؟ مصاب كمصاب الثورة الفرنسية وإشباعها من الفتن والمحن تصبح بملء أفواهها «هذه الأوراق كاذبة(1)».
أما «جوستاف لوبون» فإنه يكشف عن عجز النفس الغربية في الاعتراف بالفضل وينعي ذلك عليهم في عبارة صريحة.
«عزيز على أبناء قومنا إن يقرروا بأن الرواية المسيحية لم تخرج من ظلمات الهمجية إلا بفل الكفار وليس بهين قبول هذا الأمر المحض ظاهرا..».
ويقول : «إن استقلالنا الفكري لم يكن في غير الظواهر، وإننا لسنا من أحرار الفكر في بعض الموضوعات...
وقد تراكمت أوهامنا الموروثة في الإسلام والمسلمين بتعاقب القرون فصارت جزءا من مزاجنا وتشبه هذه الأوهام المتأصلة التي أصبحت طبيعة ثانية فينا حقد اليهود الخفي العميق على النصارى. فإذا أضفنا إلى أوهامنا الفاسدة الموروثة بفعل ثقافتنا المدرسية التقليدية البغيضة، وهو أن اليونان واللاتين هم وحدهم منبع العلوم والآداب في الزمن الماضي أدركنا السر في جحودنا العام لفضل العرب العظيم في تمدين أوربا.
ويترامى لبعض الفضلاء أن من العار أن تكون أوربا مدينة في خروجها من دور التوحش للعرب الكافرين ولكن من الصعب أن يحجب مثل هذا العار الوهمي وجه الحقائق.»
ويقول : «والسهولة التي تنتشر بها شريعة القرآن في العالم شاملة للنظر والمسلم حيث يمر يترك خلقه ودينه، الإسلام ينتشر أينما حل ولم نستأصل شأفة الإسلام بعد أن رسخ، ولقد أصاب مسيو دوفال حيث قال : «من فضل الإسلام وإحسانه، زوال الأصنام والأنصاب عن الدنيا وتحريم القرابين البشرية وأكل لجوم الإنسان وحفظ حقوق المرأة وتقيد مبدأ تعدد الزوجات وضبطه وتوطيد أواصر الأسرة وجعل الرقيق عضوا فيها وفتح أبواب كثير لتحريره»، وتهذيب الطبائع العامة ورفع مستواها بالصلاة والزكاة وتثقيف المشاعر بالعدل والإنصاف ولإقامة المجتمع على أسس قوية قويمة.. ومقاومة المنكرات بالعدل الإلهي..»(2).
ويصف خالد شلدريك المستشرق البريطاني المسلم كيف أن كتب الخصومة للإسلام هي التي هدته إلى الإسلام وكشفت أمامه الطريق إلى الحق فيقول : «لم أتلق هذا الدين في أول الأمر من كتبه ولكني تلقيته من كتابات الطاعنين عليه. لقد حملني البحث والتأمل إلى درس الديانات.. الأخرى، فدرست البوذية والبرهمية وسائر الأديان وفي دور الكتب العامة بانجلترا بحوث من كل دين ما عدا الإسلام، فإن الكتب التي ألفت عنه مملوءة بالتحامل والمطاعن والعرض الظالم وزعموا أن الإسلام ليس دينا مستقلا، ولكنه أقوال محرفة عن كتب المسيحيين وقد تساءلت في نفسي، إذا كان الإسلام لا أهمية له إلى هذا الحد فلما ذا هم يبذلون كل هذه الجهود.. للتأمل عليه ومقاومته وتوجيه المطاعن إليه، وقد وقر في نفسي أنه لولا أن الإسلام دين يخشاه هؤلاء الناس ويحسبون حسابا كبيرا لما فيه من القوة... والحيوية، لما بدلوا كل هذه الجهود لمقاومته والطعن فيه وتشويه سمعته، لذلك عزمت على قراءة هذه الكتب التي كتبت عنه واحدا واحدا. والإسلام لا يخفيه انتقاد منتقديه، فمنتقدو الإسلام إنما يظهرون وجهة نظر خصومهن ومن هذا مصلحة له وقوة ودعوة، والحق يبدو مهما حاول المبطلون إخفاءه.»
أما «إميل درمنجم» فإنه يمثل قوة المد في هذه الحركة حيث يعلن في جرأة أخطاء المستشرقين وتجيزهم، ويقول : «إنه لا يوجد أجد في الدنيا أمكنه أن ينكر وجود محمد ولكن وجد من ينكرون بعض ما جاء في ترجمة محمد في الكتب العربية. أما من الجهة الأوربية فقد كانت الأوهام والعدوات الدينية تحول دون درس حقيقي علمي لعظمة منشئ الإسلام».
وقال : «إنه من القرن الثاني عشر إلى القرن التاسع عشر ارتكبت أغلاط كثيرة أمثال باسكال وريموندول وبوستل ورولان ورتان وفولتير ومنتسكيو.
وقال إن أكثر العداوة بين المسيحيين والمسلمين إنما جاءت من المسيحيين وقد أبد هذا (لـ، جوفارا) في كتابه مائة مشروع لتقسيم تركيا.(3)
وقد عاد فولتير فغير رأيه في قاموسه الفلسفي فقال : «لقد نسبنا إلى الإسلام كثيرا من السخافات وهو في الحقيقة خلو منها، ولكن كهنتنا كتبوا كتبا كثيرة في ذم الأتراك، واتفق أن كان الأتراك مسلمين، فأصيب الإسلام على حساب غيره».(4)
واعترف هنري دي سامبون مدير جريدة (ريفويار لمنتر) الفرنسية بالآثار التي عادت مع أوربا نتيجة لتوقف المد الإسلامي في أوربا بعد معركة بواتيه «لولا انتصار جيش (شارل ماتل) الهمجي على تقدم المسلمين في فرنسا لما وقعت فرنسا في ظلمات القرون الوسطى، ولما أصيب بفظائعها، ولا كابدت المذابح الأهلية الناشئة عن التعب الديني والمذهبي، ولولا ذلك الانتصار البربري على المسلمين لنجت اسبانيا من وصمة محاكم التفتيش ولولا ذلك لما تأخر سير المدينة ثمانية قرون، ونحن مدينون للمسلمين بكل محامد حضارتنا في العلم والفن والصناعة مع أننا نزعم اليوم أن لنا حق السيطرة على حميع الشعوب العريقة في الفضائل، وحسبها أنها كانت مثال الكمال البشري في مدة ثمانية قرون بينما كنا يومئذ مثال الهمجية وأنه لكذب وافتراء ما ندعيه من أن الزمان قد اختلف وأنهم صاروا يمثلون اليوم ما كنا نمثله نحن فيما مضى..»
ومصل هذا ما ردده كلود غارير حين اعترف بأنه «أناخت على الإنسانية عام 32 بعد السبعمائة للميلاد كارثة لعلها أسوأ ما شهدته القرون الوسطى، تخيط من جرائها العالم الغربي سبعة قرون أو ثمانية في الهمجية، قبل أن تظهر النهضة هذه الكارثة هي ذلك النصر الهائل الذي أحرزته في بدايته جماعات الهركاس المتوحشين يقودها شارل مارتل على فرق العرب والبربر، في مثل هذا اليوم المشؤوم تقهقرت الحضارة ثمانمائة سنة، وحسب المرء أن يذكر ما كان يمكن أن تصل إليه فرنسا، لو أن الإسلام النشيط الحكيم الحاذق الرصين المتسامح –إذ الإسلام هو كل هذا- استطاع أن ينتزع وطننا فرنسا من فظائع لا تجد لها أسما..»(5)
ولعل هذا الاتجاه يبدو أشد وضوحا حين تعرض لقصة ليون روش السياسي الفرنسي الذي أقام في بلاد الإسلام ثلاثين عاما وتعلم اللغة العربية وفنونها وقرأ العلوم الإسلامية وعاشر المسلمين في الجزائر وتونس، والآستانة ومصر والحجاز، ولندع ايون روش نفسه يروي تجربته كما سجلها في كتابه الصادر 1904 بعنوان «ثلاثون عاما في الإسلام»(6)
يقول : «اعتنقت دين الإسلام زمنا طويلا لأدخل عند الأمير عبد القادر الجزائري دسيسة من قبل فرنسا وقد نجحت الحيلة ووثق بي الأمير وثوقا تاما واتخذني سكرتيرا له، فوجدت هذا الدين الذي يعيبه الكثيرون أفضل دين عرفته، فهو دين إنساني طبيعي اقتصادي، أدبي، ولم أذكر شيئا من قوانيننا الوضعية إلا وجدته فيه «مشروعا» يل إني عدت إلى الشريعة التي يسميها (جول سيمون) الشريعة الطبيعية فوجدتها كأنها أخذت أخذا من الشريعة الإسلامية ثم بحثت في تأثير هذا الدين في نفوس المسلمين، فوجدته قد ملأها شجاعة وشهامة ووداعة وجمالا وكرما، ثم وجدت هذه النفوس على مثال ما يحلم به الفلاسفة من نفوس الخير والرحمة والمعروف في عالم لا يعرف الشر واللغو والكذب.ولقد وجدت في الإسلام حل المسألتين الاجتماعيتن اللتين تشغلان العالم طرا : (الأولى) في قوله القرآن (إنما المومنون
أخوة) فهذا أجمل مبادئ الاشتراكية و(الثاني) فرض الزكاة على كل ذي مال وتخويل الفقراء حق أخذها عصبا إذا امتنع الأغنياء عن دفعها طوعا.
أنه دين المحامد والفضائل، ولو أنه وجد رجالا يعلمونه الناس حق العلم ويفسرونه تمام التفسير لكان المسلمون أرقى العالمين وأسبقهم إلى كل الميادين.
ويكشف حقيقة الإسلام رجل اتصل بأهله قنصلا لبلاده، في تقرير رسمي طبع ونشر عام 1878 هو السر ريتشارد ورد الذي عمل في دمشق والجزائر، يقول في تقريره :(7)
إن من أوهام الناس أن الإسلام يمنع مساواة أهل الذمة بالمسلمين فيما لهم وما عليهم، وينبو عن الأخذ بأسباب التقدم والحضارة لأنه لا يختار انتشار المعارف والتحلي بالعلوم، وهذه الأوهام باطلة.
إن كثيرا من مؤلفي الأفرنج يزعمون أن المسلمين لا يتسنى لهم التقدم.. والارتقاء في معاريج الحضارة ما داموا مقيدين بنصوص القرآن التي يقولون أنها لا تلائم المعارف واكتساب الفنون، وهذا وهم نشأ من الجهل بمقاصد القرآن، ويكفي برهانا على بطلانه تاريخ صدر الإسلام وعناية علماء العرب بالمعارف والفنون ودرسهم كتب الحكماء الأقدمين أمثال أرسطو وأقليدس وأبقرط.. وبطليوس...
وأكبر بواعث سوء الفهم، وهو انتشار الظن في أوربا بان الإسلام دين القوة والسيف، وهذا الظن مخالف للواقع.
والذي يبحث بحثا دقيقا عن أسباب الفتن التي سفكت فيها الدماء في الشرق يعلم أن الباعث الوحيد على حدوتها هو أصبح السياسة الأجنبية التي تنتهز الفرص لإيقاد ثأر الفتنة بين ذوي الأحقاد.
ومن هذا القبيل واقعة الدروز والموارنة، وواقعة الصقالبة، والبلغاريين فقد تبين أن الاعتداء إنما يبتدئ من جانب النصارى (وكان ريتشارد وود قنصلا لدولته في دمشق عام 1860 عند حدوث فتنة الدروز والموارثة).
                                                      ***
فإذا انتقلنا إلى باحث آخر كالدكتور بول دي ركلا نجد ثورة جديدة من صور الدفاع عن الإسلام والاعتراف به على نحو منصف مستنير :
«(8) إنا لنا أن نعرف ويعرف العالم أجمع جوهر هذا الدين لأن معلوماتنا عنه ليست قليلة فحسب بل هي سيئة جدا، وأرى من جهة ثانية أنني أكون أسديت إلى قومي الفرنسيين خدمة جلى إذا أوقفتهم على حقيقة دين جاء بمبادئ فيها كل الفوائد لأعمالهم اللهم إذا انقادوا للحق واتبعوا أوامره الجليلة..
دين يجب أن نكتفي بتسمية دينا وتقف بل لتعطيه اسمه الحقيقي ولتسمه فلسفة دينية فنكون قد أعطيناه مركزه بين الأديان.
ولست بمغال إذا صرحت علنا وقلت إن الإسلام مفتوح بابه على مصرعيه وهو وسع الأرجاء لتلقى الرقي الحديث الذي أنتجته الأجيال الطويلة، وليس كما يزعم البعض بمحدود الدهور، وسبقى خالدة وضاءة الأنوار تكشف كل مدينة تتمحض عنها العصور.
ويكفيه فخرا أنه لا يقر مطلقا بالقاعدة الشاملة (لإسلام خارج الكنيسة) التي يتبجح بها كثير من الناس وقد أظهرت لنا الأيام وخيم عاقبتها.
وهو الدين الوحيد الذي حل بعدل مشكلة حقوق البنين، وواجباتهم باعترافه بالمولود ضاربا عرض الحائط بالترتيب الغريب المخالف لنظام الطبيعة وقواميسها الذي أوجده الدين الكاثوليكي بينهم، فأعطى الأول كل الحقوق وحرم الآخر من كل الحقوق، فعمل كهذا مناف لسنن الطبيعة وجريمة كبرى نقترفها بحق الأولاد غير الشرعيين.
وإن الإسلام هو الدين الوحيد بين جميع الأديان الذي أوجد بتعاليمه السامية عقبات كثيرة تجاه ميل الشعوب إلى الفسق والفجور ويكفيه فخرا أنه قدس الآنال وعظمها ليرغب الرجل بالزواج ويعرض عن الزنا المحرم شرعا وتشريعا.
وإن الإسلام قد حل بعقلية عادلة أغلب المسائل الاجتماعية التي لم تزل للآن تشغل مشرعي العرب بتعقيداتها.
                                                      ***
فالإسلام هو الدين الديمقراطي الوحيد سواء أكان بتعاليمه أم بشرائعه أو بعاداته، فهو لا يعترف مطلقا بالزعامة الدينية، وما الرتب والألقاب سوى نعوت شرقية تعطى لبعض الأشخاص الذين لهم مركز بين في الهيئة الاجتماعية ولا تورث للأعقاب، فالإسلام وهو يرقى مستمر، يستحق ولا ريب أن ندرس تعاليمه من قبل عظماء رجالنا الموكل إليهم أمر نشر نفوذنا ومع الأسف قد أساءوا العمل باحتقاره لأنهم يجهلون جوهره الثمين ومساقون إلى أتباع خطى أسلافهم فهم مقلدون ليس إلا...
ويكشف (إينان دنيه) عن تعصب قومه، في كتابه «محمد نبي الإسلام» فيقول : مضى عليهم ثلاثة قرون وهم يهاجمون هذا الاسم بدعوى أنهم يعدونه أساطير ليقيموا على أنقاضها حقائق وهاهم بعد طول العناء لم يعملوا شيا، وإذا قارنا النظريات الحديثة التي تفتن المستشرقون من فرنسيين وإنجليز وألمان وبلجيكيين وهولنديين وعارضنا بعضها ببعض افتضح حينئذ ما انطوت عليه أقوالهم من اختلاط وتلبيس لأن نظرياتهم مبنية على الباطل ولذلك تولى بعضها تحطيم البعض افتضح الآخر.
فالذي يقول (رنهارت دوزي) في كتابه (مسلمو الأندلس 1-18) من أن محمدا شذ عن قومه العرب بأن له خيالا وأن العرب مجردون من الخيال.. فيمذبه (هنري لامنس) في كتابه (مهد الإسلام ص 4-5) لأنه ينسب فوز الإسلام إلى المطابقة بين محمد وبيئته.
ويذهب (دوزي) إلى أن نبي الإسلام كان سوداويا صموتا يميل إلى النزهة الطويلة بينما (لامنس) يكذب ذلك ويقول : أن هذا الزعم لا يتفق مع نفرة محمد من الوحدة وكراهيته للشك.
والذي يقوله (نولد كه) في الوحي المحمدي يكذبه خويه في (مباحث شرقية ج 1 ص 501) ثم يهدم (سبر نجر) هذين الزعيمين في كتابه (حياة محمد وعمله 1 : 257) ويناقضهم (سنوك هر حرونجه) فيذهب في مجلة تاريخ الأديان (30 : 57) إلى ما يريده.
ويقول (جريميه) في كتابه (محمد ص 15) أن النظام الإسلامي نظام اشتراكي أكثر منه ديني، ويرد (سلو هرجرونجه) عليه بأن اشتراكية الإسلام نشأت من شظف جزيرة العرب، ثم يأتي اليهودي مرجليوت فبرغم أن بداية الإسلام كانت جمعية سرية كالماسونية تأسست في دار الأرقام وأن السلام عليكم شعارها.(9)
وإتيان دينيه مصور فرنسي عاش في شمال إفريقيا واقتنع بحقيقة الإسلام، وقرأ كل ما كتبه المستشرقون عن الإسلام، ورأى كيف تضاربوا ومن رأيه أن الأب لامنس في علم المشرقيات كبطرس الناسك في الحروب الصليبية جهز بهمة لا تعرف الكلل صلبية دعيه في العلم طمعا يصرع افسلام صرعة لا مقام منها.
وأن نقرأ من النصارى في أوربا دانو بالإسلام في الأعوام الأخيرة، ويكثر عددهم على مر الأيام، وأن الكونت هنري دي كاستري قال في كتابه (الإسلام ص 211) «إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا مرتدون فيه».(10)
ويرد درمنجم على لامنس وشيخو في كتابه (حياة محمد) فيقول أن كتب الأب لامنس قد شوهت محاسنها بما بدأ في تضاعيفها من كراهية الإسلام ورسوله فاستعمل في التاريخ طرقا بالغ فيها بالنقد، ومثل لامنس شيخو، فإنه لم يأل جهدا في إثبات دعواه أن العرب قبل الإسلام وبعده لا شأن لهم في المدينة، وإذا كان هناك من حضارة فبثوا بجدتها نصارى العرب.
ويرد فلكس فإلى المستشرق المجري(11) اتهام الإسلام بالجمود فيقول : أن دعوى كون الإسلام جامدا لا يتحرك دعوى لا دليل عليها، والحق إن الإسلام كان في كل عصوره مثالا للحركة الفكرية في التاريخ وأن التشريع في الإسلام ليكشف عن خبايا التشريع الروماني، وقد أقام الدليل على مرونة الإسلام جولد زيهر في كتابه (دروس في الإسلام).
إن الإسلام الذي ليس لانتشاره مثل في تاريخ الإنسانية ليس مبنيا على الاعترافات الدينية.
ومن رأي «فيلكس فالي» أن هذه البعثات التي تذهب إلى الشرق، كانت تصدر حكمها قبل أن تصل إلى بلاد إسلامية، ولهذا كانت آرؤها خطأ لأنهم لم يعرفوا الإسلام إلا من المسيحيين الوافدين من الشام، وكل هم هؤلاء أن يستفيدوا من الآراء الجائرة من الأوربيين أو الأمريكيين ضد المسلمين.
                                                ***
وبعد : فإن هذه النصوص الواضحة الصريحة التي أوردناها لكوكبة من المفكرين والعلماء والباحثين تكشف عن حقيقة ما ذهبنا إليه من أن جوهر الإسلام التقي وقوته الذاتية، بالرغم من الضباب التي رسمت صورته من خلاله، وهذه اتهامات المريرة الذاهبة في إطواء الحقد والتعصب، قد استطاع أن يكشف عن نفسه وأن يدل على مفاهيمه الأساسية. 
ولاشك أن هذه الكلمات تعطي الحقائق الآتية :
* إن كتاب الغرب كانوا متعصبين أساسا في النظر إلى الإسلام ولم يكن لديهم استعداد للإنصاف.
*إن فضل المسلمين على الحضارة الغربية أمر لاشك فيه وأن اليونان واللاتين ليسوا هم وحدهم منبع العلوم والآداب.
* الاعتراف بأن موقعة بواتيه بقيادة شارل مارتل التي أوقفت تقدم المسلمين في أوربا هي التي أخرت سير المدنية ثمانية قرون.
* كرامة المسلمين في فتوحهم واتصالهم بالشعوب وبربرية الغرب في هذا المضمار.
* تقدير ما في أصول الإسلام من حلول لمشاكل الإنسانية في الأخوة والاشتراكية والزكاة.
* بطلان الإدعاء بان القرآن مقيد لطريق الارتقاء والادعاء بأن الإسلام انتشر بالسيف.
* ليس الإسلام دينا فقط ولكنه دين وحضارة ومجتمع.. وأنه دين المستقبل.. وستبقى خالدة وضاءة الأنوار.
* حل الإسلام بعقلية عادلة أغلب المسائل الاجتماعية التي لم تزل للان تشغل مشرعي الغرب.
* اضطراب المستشرقين في آرائهم وبعدهم عن روح البحث العلمي وتعارض آرائهم مما يوحي بأنها مبنية على الباطل.
* الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا مرتدين فيه..
* البعثات التي كانت تبحث عن الإسلام لم تكن تتصل بمصادره الأساسية بل تعتمد على بعض خصومه وعملاء الاستعمار.

(1) كتاب الأبطال تأليف توماس كارليل –ترجمة محمد السباعي- 1911.
(2) حضارة العرب تأليف جوستاف لوبون وترجمه عادل زعيتر- 1945.
(3) حاضر العام الإسلامي، تلخيص شكيب أرسلان لكتاب حياة محمد لاميل درمنجم.
(4) المؤيد – 19 مارس 1908.
(5) ترجمة محمد لطفي جمعه -  البلاغ الأسبوعي (4 سبتمبر 1929).
(6) ترجمت (المنار) هذا الفصل ونشرته م 7 ص 520.
(7) ترجمة السيد محب الدين الخطيب – وطبعته المطبعة السلفية (القاهرة).
(8) مجلة العرفان (صيدا) ص 166م 22 (1931 (13).
(9) 1. ص 262م 18 – مجلة المنار.
(10) آراء غربية في مسائل شرقية (عمر فاخوري).
(11) 2 -9 يناير 1923- جريدة الأخبار.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here