islamaumaroc

شرح آية: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين

  دعوة الحق

73 العدد

هذه الرحمة التي نشرها سبحانه على العباد يبعثه عليه الصلاة والسلام يتوقف اكتناه كنهها وأداء ما تستحقه من الشكر والاغتباط على معرفة الظروف التي حفتها وحالة العالم في مجموعه في القرن السادس للميلاد بالقرب من ولادته صلوات الله عليه وسلامه لذلك رأيت من الضروري إلقاء نظرة عامة على تاريخ تلك الفترة أقدم فيها للقراء صورة إجمالية مما كانت عليه الوضعية الاجتماعية السائدة إذ ذاك عند سائر الأمم، وبعد البحث واستقصاء البحث في كتب التاريخ لم أجد أوقى بالمقصود ولا أروى للغلة من تخليص ما جاء في كتاب المؤرخ الشهير جول لايوم الذي سماه تحليل القرآن (سماه بهذا الاسم لأنه حاول أن يجعل تبويبا للقرآن يجمع فيه الآيات الواردة في كل مقصد بانفراده : كالآيات الواردة في الصلاة والآيات الواردة في الجهاد والآيات الواردة في نظام العائلة والمجتمع وهكذا تسهيلا على الناظرين في الكتاب العزيز) أجاد فيه خصوصا عندما حلى جيده بمقدمة بعنوان حياة محمد استعرض فيها سيرة خاتم النبيئين على الوجه الذي تؤدي به أمانة التاريخ وتقضي به نزاهة العلم. وإلى قراء مجلة دعوة الحق الغراء موجزا من هذه المقدمة :
«في القرن السادس للميلاد بقرب ولادة النبي العربي كان العالم في مجموعه بتخبط في فوضى داخلية وخارجية لم ينج منها لا صغير ولا كبير لا قوي ولا ضعيف، أوربا رمى بها في هذه المأساة عاملان قاهران، الأول ما أورثه الاحتلال الروماني في الشعوب المحتلة الخاضعة لاستبداد حكام روما مدنيين وعسكريين من ضغائن وتشوق للأخذ بالثأر يوما ما والعامل الثاني ما دهم أوربا بوجه عام وروما بنوع خاص من تدفق سيول المم المتوحشة من أرياف آسيا التي جعلت سعارها في الغزو كلمة قائدها الأعلى آتيلا الذي يقول : الموضع الذي يطأه حافر فرنسي لا ينبث فيه ربيع وبالاختصار يقول المؤلف أن الفوضى غمرت الأمم في مجموعها على نسبة تختلف باختلاف طبيعة البلدان وهكذا بقي المؤلف في وصف الحالة لا يخرج من ظلام إلا دخل فيما هو أظلم منه مسميا لمعظم البلدان ولما جرى على ظهرها من وقائع ومآسي إلى أن قال :
تلك هي الحالة التي باتت فيها الأمم وظلت يموج بعضها في بعض الروح السائدة توقع الشر في كل وقت وحين والاستعداد لدفعه أكثر الرؤساء اتباعا أعلامهم صوتا في الدعوة إلى النفير لغاية واحدة تحدو جميع الرؤساء هي السلب والنهب لا قانون إلا قانون القوة الغاشمة على حد ما قيل : تعا لمن غلب ثم اتبع المؤلف هذه الصورة المظلمة التي أناخت بكلكلها على العباد بقوله :
على هامش هذه الاضطرابات بقيت بقعة من بقاع الأرض على الحياد لا يصلها صدى ما يجري وراء حدودها إلا أقل القليل اللهم إلا كان قريبا منها نوعا ما كالحروب التي دارت رحاها بين فارس والروم وذلك لأن طبيعة بلادها التي هي في مجموعها صحاري جعلتها بمعزل عن المزاحمات مما صيرها شبه رمز للفراش الذي سيذوق فيه العباد لذة النعاس أمنة من خالقهم.
بحكم أن الشيء يذكر أقول أن من جعل المقابلة بين حالة الأمم التي وصفها المؤلف وبين جزيرة العرب الهادئة المصونة بصحاريها وجد في هذه المقابلة تطبيقا وتمثيلا لقوله تعالى : «أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم» (سورة العنكبوت الآية 68) ولا عجب في حق كتاب فيه متزله : «ولقد جئناكم بكتاب فصلناه على علم كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير».
بعد استعراض الحالة والوضعية التي كان عليها الناس بقرب البعثة المحمدية تخلص المؤلف إلى الكلام على مولده عليه السلام ونشأته في أحضان عشيرته بني هاشم في لهجة تتم عن نزاهة كبيرة في خدمة العلم وأداء أمانة للتاريخ ثم انتقل إلى الكلام على الحالة الاجتماعية في مجموعها في الجزيرة فقال نقلا عن المؤرخ الشهير دوزي أن ناحية البحرين والعراق كانت خاضعة لفارس وعرب سوريا تابعين للإمبراطورية الرومانية وعرب وسط الحجاز كانوا تحت حكم تبع لقب الرؤساء الحميريين، وفي الوقت الذي ظهر فيه النبي العربي كانت الجزيرة تتقاسمها من الناحية الاعتقادية الديانة اليهودية والمسيحية كلتاها على جانب من القلة والوثيقة التي هي الأغلبية، وكان اليهود شد الجميع تمسكا بدينهم وأشدهم عداء لما سواه لذلك كان اليهود أصل الخصومات والفتن التي تقع في أمر الدين وعى الخلاف من ذلك المسيحيون لسببين، الأول كونهم أقلية خاملة رمى بهم في الجزيرة الخوف من الاضطهاد المتطاير شرره بين الفرق المسيحية، والثاني كون المعتنقين للمسيحية لا يفهمونها إلا فهما سطحيا لما في كهنوتها من غموض وطقوس، لا يفهم الناس القمصود منها.
بقي الوثنيون الذين هم الأغلبية منهم عبدة النجوم كقبيلتي جرهم ولهم وقيس غيلان، ومنهم من يعبد الشمس والقمر والأصنام التي ينحتونها، إلا أن هذه الوثنية لا تصل إلى إنكار الإله، بل الكل يعتقد بوجود خالق واحد وإنما الآلهة شفعاؤهم يتوسلون بها في قضاء حوائجهم، وإلى جانب، هذه المعتقدات كانت لهم عناية كبرى بالمحافظة على أنسابهم، والاعتزاز بها، وكذا بشعائرهم ونبغائهم، تشهد بذلك معلقاتهم العشر وما تركوه من الآثار والمحفوظات عن أمثال كوسان وبرسفال وديفرجي ودوزي.
شاهد القارئ فيما تقدم صورة مما كانت عليه الأمم في مجموعها قبل البعثة المحمدية : من جهة ترى أمما تقودها غرائزها فلا وازع ولا زاجر، أوطانها مسرح للفارات وما يتبعها من مصائب وأحقاد، وليل كما نرى أرخى سدوله بين الخافقين لم يبق فيه للأبصار ما ترى الأحمرة شفق من الإنجيل يهمس بها بعض الرهبان في الأديرة، أقول حمرة شفق من الإنجيل لأن الإنجيل الصحيح المتلقى مباشرة من سيدنا عيسى فقد كما اخبلات به كتب التاريخ منذ القدم، ومن جملة هذه الكتب تاريخ الديانات لصاحبه بياررهم، ونص ما جاء فيه بالحروف : (أن الأناجيل التي بأيدينا اليوم ليست هي صدى كلام المسيح، وإنما هي قصص وأخبار جمعها بعض المولعين بالآثار من أتباع الحواريين وذلك في أواخر القرن الأول للميلاد، ولا واحد من الأناجيل الأربعة تصح نسبته إلى واحد من أصحابه عليه السلام (صفحة 191).
وفي هذا الليل البهيم الذي يصدق فيه قول ذلك الأديب الذي يقول :
لما رأيت النجم ساه طرفه                                  والقطب قد ألقى عليه سبات
وينات نعش في الحداد سواهرا                            أيقنت أن صياحه قد ماتا  
بينما الناس في هذا الليل البهيم التي تاهت فيه نجومه بقطعه المستضعفون وقلوبهم تخفق تطلب وتنتظر الفرج، لاح فجر مولد خاتم النبيئين، وهبت معه نسمات الأسحار بالرحمة والبشائر على حد ما يقول الشاعر الفرنسي الأشهر فكتور هيكو على لسان سيدنا محمد : (بقني عيسى بن مريم كما يسبق الفجر الشمس هو نور ونسيم وأنا نور ونار ك نور للهداية ونار للتطهير وجلاء الصدى عن القلوب) «نقلا عن كتاب حكاية القرون بتصرف خفيف»، وحيث ساقتني صلة الرحم بين الواردات التي تتوارد على ذهن الكاتب إلى الاستشهاد بكتب القوم فهذه ساعة إجابة داعي الضمير إلى إماطة اللثام عن وجه بشرى هي روح وريحان لقلوب المومنين.
جاء في كتاب ما وراء الموت لصاحبه ليون دوني المطبوع بباريو في مطابع جان ميار ص 69 في الفقرة الأخيرة من هذه الصفحة ما نصه على أنه من كلام سيدنا عيسى للحواريين : (سياتيكم المسلي (هكذا) يعاد له عندنا كاشف الغمة) (بقيت عندي أشياء كثيرة لم أقلها لكم لأنها فسوق مدارككم عندما يجئ ذلك الصادق الأمين يخبركم بجميع ما هنالك من حقائق) نقلا من المؤلف عن إنجيل يحيى صاحب الإنجيل الرابع فصل 16 الآية 12 و13.
علق المؤلف على هذه البشارة بما يلي بالحروف : إن الكنيسة لا ترى في هذه البشارة إلا الأخبار من المسيح للحواريين بنزول الروح المقدس عليهم بعد بضعة شهور ولكن المؤلف لم يتمالك أن كر على الكنيسة بهذه الملاحظة المبكتة : (إذا كانت مدارك الحواريين لا تتسع للأشياء التي لم يقلها المسيح فكيف تتسع لها بعد مضي أربعين يوما التي هي المدة التي غاب فيها عن الحواريين ثم نزل إلى الأرض كما تزعم الكنيسة، الواقع الذي لا مراء فيه –يقول المؤلف- هو أن البشارة المذكورة موجهة للإنسانية جمعاء).
كما أن البشارة أو ما فيه التلويح إليها جاء برواية أخرى في السفر الخامس من أسفار العهد القديم الآية 2 من الباب 32 (11XXX) ونصه :
جبل سينا هو اسم الجبل الذي كلم الله فيه موسى وصيره اسما للمكان الذي بدأ فيه الوحي على سيدنا عيسى وفاران اسم لمكة التي يولد بها النبي العربي يؤيد هذا أنه جاءت الإشارة أيضا إلى البشارة في الإنجيل الرابع إنجيل يحيى، الآية السابعة والباب 14 سمي بها النبي برقليطوس حرفها من حرقها ودلها بكلمة برقلاطوس بإبدال الياء ألفا ومعناه بالياء الجامد المجمود وبالألف الشفيع المنقذ وزعموا أن الشفيع اسم من أسماء المسيح (انظر التعليق الذي أسفل ص 12 من كتاب تحيل القرآن لبيار رهم المتقدم ذكره).
ومهما يكن من أمر فإن إنكار المنكر وجحود الجاحد لهذه البشارة أجبناه بما جاء في المثل السائر لا دخان بلا نار خصوصا والبشارة متواتر نقلها من مشاهير المؤرخين النقاد الأوربيين أمثال من تقدم ذكرهم.
بعد استعراض ما كانت عليه الأمم في الفترة القريبة من البعثة وبعد أن عرفنا الجزيرة العربية بالنسبة لما سواها على النحو الذي بينته يمكننا أن نضع بعثته عليه السلام في إطارها الذي هو مظهر كونها رحمة للعالمين، بينما الناس بعضهم يموج في بعض كما شرحه صاحب المقدمة إذ سمع رسول الله (صلعم) سوت السماء يناديه : «يا أيها المدثر قم فانذر» -فهب واخذ يجاهد لإحياء موات أرض القلوب وذلك بتحطيم الأوثان حسبها ومعنويها التي تحول بين العبد وخالقه لذلك نجد أكثر سور وآيات الوعيد ووصف جهنم نزلت في مكة عاصمة الشرك إذ ذاك : (يا أيها الناس صرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباب ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقدوه منه، ضعف الطالب والمطلوب)، (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا الله الواحد القهار، وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأشرقت الأرض بنور ربها، ووضع الكتاب، وجيء بالنبيئين والشهداء)، ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا، وعرضوا على ربك صفا : لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا، ووضع الكتاب، فترى المجرمين مثفقين مما فيه ويقولن : يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحضاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلك ربك أحدا) (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يسهم به ما  في بطونهم والجلود).
ثم بعد إحياء الموات وعملية التطهير التي نتهيأ بها الأرض للزراعة جاءت نوبة بذر التشريع وأمهات الفضائل ومكارم الأخلاق لبناء مجتمع يتوسع فيه طابع الخلافة التي تلقاها من ربه أبو البشر. وهنا تفتحت رياض الغيب عن روح وريحان يشعر فيها المومنون بتقارب بين الملك والملكوت ولما كان العدل هو أساس الملك وقانون التوازن فأنتي أقدم الكلام عليه بسرد بعض ما جاء فيه من الآيات : (يا أيها الذين آمنو كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا).
وفي المساواة يقول : (يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، والقول الفصل في هذا الباب نجده في هذه القصة وهي أن جماعة من بني إسرائيل المجاورين للمسلمين في المدينة على عهده عليه السلام أخذوا يفخرون بأنهم شعب الله المختار وأن أشهر الأنبياء تحدروا من عنصرهم وأن القرآن نفسه نوره بهم حيث يقول (إني فضلتكم على العالمين)، فيجيبهم المسلمون حقا كنتم وكنتم ولكنكم لما تجاوزتم حد العصيان عزلتم ثم نظر سبحانه في خلقه وهو أعلم بهم فقال لنا : كنتم خير أمة أخرجت للناس- وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونا شهداء على الناس، وبينما هم في هذا الحوار هذا يقول وهذا يجيب إذ نزل قول أحكم الحاكمين : ليس بأمانيكم (يا أصحاب محمد) ولا بأمانيكم (يا أهل الكتاب) من يعمل سواء (منكم ومنهم) يحز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا، هذا الذي يقوله سبحانه لصفوة أصحاب نبيه الخلية الأولى للإسلام التي كانوا بها خير القرون خطاب يا له من خطاب فليعتبر من يعتبر وليتنبه من يريد النصيحة لنفسه إليه يرجع الكثير وأقواله صلوات الله عليه الواردة في هذا المعنى أمثال :
يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم –يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا- وأنذر عشيرتك الأقربين.  كأني يوم القيامة برجل على ظهر جمل له رغاء وبقرة لها خورا وشاة لها ثغاء فيقول يا محمد فأقول قد بلغتك).
ويقرب من هذا قوله جل وعلا : (والذين آمنوا ولم يهاجرون ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) (نعم) وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق فإنه في هذه الحالة ووجب الوفاء بالميثاق فأنت ترى أنه قدم الوفاء بالعهود على الأخوة في الدين فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم –ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه- لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين.
هذه الروح التي تشع من هذه اللمحة التاريخية من حياته الصلاة والسلام. أذابت الثلج المنجد بيننا وبين العجم أصبحت ترى بعض غلمائهم وفلاسفتهم الذائعي الصيت يمجدون النبي العربي ويشيدون بأعماله وآثاره إلى درجة زاحموا فيها المسلمين بالمناكب وربما فاقوا البعض وإلى حضرات القراء نموذجا من بين نماذج من أقوال وآراء أحد هؤلاء العظماء وهو لامارتين يجدها من أرادها في تاريخ تركيا، قال لأفض فوه : (لم يعرف في تاريخ البشر قديمه وحديثه أن رجلا تصدى عن قصد أو عن غير قصد لمهمة أسمى وأشرف من المهمة التي أنجزها النبي العربي لأن هذه المهمة عند من حسب لها حسابها لا يشك في أنها فوق الطاقة البشرية إلا وهي تحطيم التماثيل والأساطير التي تحول بين المخلوق والخالق، بين العبد والمعبود، وذلك ببعث عقيدة جديدة من بين رفات العقائد المزيفة، عقيدة يلتقي فيها تنزيه السرب والمنطق كما لم يعرف في تاريخ البشر أن رجلا من الرجال تصدى لإنجاز مهمة لا نسبة بين عظمتها وصعوبتها وضآلة الوسائل المعدة لمجابهتها، لأن النبي العربي كان لا يعتمد إلا على نفسه وعلى شرذمة من أصحابه في صحراء جرداء.
كما لم يعرف أيضا أن رجلا تهيأ له إنجاز مشروع تحققت فيه معجزة الجمع بين قصر المدة، وعظمة المطلوب يشهد لذلك أن دعوته لم يمض عليها قرن ونصف حتى أصبح الإسلام ملقيا جرأته متبوثا أوطانه في عموم الجزيرة محتلا لبلاد فارس وخرسان وطبرستان والهند الغربية وما ولاها من جزر ومصر والحبشة وجميع ما كان معروفا من القارة الإفريقية إلى جزر كثيرة في البحر المتوسط واسبانيا وجزءا كبيرا من فرنسا في حين أن المؤسس والمشيد لهذا الصرح كان يرضي دائما بعشية تقشف وخفض جناح مع صبر وثبات لا يجد إليه اليأس سبيلا.
ما هو الذكر الذي تركه هذا الرجل الذي لم يعرف زينة ولا زخرفة في ترفع عن البخل وما إليه من مذام الأخلاق.
ما خلف هذا الرجل الذي وصفت من متاع الدنيا، خلف دارا تولى بناءها بيده وبعض رؤوس من الإبل على أن هذا المتروك رجع للأمة عملا بقوله : نحن معاشر الأنبياء لا تورث، هذه العبقرية الملكوتية هي التي أنقذت أمانة السماء المقدسة من ظلمات الشرك والجهالة التي تحجبها وبقيت سارية في أتباعه من بعده وها راية الإسلام ترفرف إلى اليوم على ثلث العالم.
كل من ذاع صيتهم من العظماء بعضه محرك السلاح وعضهم القوانين والبعض أسس المساليك ولكنها مساليك انهارت في كثير من الأحيان قبل المؤسسين لها لأنها مادية فقط بخلاف هذا الرجل فإنه حرك الجنود ومن الشرائع وشيد المساليك والأمم تعد بملايين من البشر تعمر ثلث المعمور وإلى جانب ذلك حرك المنابر والديانات وكل ما له صلة بالملك والملكوت بما كون به –وطنية روحية تظل أمما مختلفة الأجناس واللغات وسمها بطابع البغض للشرك في سائر مظاهره والاستمساك بحبل توحيد لا تنفصم عراه، توحيد انتصرت فيه السماء من كل ما انتهك حرمتها الملكوتية من رجس الوثنية وما يمت إليها بصلة أساس هذا كله كتاب غدا كل حرف من حروفه له حرمة تشريع في حد ذاته، ولئن كان هذا يعد معجزة في حق الإسلام الذي جاء به فهو بقدر ذلك معجزة المنطق والعقل، وبعبارة أخرى أن التوحيد الذي صده به النبي العربي كان بمثابة قنبلة انفجرت من بين شفتيه التهمت نيرانها جميع معابد الوثنية وما حوت، وأشرقت أنوارها على ثلث المعمور، فهو في آن واحد فيلسوف وخطيب وداع إلى الله ومشروع وقائد حروب، وفاتح لعوالم فكرية وباعث للعقيدة الصحيحة لدين لا نصب فيه ولا تماثيل، ومؤسس لعشرين دولة وإمبراطورية روحية، هذا هو محمد فبأي رقم قياسي من بين الأرقام القياسية التي تقاس بها العظمة الإنسانية نقيسه ؟ أين هو الرجل الذي بلغ سمت هذا الرجل ؟ بقي لي أن أعلق على شهادة هذا الفيلسوف العظيم بما يلي :
عموم الأوربيين يجدون لذة في اتهام الإسلام والمسلمين بالتعصب فها أنا في الرد على هذه التهمة أدلي لهم بشهادة بطريق من اشهر رؤساء المسيحية وهو البطريق ميشو في كتابه جولة في الشرق الأدنى ونصها:
(من المحزن في حق الأمم المسيحية أن يكون التسامح الذي هو قانون التراحم بين الشعوب علمه لهم المسلمون) (نقلا عن كتاب تحليل القرآن) وهذه الشهادة من رجل يعد من أركان المسيحية تتجلى ناصعة في قضية فتح بيت المقدس ودخول سيدنا عمر لكنيسة القيامة مع حاشيته وبمحضر خالد بن الوليد وأبي عبيدة رضوان الله عليهم وسأخصص هذا الحادث بمقال إن شاء الله.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here