islamaumaroc

الإسلام فلسفة ونظام

  دعوة الحق

73 العدد

الإسلام دين أخوة واتحاد، وعدل ومساواة، شعاره الخالد: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10] و«المسلم أخو المسلم» و«ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى» و«كلكم لآدم وآدام من تراب» و(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] وغير ذلك من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، التي وضعت للإنسانية أسس المحبة والأخوة، وشيدت صروح الحرية والمساواة، وجعلت من المؤمنين بتلك المبادئ السامية خير أمة أخرجت للناس، أمة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله.
فبفضل تلك المبادئ التي جاء بها الإسلام، وبشر بها رسول الإنسانية محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، تحولت الأمة العربية - في أقل من ربع قرن- من قبائل متفرقة متجافية، وجماعات متنافرة متناحرة، إلى أمة إسلامية موحدة متكتلة، متعاطفة متراحمة، لا فضل لعربيها على عجميها، ولا لغنيها على فقيرها، ولا لأبيضها على أسودها، ولا لحاكمها على محكومها، إلا بالعمل الصالح، والنصيحة لله في عبادته، ولرسوله في طاعته، وللمسلمين في خدمتهم وإعزازهم، والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، وحماية دين الله وشريعته من عبث العابثين، وكيد الكائدين، وذلك كله ما عبر عنه الحديث الشريف بالتقوى، إذ التقوى بمعناها الشرعي امتثال الأوامر واجتناب النواهي. قال تعالى وهو أصدق القائلين: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: 7]. ومن المسلم به أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت إلا بما أوحى الله تعالى إليه من الكتاب والحكمة، ولم ينه إلا عما نهى عنه من الإثم والخبائث، والظلم والعدوان، والخيانة والنفاق، فهو صلى الله عليه وسلم مبلغ ومنقذ، وموضح لأوامر الله تعالى وشريعته، وطاعة الله ومحبته تتجلى في طاعة رسوله، قال جل شأنه (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) [النساء: 80] وقال (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران: 31].
والخطاب في كل ما تقدم ليس موجها إلى العرب فقط، ولكن الخطاب هو خطاب الله تعالى موجه إلى الناس أجمعين بواسطة نبيه العربي، لأن الله جلت قدرته أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، لا للعرب فحسب، لأن رسالة الله لمحمد بصفته خاتم النبيئين لا يمكن إلا أن تكون عامة وشاملة. وإذا تأملنا قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13]، وإذا علمنا أن الإسلام لا فرق عنده بين العربي والعجمي إلا بالتقوى كما في الحديث استنتجنا أن عروبة محمد عليه الصلاة والسلام لا تمنع أبدا أن يكون هذا العربي الكريم رسولا عالميا أرسله الله بالهدى ودين الحق، وبما فيه خير وسعادة البشرية جمعاء، قال جل شأنه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [سبأ: 28] وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]، فهو إذن رسول الله إلى الناس كافة (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: 157].
وقد ذكر الله في كتابه الكريم أنه تعالى أخذ عهدا من أنبيائه السابقين أنهم إن أدركوا النبي العربي عليه الصلاة والسلام ليؤمنن برسالته ولينصرنه في دعوته، فقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا؛ قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) [آل عمران: 81]. فمحمد بن عبد الله جاء مصدقا ومقرا بالأديان والرسالات السابقة، فهو لم يتعصب لطائفة ضد طائفة، ولا لرسول ضد آخر، وهو لم يكذب كتابا من الكتب التي أوحاها الله تعالى إلى أنبيائه السالفين، بل إنه سلك مسلكا واضحا في تأكيد ذلك وتثبيته، واستمع إلى قوله تعالى: (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 136]، وتأمل في قوله جل شأنه: ?شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ? [الشورى: 13] لترى أن مسلك القرآن الكريم في معالجة قضية الأديان والرسالات السالفة ومقارنتها وموافقتها للرسالة الإسلامية مسلك واضح يقره العقل والمنطق. فالله الذي اختار موسى وعيسى ومن سبقهما لتبليغ رسالاته، اصطفى محمدا لتتميم رسالته وإكمال دينه، وليجعله رسول الله وخاتم النبيئين، وليكون الدين الإسلامي الذي جاء به وارتضاه الله لعباده دينا رسميا صالحا في كل زمان ومكان، قال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) [آل عمران: 19]. (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85] وقال (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3]. فهذه الوضعية -وضعية الرسول العربي وشريعته الإسلامية- معقولة وسليمة ومسايرة للأوضاع البشرية المألوفة في كل زمان ومكان.
وهكذا نرى أن الرسول العربي هو رسول عالمي، وأن الإسلام دين عالمي كذلك، وأنه ليس مجرد عبادات وأحكام فقط، ولكنه في الحقيقة فلسفة سماوية رفيعة قائمة على أساس التوحيد، ونظام اجتماعي رشيد قائم على أساس الحرية والعدل والمساواة.
فالعبادات والأحكام كلها خاضعة لمبدأي التوحيد والمساواة، فتوحيد الله تعالى هو أسمى مبادئ الإسلام، وهو العروة الوثقى التي تربط بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهو الوسيلة لتوحيد البشر وجمع كلمتهم. قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: 1] وقال (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) [النساء: 36] وقال (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء) [النساء: 48] وقال (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 64]. فكل الناس مدعوون إلى عبادة الله وحده، وإلى الاعتصام بحبل الله، وهو رمز للاتحاد، وكل الذين يؤمنون بوحدانية الله وما أنزل على محمد رسول الله مسلمون إخوة، وحد التوحيد صفهم، وآخى الإسلام بينهم، فهم «في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» كما ورد في الحديث الشريف. وفي هذا المعنى يقول الله جلت قدرته: (إنما المومنون إخوة) ويقول (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) [الفتح: 29]، ويقول النبي عليه السلام «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه» ويقول: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» ويقول: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه». فالمرء بمجرد دخوله في الإسلام يصبح عضوا في جسم الأمة الإسلامية، له مالها، وعليه ما عليها، إذ المسلمون أمام الإسلام سواسية كأسنان المشط، وهم أمة واحدة خاضعة لنظام واحد هو الإسلام. وينبغي أن نقرر هنا أن وحدة الأمة الإسلامية لا تعني مطلقا عدم قيام حكومات إسلامية مستقلة بعضها عن بعض سياسيا وإداريا ما دام الإسلام لم يمنع ذلك نصا ولم يعترض عليه. على أن هذه الحكومات يلزم أن تكون خاضعة لمبدأ الشورى الذي هو مبدأ إسلامي خالص لقوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [الشورى: 38] وقوله، (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) [آل عمران: 159]، مع وجوب اتحاد هذه الحكومات في إطار (جامعة إسلامية) تقوم بالإشراف على التضامن الإسلامي، وإقرار الوحدة الإسلامية مع تنسيق السياسة الخارجية للدول الإسلامية.
أما العدل والمساواة فهما من أسمى مظاهر الإسلام وأنبل مقاصده. وتدبر مرة أخرى في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13]، وتأمل في قوله جلت قدرته: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90] وقوله: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) [النساء: 58] وقوله: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [الأنعام: 152] لترى أن العدل والمساواة لهما مقام عظيم في الإسلام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يتشبث بهما، وتدفعه نفسه الكريمة العادلة إلى تسوية ابنته وفلذة كبده مع سائر الناس، فاستمع إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنه إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها»، فهل هناك عدالة أكبر من هذه العدالة ومساواة أعظم من هذه المساواة ؟!.
وحرية الفرد في حدود النظام، وحرية الفكر في إطار العقل، أعطاهما الإسلام كذلك مقاما مرموقا في المجتمع الإسلامي، كما جعل الوفاء بالعهد، وحسن الجوار، والعفو والتسامح، والأمانة والصدق، من أمهات الفضائل، ولقد وردت آيات قرآنية وأحاديث نبوية في الترغيب في كل ما ذكرناه وغيره من المكارم، مما يطول بنا المقام لو تتبعناه واستقصيناه، وإنما أردنا أن نبين للناس - (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) [الأنعام: 152] - وضعية الرسول العربي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بين من سبقه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وحقيقة الشريعة الإسلامية التي جاء بها هذا الرسول الكريم، وأنها نادت بالأخوة والمساواة والحرية والعدالة قبل أن تنادي بها (وثيقة حقوق الإنسان) التي سموها بالمبادئ الخالدة، وبإنجيل العصور الحاضرة، وأن ما وصل إليه الفلاسفة ودعا إليه المفكرون من نظريات اجتماعية ومبادئ سياسية في القرون المتأخرة، كان الإسلام قد شرعه ودعا إليه في الربع الأول من القرن السابع لميلاد المسيح عليه السلام. 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here