islamaumaroc

نظرات في الصحافة [مترجم]

  دعوة الحق

73 العدد

إن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو هل الصحفي الذي يبيع أخبارا يعلم أنها كلها كاذبة أو أن بعضها زائف وهل الصحفي الذي يموه الحقائق ليجعلها قريبة إلى النفس أكثر جرما من التاجر الذي يطفف من ميزانه أو الصانع الذي يقدم بضائع مغشوشة..؟ الواقع أن نشر تصريح كاذب أو إذاعة فكرة خاطئة أكثر خطرا وأشد أذى من بيع البضائع الزائفة على أنها بضائع جيدة ولكن الصحفي الكبير وبكهام ستيد يعتقد أن الأفكار الكاذبة أشد خطرا من السكر الزائف أو الصابون المغشوش.
إن الصحفي الذي يخون ثقته عليه اللوم أكثر من التاجر المحتال أن الصابون الفاسد يفسد الجلد ولكن الأفكار السيئة تنفث السم في العقل، والصحافة مركز حساس على اعتبار أنها أساس لما يطلق عليه الآن (صناعة الصحف) لأن مواردها الأولية ليست في الحقيقة إلا عقل الجماهير فهي تتاجر في (القيم الإنسانية) أو بمعنى آخر أن المسؤولية الخلقية التي يتحملها الصحفيون تختلف عن تلك المسؤولية التي يتحملها رجال صناعية وظروف تجارية على عكس الحال عند الأفراد القيمين على عقلية أو أخلاق الجماهير. 
وليس من شك في أن صناعة الصحف تحتاج إلى رأس مال عظيم فهي تستهلك يوما بعد يوم آلاف الأطنان من ورق الصحف وهذا الورق مصنوع من لباب الخشب المستخرج من بعض أنواع الشجر ويطحن هذا المستخرج الأبيض بمطاحن شديدة القوى وأغلب مواد هذا الورق تستورد من وراء البحار على ظهور سفن خاصة ويلزم كذلك لصناعة الصحف مئات من البراميل المليئة بحبر الطباعة لتحبير الأوعية المعدنية التي تغطي الأسطونات المتعددة للطباعة كما أنها في حاجة إلى آلات للطباعة وآلات لطي الورق آلات لقطع عشرات الآلاف من الصحف في الساعة...
وتحتاج صناعة الصحف كذلك إلى رأس مال عظيم لجمع الأخبار من جميع أنحاء العالم ولدفع مرتبات لهؤلاء الذين يرسلونها ولدفع نفقات الإرسال كما تحتاج إلى رأس ماله كبير لدفع مرتبات هيئة التحرير، وأجود العمال، ولقضاء بعض المصالح في البلاد وتحتاج كذلك إلى مقر كبير توزع منه الصحف المطبوعة على وجه السرعة كما أنها تحتاج إلى رتل من السيارات للتوزيع السريع –لهذه الأسباب ولغيرها كان إنتاج الصحف صناعة حقيقية.
والصحف إلى جانب ناحية الأخبار والتعليق تنتشر إعلانات المعلنين وتكون هذه الناحية مقدارا كبيرا من داخل الصحف، أما ضرورة الحصول على هذا الدخل فتأثره بأكثر من سبب، أن ثمن بيع الجريدة يعتمد على نوع توزيعها أو بمعنى آخر يعتمد على العدد والقوة الشرائية عند الجماهير، ولو أساءت هيئة التحرير إلى القراء أثناء أداء واجبها نحو الجماهير فقدت الجريدة حركة التوزيع ومن تم لابد أن يتأثر بذلك دولاب العمل، فقد لا ينسى كثير من الصحفيين أن ما يعتبرونه مهنته أو فنا أو حتى وزارة يتأثر وله صلة وثيقة يبيت المال.
ورغم هذا كله فإن الصحافة يطلقون عليها مهنة تعصمهم من الحاجة ويتمرن عليها كثيرون كما يتمرن الأطباء والمحامون على مهنهم، والصحافة فن كذلك لأن النجاح والفشل  في الجريدة قد يعتمد على الطريقة التي تستعرض بها الأخبار والأفكار، والصحافة بعد هذا كله وزارة وليس هناك صحفي يستحق هذا الاسم وجدير بأن يؤثر في عقول القراء إلا إذا كان يشعر بالمسؤولية الخلقية تجاه القراء.
إن كل الغابات المقطوعة لاستخراج ورق الصحف وكل المحيطات السوداء من الحبر الذي يحبر الأوعية المعدنية التي تضغط الكلمة المطبوعة على أسطوانات الورق الملفوفة، وكل هذه الملايين من الجنيهات التي تصرف في سبيل الإعلان تعتمد في النهاية على دعاء الصحافة لعقل الجماهير وهذا هو الصحافة الحق.
والفكرة التي تقول بأن عقل الجماهير سهل التأثر وسهل الخضوع إلى أي لون من ألوان ولكن الرأي العام أو ما يتصوره الصحفيون بالرأي العام يؤثر فيهم أنفسهم، فذوق الجماهير هو الذي يؤثر في حركة التوزيع والتوزيع يبين قيمة مكان الإعلان كما يبين قيمة الدخل من الإعلان ولهذا يعمل الصحفيون على أعطاء الجمهور «ما يريده».
والصحفيون الذين يستطيعون التخمين بما يريده الجمهور هم «الأوز» الذي يبيض بيضا من الذهب لأصحاب الصحف اللهم إلا إذا كانوا هم أنفسهم أصحاب الصحف.
ولكن ماذا يريد الجمهور ؟ أنه كقاعدة عامة يريد العواطف ويكره ويمتنع سريعا عن شراء أو بيع الصحف الكئيبة أو بمعنى آخر الصحف التي لا تقدم إلى قرائها شيئا طريقا فيه حماس وفيه حياة وفيه حوادث مثيرة ومحادثات خطيرة وأفكار نيرة وأخبار مسبوق إليها، ويمكن تعريف الأخبار بأنها ما هو خارج عن نطاق الحياة العادية، وهنالك مثل يقول وقد يكون تعريف الأخبار بأنها ما هو خارج عن نطاق الحياة العادية، وهنالك مثل يقول وقد يكون فيه بعض المجون «الرذيلة تكون أخبارا أما الفضيلة فلا تكون» وهذا المثل يثبت أن الفضيلة شيء عادي أما الرذيلة فشيء غير عادي وعندما لا تكون هنالك أخبار في الجريدة وأشياء تخرج على المألوف يعتقد القراء أن جريدتهم كئيبة ويتطلعون إلى جريدة أكثر حياة ولهذا كان الأمر الأول من الرواج الصحفي ألا تكون الجريدة كئيبة، والكآبة معناها فقد التوزيع وفقد التوزيع معناه فقد قوة الإعلان، وفقد قوة الإعلان معناه فقد الدخل الذي يغطي بين ثمن البيع للجريدة وثمن الإنتاج وأغلب الصحف في انجلترا تباع إلى متعهدي الصحف الذين يمونون الجماهير بالجرائد بثمن أكثر قليلا إن لم أقل في الواقع من تكاليف الورق البيض الذي يستعملونه في الطباعة فالصحافة الناجحة ينبغي إذن أن تحرز انتصارا يوميا على الكآبة ولكن أفكار القراء عن الكآبة تختلف من فرد إلى فرد فالطعام الذي يقدم إلى الأوز لا يقدم إلى غيره من الدواجن، وكل جريدة تحتاج على وسائل كثيرة للتأثير في أذواق الجماهير فهي في حاجة إلى مضحكات تهز الأشواق لنفر من الناس وفي حاجة إلى جديات لهؤلاء الذين يؤثرون الجد وفي حاجة إلى شؤون مالية إلى رجال الأعمال والدائنين وفي حاجة إلى رياضيات للرياضيين وإلى أدب على اختلاف درجاته للمثقفين ولكن هنالك قاعدة عامة تسبب الجودة.
إن القراء على اختلاف مشاربهم وتباين نزعاتهم يحبون أن تجلب إليهم الطرافة والمتعة والتسلية ويكرهون أن يقدم إليهم الزجر وتساق إليهم الموعظة ولا يتعقلون أن يعلموا أو يلقنوا حيث لا توجد أي سلطة مدرسية في هذه العملية.
والواقع أن العلاقة بين الصحيفة والجمهور تجربة دائمة في دراسة نفسية الجمهور، ويعلم الصحفيون الماهرون المكان الأول الذي تدركه عين القارئ والمكان الذي توضع فيه الأخبار الهامة والفروق بين حروف الطباعة التي توضع للعنوان والتي توضع للتعليق، والجزء الأعلى من الصفحة (فوق الثنية) أحسن عند القراء وأكثر أهمية لأن القراء من العادة يركزون أنظارهم جهة اليمين ( في الجريدة الأفرنجية التي يتحدث عنها ويكهام ستيد) ولهذا كانت الزاوية اليمنى من الصفحة أنسب مكان للإعلان، فالجزء الأعلى من العمود اليمن من الصحيفة هو الجزء الذي يركز فيه القراء أنظارهم في العادة اللهم إلا إذا كانت العادة في توضيب الصفحة غير ذلك فعودتهم على قراءة الأخبار الرئيسية اليومية عند طرف العمود الأيسر من الصفحة والرقاء المعتادون على نوع معين من التوضيب يحتاجون إلى احترام عاداتهم غير أن بعض الصحفيين الماهرين يغيرون توضيب صفحاتهم بين الحين والحين حتى يبعثوا روح التغير في القارئ ويبعدوا القارئ عن روح السأم والملل.
وينبغي أن تكيف الأخبار المهمة بجو خاص إن لم يكن هناك اختلاف في عرضها فلا يشعر القراء بأنهم محتاجون إلى أن (يحفروا) ابتغاء الوصول إليها بدلا من أن تصل إليهم في فكرة واضحة وأسلوب مناسب.
إن الكفاح في سبيل التوزيع و..... من الإعلان يسيطر على شكل وأسلوب كل جريدة تقريبا وأنه كفاح قد يصل إلى حدود غير ظاهرة إن لم يحتفظ بدائرته في أصحاب الصحف والصحفيين أنفسهم.
وعلى العموم يمكن أن نقول أن الجمهور يهتم قليلا بالوسائل التي تصل بها الأخبار والأفكار إلى الجريدة ولكنه يهتم كثيرا بأن هذه الأخبار أو الأفكار تناسب ذوقه كما أنه يهجر الصحف التي تفتقد الأخبار أو تتاجر في نشرها أو التي تشذ في بيان أرائها كما أن الجمهور لا يهتم بأن الجريدة أساس قوي قدر اهتمامه بشعوره الخاص ورئيس التحرير أساس قوي قدر اهتمامه بشعوره الخاص ورئيس التحرير لا يحتاج إلى قدر قليل من الشجاعة فقط ليمحو تعصب قرائه حين يعتقد أنه على حق وأن الحوادث سوف تثبت ذلك لن القراء لا يحبون أن يظهروا خطاهم أمام أي صحفي يعتز برأيه.
وقد يثق أكثر القراء عقلا في حكم صحيفته ولكن كثيرا من القراء قد يضايقه ذلك ومن الصعب على الجريدة أن ترتفع عن مستوى القراء، ولذلك كان من الصدق أن نقول أن للأمة الجريدة التي تستحقها ومن الصدق أن نقول أيضا أن الذوق العام للجمهور قد يتأثر بالصحف التي تؤثر في الغرائز المنحطة للقارئ.
وبعض الصحف تعتمد لزيادة نسبة توزيعها على تقديم ميزات التأمين لقرائها لأن هذا يشجع الطبقات الفقيرة على شراء الجريدة ولكن مثل هذه الأشياء ليست صحافة حقة وينبغي أن تحرم مثل هذه الأمور لمصلحة الجمهور فما هي الأصل لزيادة التوزيع لا تمت إلى الصحافة بصلة وعلى أمل أن يرتفع ثمن المكان المخصص للإعلان.
ويمكن أن نعتبر هذه المسألة في نظر الصحفيين أنفسهم غشا أو نصف غش لأنهم يدفعون القراء إلى شراء الجريدة لا لأخبارها بل لما تمنحه من سندات التأمين وفي مثل هذه الأحوال يدفع المعلنون للنشر ما لا يمكن أن يتسلموه في الواقع.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here