islamaumaroc

الديك الأحمر

  دعوة الحق

73 العدد

لم تعرف الحظيرة منذ أسابيع خلت هذه الحركات وهذه الأصوات المتعالية ولم يعهد صاحبها من دجاجه هذه الصيحات التي تحطم السكون المخيم على منزله والذي ينعم به منذ زمان..!
ولم يكن هناك من جديد يلفت الأنظار، ولا من حادث يثير كل هذه الجلبة وكل هذه الصيحات.. فحبات الذرة البيضاء متوفرة للجميع، وأرجاء الحظيرة المترامية الأطراف نظيفة، مشرقة، باسمة، وسكانها من ديكة ودجاجات ألفت العيش فيها، واستطاعت المرح والسباق والصياح، والتزاحم حول مواقع الحب والماء... والمناوشات والتحرشات البسيطة التي تنتهي في إبانها، ولا تترك في قلب الغالب والمغلوب إلا ما تتركه المداعبات في خيال الرفقاء..!
وكان الديك الأبيض صاحب القول الفصل في كل ما يحدث من تحرشات بين الدجاج...
فصياحه حكم! ونقره انتقام! وحركته استعداد. أما إذا جرى فذلك إيذان بالخطر النازل بالحظيرة وسكانها.. فالكل يتبع خطاه ويقفو أثره، فهو البطل، وهو الحكم، وهو شيخ الحظيرة وسيدها، لم ينازعه نفوذه هذا كبير ولا صغير.. ولا قديم ولا جديد من الديكة التي مرت بهذه الحظيرة.. وهو بحكم العادة والواقع يصيح أولا، ولكنه بحكم مكانته في الحظيرة، يساعد الضعيف، ويحمي الدجاجات من جشع الديكة وتحرشاتها.. وكثيرا ما يقف شامخ الرأس، مزهو النظرات بادي التحدي.. يحرس مواقع الحب والماء حتى تأكل الدجاجات الضعيفات في أمن واطمئنان، فنبله وشهامته هما قبل كل شيء رأس ماله في هذه الحظيرة.. أما مظهره الجذاب في عرفه وأظفاره العاجية فهو عنوان (شخصيته) الممتازة الطموح..!
فماذا حدث في الحظيرة.. ؟ وأي شيء أثار هذه الضجة بين سكانها ؟ ولم هذه الحركات والأصوات ؟ فهل هناك من خطر يهدد ديكا من الديكة أو دجاجة من الدجاجات...؟
هكذا تساءل أهل المنزل منذ أن سمعوا الصيحات الأولى.. ولكن سرعان ما خيل إليهم أنها تمرد عابر تعقبه السكينة والهدوء..!
ومن يدري فلعل هناك أشباحا شيطانية تتراآى للدجاج فتهيجها وتثير فزعها وصياحها.. !
أما داخل عالم الحظيرة فقد اكتسى مظهرا آخر يستطيع أن يتبينه كل من يدنو منها...
فالديك الأبيض لا يجري ولا يصيح ولا يتحرك حركاته المعهودة حينما يحس بخطر يهدد أمنه وأمن رفقائه.. ! والدجاجات والديكة تروح وتغدو مرددة أشياء غريبة سمعتها من ديك غريب.. لم يعرف الحظيرة إلا منذ يومين فقط.. !
فماذا يقول هذا الديك الغريب.. ؟
إنه ديك غريب حقا.. في شكله ولونه وأقواله وحركاته.. فهو أحمر اللون خفيف الوزن، قصير العنق، زاغ عرفه عن مفرقه، فبدا وكأنه مقطوع من خلفه، أما ذيله فقد كان بادي النقصان، إذا رأيته من خلف حسبته دجاجة من الدجاجات لا ديكا من الديكة.. !
لكنه فصيح مهذار مهرج.. ! لا يرعى حرمة ولا يقر بفضل لأحد! فمنذ وطئت قدماه هذه الحظيرة وهو يجمع الديكة حوله ويحدثها حديثا لم تألفه من قبل من الديك الأبيض.. !
إنه يقول: ما بال الحظيرة اتخذت رئيسا لا يصلح للرياسة.. ؟ لماذا يأكل أولا، ويصيح أولا، ويسير أولا ؟ لاشك أنه متجبر، مستبد.. ! ولا شك أنكم جبناء ضعفاء جعلتم منه رئيسكم المطاع.. ! وسيدكم المطلق.. !
فلم لا تنازعوه هذه الرياسة والسيادة.. ؟
ولم لا توقفونه عند حده.. ؟
ولم لا تأخذون الرياسة لأنفسكم.. ؟
وكانت هذه الأقوال التي أرسلها الديك الأحمر تعمل عمل السحر في نفس سكان الحظيرة.. فتهافتت عليه تهافت الظمآن على الشراب.. وهو يزيد بتهافتها جرأة وإمعانا في التهديد والوعيد والتهريج..
وحتى الدجاجات صارت تصغي إليه لعلها تجد في أقواله ما يحميها من أعدائها الذين يتنمرون لها كلما شاهدوا حبة ذرة.. أو قطرة ماء... وينقرون رأسها كلما وجدوا فرصة من الفرص التي تتيحها غيبة حاميها..
وكان الديك الأحمر يتفنن في أحاديثه حتى إذا أنس من زملائه استعدادا للعمل صاح فيهم.
- هيا ننازع الديك الأبيض..
- هيا نتحداه..
- هيا ننقر رأسه..
- هيا نسلبه قوته..
- هيا نطرده إلى حيث لا حب ولا ماء.
 فنحن أصحاب الحق في هذه الحظيرة وكلمتنا هي العليا. وكانت الديكة تردد هذه الصيحات مأخوذة بسحر حديثه وفصاحته...
أما صاحب الحظيرة فلم يعنه أول الأمر من ضجة دجاجه شيء.. حتى إذا علت الأصوات وماج بعضها في بعض ذهب مسرعا ليري ما حدث.. ونفسه تحدثه أن الديك الأحمر لابد وأن يكون ضحية اعتداء فهو الجديد الغريب في الحظيرة.. ! إن رأسه ولاشك يسيل دما إثر المعارك التي خاضها لاكتساب رفيقة من دجاجات الحظيرة.. أو التقاط حبة من حبات الذرة البيضاء.. ولكنه رأى الديك الجديد يصول ويجول داخل الحظيرة سالما معافى.. فقال في نفسه:
- هذا عجيب.. ! الدجاج يصيح من غير سبب..!
وانصرف لشأنه.. ولكن الديك الأحمر التفت إلى رفقائه وقال:
- لعلكم أدركتم خطري، وعرفتم مكانتي، فإن صاحب الحظيرة لم يزرنا هذا اليوم إلا ليتأكد من نجاح عملي.! في مقاومة الديك الأبيض، لقد خرج مسرورا بانتصاري..! كم أنا سعيد.. كم أنا ذكي.! كم أنا محظوظ..!
وماجت الحظيرة بموجة من الهتاف بحياة البطل الجديد تحيي شجاعته وجرأته وتؤمن على ما قال: وعلم الديك الأبيض أنه أصبح سيد الحظيرة فصار يصيح أولا.. ويأكل أولا.. ويشرب أولا.. غير أنه لا يحمي ضعيفا.. ولا ينصف مظلوما ولا يحرس مواقع الحب والماء...
لأن شريعة التمرد على النظام عملت عملها في الأقوياء والضعفاء.. وقد حطمت أقوال الديك الأحمر كل ما ألفه سكان الحظيرة منذ زمان...
وكان الديك الأبيض يرنو في إشفاق وحنان إلى كل ما حدث.. فتنتفخ أوداجه وتحمر عيناه ويتأهب للعمل على الفتك بهذا الديك الغريب الذي قلب وضع الحظيرة وحطم ما ينعم به سكانها من حياة الهدوء والنظام.. ولكنه كان يتراجع خوفا من شماتة خصومه وتألب رفاقه ضده مع الديك الأحمر...
وشعر الجميع أن الحياة في هذا الوضع الغريب لا تطاق وعرف الديك الأحمر آخر الأمر أنه أحدث حدثا لا يرجى علاجه فصاح في وجه رفاقه...
- أنتم أشرار...؟ أنتم حمقى..! لا تصلحون لي.. ولا أصلح لكم... ولن أرضى أن أعيش إلا مع الطاووس، والبط، والحمام.. حيث أن هؤلاء سيطيعون أمري ويقدرون ذكائي وبطولتي.
وجاء صاحب الحظيرة فعلا وأخذ الديك الأحمر والأنظار تتجه إليه ولكنه ما كاد يخطو به بضع خطوات.. حتى شمر على ساعده وأخذه ليلقى مصيره المحتوم وكان آخر كلام سمعه وهو يحلم بجنة الدجاج... -باسم الله- الله أكبر- قدرة وطجين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here