islamaumaroc

العناصر القرآنية في قصيدة قفا نبك -3- [تعقيب:"رد الصدر على العجز"]

  دعوة الحق

73 العدد

من عادتي في بحوثي –عن صح هذا- أني أسجلها خواطر لنفسي، قبل أن أسجلها للناس، وهذا هو السبب في أني أكتب في بعض الأحيان كثيرا، وفي بعضها قليلا، أو لا أكتب بالمرة، لأني لا أجد في هذه الحال ما أسجله لنفسي من خواطر أو سوانح، شماها ما شئت، على أنها شيء يعجبني واطمئن إليه فأسجله لنفسي، قبل أن أسجله للناس وأنال عليه الأجر والثواب...
ومن هذه الخواطر –كما قلنا- مسألة «العناصر القرآنية في قفانيك» فلقد كان هذا البحث والذي قبله والذي بعده، مما نشر بهذه المجلة، سوانح سنحت لي وأنا أدرس في هذه السنة، يفرغ المدرسة العليا للأساتذة بتطوان.
نعم، سجلت ذلك، وألقيته على الطلبة، وأنا معتقده اعتقادي بالله، وما كنت أتوقع أنه سيثير حمية من الحميات، وكذاك الاعتقاد المومن يجعل صاحبه يعد العقول عقله، فيخلد إلى راحة الاطمئنان، وينسى أن الدنيا فيها عقول وأفكار، تختلف فيما بينها باختلاف شتى، لا يعصيها إلا بارئ السماوات والأرض.
قيل لي قبل أن أقرأ رد الأخ الحلوي : أن على بعثك تعقيبا، فأخذني السرور أو تظاهرت به... وترقيب هذا التعقيب في العدد الأسبق، فوجدته يبصر بمجيئه في العدد السابق، وبمجرد صدوره طلبته لأقرأ ما يقيدني نفسي –قبل أن يفيد الناس كذلك- فلم أجد ما يفيدني، إلا كلمة طيبة ترنحت لها سرورا، وفد تكرم بها علي أخونا الحلوي، فشكرتها له في نفسي ومكانتها من قلبي الطروب...
أما فيما عدا هذا، فإن تلك المقدمة لم يقصد الأستاذ أن يزيدني بها علما جميل أنشاؤها لكني أخشى عليه هرة ابن شهيد، وأنفي عني منها أني نبشت قبر الانتحال أو صرفت الناس «عما يمس في صميمها»، معاذ الله، بل أن.
قصة الانتحال ما تركتها تطل من نافذتي، مرة أخرى، كما أنها ما احتجبت في غمرة التيارات، ولكنها استقرت في العماق التي اطمأنت قلوبها، فاستكنت الأقلام وانطبقت الشفاه على صمت أبدي : فهي لا تنبس بينت واحدة من بنات الاعتراض...
واستغرب من السيد، إتيانه بتلك الاستفهامات العديدة، فيما يستفيده رجال الانتحال. ولو رجع إلى الأغاني، وتناول منه ما يتصل بحماد وخلف، لتذكر ما يستفيده هؤلاء الرجال ولرأي بعضهم يعترف بذلك وينوب إلى الله، ولكن الناس قد آمنوا وذاقوا حلاوة الإيمان، فلك يصدقوا أولئك الذين اعترفوا بكذبهم في اعترافهم هذا، وصدقهم في كذبهم ذاك...
ولا شك أن السيد قد درس في القرويين، التي لا ننسى فضلها، دواعي الوضع عند الرجال من رجال الحديث حينما كان يدرس مصطلح الحديث فما باله يذعن إليها في المقدسات تلك. ولا يذعن إليها في هذه الأشعار، وقد اتسعت نطاقاتها فشملت الأموال الوفيرة، والعصبيات العديدة، والأهواء الناهمة ؟ ويعيدنا الله من أن نقف موقف حماد أو صاعد، فنضطر إلى الانتحال، ونعيذ الناس من أن يكونوا بتلك الغفلة والسذاجة اللتين كان عليها آباؤهم الأولون فيصدقون قول من يقول مثلا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفضل الأحزاب عند الله الحزب الفلاني، كما صدق أولئك الأولون مائات من هذه الموضوعات، ولم يدرك وضعها إلى الجهابذة النقاد، وهم قلة نادر ما يجود بها الزمان.
ويعجبني أن أصيخ إلى ابن سلام وهو يقول : وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم والصناعات، منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن. ومنها ما تثقفه اليد. ومنها ما يثقفه اللسان.
من ذلك اللؤلؤ والياقوت، لا يعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره، ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم لا تعرف جهبذتهما بلون ولا مس ولا طراز ولا وسم ولا صفة، ويعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف يهرجها وزائفها وستوفها ومفرغها، ومنه لبصر بغريب النخل والبصر بأنواع المتاع وضروبه واختلاف بلاده، مع تشابه لونه ومسه وذرعه، حتى يضاف كل صنف إلى بلده الذي خرج منه وكذلك بصر الرقيق، فتوصف الجارية فيقال، ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، جيدة النهود، ظريفة اللسان وأرادة الشعر. فتكون في هذه الصفة بمائة دينار وبمائتي دينار، وتكون أخرى بألف دينار وأكثر، لا يجد واصفها مزيدا على هذه الصفة... إلى أن يقول ابن سلام. ويقال للرجل والمرأة في القراءة والغناء، أنه لندي الصوت والحلق، طل الصوت، طويل النفس مصيب اللحن، ويوصف الآخر بهذه الصفة، وبينهما بون بعبد، يعرف ذلك العلماء عند المعاينة والاستماع له، بلا صفة ينتهي إليها، ولا علم يوقف عليه، وأن كثرة الدراسة لتعدي على العلم به، فكذلك الشعر يعرفه أهل العلم به.
وهذا وارجوا للسيد الحلوي أن يعود إلى مقدمة طبقات ابن سلام هذا، فيقرأ ما قبل هذه الفقرات وما بعدها.
يزدد السيد الحلوي قول لطفي جمعة وفريد وجدي والرافعي رحمهم الله. فيما كتبوه في ردهم : لست أفهم لماذا يجهد الإنسان نفسه لينحل غيره شعرا، عصرا ذهنه في صياغته.
وأنا استغرب منه هذا الاستغراب، ولا استبعد أن يكون السيد الحلوي قد استهدف في يوم من الأيام لهذه الضرورة، وهو الذي يقرض القريض، فهم كما هم يوسف، ولكن الله عصمه فلم يفعل. أما أنا فاعترف بما لم اعترف به من قبل، وهو أنه لما كنت طالبا بثانوي القرويين، كانت لي زمرة من الزملاء «المستورى الحال» في الإدراك والذكاء، فكنت بينهم «غشيم الحجامة» إذا استعصى علي فهم فن، دعوت أحدهم لا قرائه ذلك الفن. وبهذه الوسيلة المجازفة كنت أخذ نفسي لأفهمها في تفهيم غيري، كالعادة التي ذكرتها، وما فهمت البلاغة والمنطق إلا بهذه الوسيلة، وكنت أجد منهم تقديرا لي وإعظاما لشأني. وسألني أحدهم وهم حضور عن مسألة لغوية لم يحضرني جوابها، فادعيت لها تفسيرا، عززته ببيت أدعيته..
حصل هذا حقا مرة واحدة مني، وأرجو ألا يقع مرة أخرى، وقد تورطت فيما تورطت والنفس إمارة لا تبرأ، ويعز عليها أن تهزم..
وهنا قد وجدنا أنفسنا «ننيش» وربما يكون هذا «النبش» مما يهم اللاحقين، إن كنت لنا ذكر عندهم، فهل قلنا شعرا ؟
أجل : قلنا في عدة مناسبات، وبعثنا به إلى العموم والخصوص : صدر العدد الأول من جريدة وطنية بتطوان، فبعث لصاحبها الأستاذ الطريس قصيدة أمدح بها تطوان.
وعاد الأستاذ المكي الناصري من القاهرة، وقد وفق في مهمته توفيقا مدهشا فحييته بقصيدة أنشدتها في حفلة تكريمه بتطوان.
وبالجملة تناولت موضوعات تناولها الناس قبلي، وكان شيطاني يسعفني في الهجاء كثيرا...
وغادرت تطوان سنة 1938، قاصدا المعاهد المصرية، وتركت عند أخي «ديواني» الصغير وديعة عنده، وفي سنة 1944 توفى والدي رحمه الله، وأنا بمصر، فحزنت حزنا بالغا، أنطقني بنظم : توهمت نفسي فيه معري وقته، فبادرت إلى مجلة الرسالة، ولكن الأستاذ الزيات لم ينشره، كما لم ينشر سابقه الأستاذ الطريس، فصمت عن النظم، ولما عدت إلى تطوان سنة 1949، مزقت ديواني الذي استودعته أخي، واحتفظت بالقصيدة «المعرية» وفي سنة 1952 اهديت الخليفة بتطوان نسخة من دلائل الإعجاز أرفقت بها قصيدة التقديم، وفي نهاية سنة 1957، عدت من مؤتمر الأدباء العرب الذي كان قد انعقد بالقاهرة، وقد نظمت قصيدة على لقاء صديق لي عراقي، ثم سلمتها إلى رفيقي الأستاذ عد القادر الصحراوي لينشرها على صفحات هذه المجلة، فتأخر نشرها. وزرته في مكتبه وطلبت منه إعادتها إلي، فأعادها. مظهرا انه على استعداد لنشرها، ولكنه عقب على ذلك بقوله : يظهر أن الإنسان حينما يزداد معلومات يفقد شاعريات. فكان هذا جميلا منه، وهو الذي نال جائزة العرش الشعرية، ثم ترك الشعر بعدها. ومنذ ذلك الحين طردت شيطاني إلى الأبد ورجمته،ى ومزقت القصيدة القاهرية. وعلى صدور العدد الخامس لهذه السنة من المجلة ابتسمت، لما وجدت نفسي مذكورا –خطأ- بالشاعر. فلعل شيطاني الرجيم أراد غوايتي ولا أقول أراد غواية الناس بي، لأعاذني الله منه...
لنعد إلى الموضوع فنرى الأستاذ الحلوي، يرى التضمين مبنيا على أساس انعدام الوحدة المطلوب في القصيدة، ولا نوافقه على ذلك، فالوحدة التي نرديها ويريدها الناس هو هذا الكلام الذي يدرك الناس فيه سلسلة التداعي المعنوي المنظم وهو شيء لابد منه في كل كلام يصدر عن عاقل، لا في القصيدة وحده، وأما التضمين الذي يعاب فهو الارتباط الأعرابي فيتعلق البيت التالي بالذي قبله تعلق الخبر بالمبتدأ مثلا، لا الارتباط الذي تأخذ فيه المعاني بأواصر بعضها.
وليس من (الغماوة) –سامح الله الكاتب- أن يستشهد للوقوف المتعدى في القرآن بوقوف شاعرنا. فربما لم يكن هذا غريبا على الحلوي الدارس، بعدما نضجت الفواكه وقدمت إليه في طابق شهي، أما أولئك الذين سبقوه والغالب أنهم لم يكونوا غرباء فكان هذا غريبا عليهم، بل كان غريبا حتى علي مثلي لو لم تسعفني «وقفوهم». ومن قبل بسنتين فقط، كنت والدكتور البعبيتي في موقف (غريب) حول الوقوف المتعدى، وهو أستاذ الأدب العربي ليدع فيه والاستشهاد بشعر لبيدوعنترة على قصورها، لا يلزمنا، لأن المفعول إذا ما علم، استغنى عن ذكره، فيتقلص الفعل في وظيفته حتى يعتقد أنه هكذا خلق لازما. وأصدقني أيها السيد، لو سئلت عن هذين الفعلين : «أصغى وأغضى»، بم كنت تجيب ؟ أبا القصور أم التعدي ؟. أما أنا فكنت أقول بالقصور، لو لم ينبهني عبد القاهر في دلائل الإعجاز، وقد جعل هذا النوع من الحذف الجلي الذي لا صنعة فيه. وقد علفت عليه، في إعادة نشري للدلائل سنة 1952 بقولي (ومن ذلك أقام بالمكان، أي خيمته ونزيد أصاخ إليه أي سمعه ووقف أي دابته ويجري مجرى المفعول متعلقات الفعل القاصر من مثل أدواتها تضعف وتقصر إذا أهمل أو قصر في استعمالها.  
ولهذا افترض علماء وظائف الأعضاء في رجل الغد للممتاز (السوبرمن) قصور الذارعين، لكثرة استغنائه عنهما بالأدوات...
ويقال للأستاذ الفاصل أن كون زيادة الحروف تدفق بها كلام العرب فهي مستفيضة في أسعارهم شيء تقرر في رأسك أنت وقد انتهت إليك القواعد بشواهدها في يسر ولطف. أما أولئك الذين كانوا يدونون النحو، من قبل ألف ومائتي سنة، وكانوا عجما فرسا أو موالي يلاحظون على هذه اللغة ما لم يلاحظه الخلص من العرب، ويتلمسون لها الشواهد، فإن ذلك كان غريبا تسيرا عليهم، ولاشك أنهم سألوا مثل حمادا الرواية، ولاشك أنهم أجيبوا بمثل ما أجاب به حماد هذا عمل فعل (صفة مشبهة) عمل الفعل بل إننا نجد بعد هؤلاء بخمس مائة سنة، نحاتنا يضطرون إلى التنبيه على هذه الزيادة، كما فعل ابن مالك، ثم استمروا يفعلون إلى يومنا هذا. فلو كان ذلك مستفيضا غير محتاج إلى تنبيه فاستدلال لذهبت القضية في صمت وسلام، ولما استعرضنا في خطف أو خطوف كلام المهلهل ولا عنترة ولا غيرهما، ولا كنا قد ادعينا (التحرر) من الزيادة: كان (الزيادة) أصل وغيرها فرع، ولما قلنا بالزيادة المطلقة مع أن فيها ما فيها.
ولا غرابة في أن يؤسس للغة العرب غيرهم قواعدها، فهذا التأسيس يقوم على الاستقراء والملاحظة، ومن عادة الإنسان ألا يلاحظ إلا الغريب عنه. ولهذا ألف في العربية الخليل وسيبويه، وكان تأليف أبي السود وعلى تحوم حوله الشبه، وألف بعدهما بست مائة سنة أبو حيان الأندلسي، أول نجو للغة الأتراك، كما ألف للأحباش وغيرهم. وفي عصرنا يؤلف الأجانب للغتنا العامية والبربرية نحوها. ونحن أهلها عاجزون عن هذا التأليف، لأنها لغتنا، فلا نستطيع أن نستخلص منها قواعد نحوية وصرفية وغيرها، فالإنسان لا يلاحظ مألوفة، كما قلنا.. وحكاية العرب أو الأعراب وموقفهم من النحاة والعروضيين معروفة مستفيضة.
وفي مثل (ويوم نحشرهم، ويوم نسير) يقال للأستاذ ما قيل له قبيل، وإلا لما احتاج المفسرون إلى تقدير (واذكر) ولسنا اليوم في حاجة حقا إلى التنبيه على أن العرب (حذفوا المبتدأ والخبر والصلة والموصول والصفة والموصوف والفعل والمفعول) فهذا ما يعلمه تلاميذنا، وهم في سنواتهم الأولى من ثانوية القرويين، ومن قبل كانوا على علم «بزججن الحواجب والعيون، وعلفتها تبنا وماء باردا، كما أن هناك فرقا بين هذا والتي ذكر بعدها، وبين التي ذكرنا في «يومياتنا»، ولعل الأستاذ على ذكر لابن مضاء في رده على النحاة، ولعبد القاهر في كتابه دلائل الإعجاز.
ولست أدري محل هذا البيت :
حلفــت فلــم أتــرك لنفسـك ريبـة       وليــس وراء اللــه للمــرء مذهــب
مما يزيد فيه الهدم والبناء، فهو يفهم من «لم تحلل» (أنها تعذرت عليه وحلفت حلف من يصم على ترك (كذا)  ما حلف عليه، فلا ينقض ما أبرمه بيمينه، ولا يحل ما عقده بها) ثم يقول ويمكن أن يستأنس لهذا يقول النابغة)
إننا مع حيرتنا نرفض بيت النابغة ونقول أنه بيت إسلامي أيضا، ثم يذكر الأستاذ بالقويعدات التي قرأها في الثانوي وقد تضمنتها منظومة :
(الأخضـــري عابــــد الرحمــــن        المرتجــــي مــن ربــه السنــان)
حتى لا يقع مرة أخرى في دور أو تسلسل...
وفي مناقشة للأبيات :
 
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل            وإن كنت قد أزعمت صرمي فأجمل
وإن كنت قد ساءتك خليقة               فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
أغـــرك منـــي أن حبـــك قاتلــي       وأنـــك مهمــا تأمــري القلــب يفعـل
لا نزيد على أن نضع أمام هذه الأبيات قوله تعالى : واهجرهم هجرا جميلا، وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا. فهذا يقابل البيت الأول، وقد فاتنا فيما كتبنا على أن ننبه على أن (مهلا بعض هذا التدلل) ولدتها (ومهلهم قليلا) كما قلنا أن (وأن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي) حملت بها –واهجرهم هجرا جميلا). وكل ما في الأمر أن المنتحل قدم المناخر وآخر المتقدم للتمويه، كما يفعل أولئك المموهون في الفنون عامة، ومنها الأدب، أفيكون هذا من الصدف المجردة ؟ كما يكون صدفة مجردة أن يرد البيت الثاني حاملا لهذه الثياب التي وردت في السورة التالي للأولى «وثيابك فطهر» وادعى بها النفس أو القلب.
ونستغرب من السيد الحلوي أن يذكر أننا تمحلنا في تفسير الثياب بالنفس، مع أننا ما تمحلنا : بل رددنا على من قال بذلك في (وثيابك فطهر)، ولم نر هذا الرد لأحد، كما أننا لم نقل أن المنتحل فعل ما فعل في هذه الأبيات (لا لشيء سوى أنه وقع تحت تأثير التلاوة فاندفع ليكذب لا ليؤيد رأيا يراه في لغة أو نحو ولا لغرض من الأغراض التي يمكن أن ينتحل من أجلها شعر) بل إنه أراد أن يلقي ضوءا –كما يقال- على معنى الهجر الجميل، الذي يغمض على بعضنا فهمه بهذا الإجمال في الصرم والمقاطعة وما ذلك الاستملاح إلا من هذا الاستعمال القرآني، ويأبون ما بين هذا وبين (أن يسأل الإنسان من معذبه أن يكون به رحيما فيخفف عنه قليلا من العذاب) ولو لم يكن السيد الحلوي يقرض القريض وهو لاشك يتذوق الأساليب البيانية، لقلت أن الرجل لا ينظر إلا إلى المعاني المجردة في أية حلة أتت بها، وأنه لا يلقي بالا لتلك التعبيرات الأدبية الأنيقة في سبكها والمتحلية بتلك الحلل التي تضفي عليها جمالا، وأي جمال : حتى قال الجاحظ ومن تبعه من البيانيين، أن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير أو كما قال في كتابه الحيوان :
مثل من يقول هذا مثل من ينظر إلى تمثال جميل لفتاة على وضع من الأوضاع الجميلة كذلك، قلا يزيد على أن يقول : هذا تمثال امرأة.. ومن اللطيف انه اضطر إلى الاستشهاد بالقرآن على كون الثياب ثيابا معروفة في لغتنا فأتى بالآية : «عن لباس لكم وأنت لباس لهن» وهذا يقربه من المشكلة والغالب على السيد الحلوي أنه يستشهد بعنترة، لكنه هنا ترك الاستشهاد بقوله :
فشككـــت بالرمـــح الأصـــم ثيابــه           ليــس الكريــم علــى ألقنــا بمحــرم
والسبب ظاهر لأن هذا أيضا يريد بالثياب القلب، كما قيل، لا أنه على غير ذكر لشعره...
وهنا تسأله إلا يشعر بشيء في «سلى ثيابي تنسل» من النسول بمعنى سقوط الريش والوبر والصوف والشعر، أو من الإنشاء بمعنى التسلي، مع أنه كان الواجب أن تشدد اللام من الانسلال المطاوع لتسلي. فهل يبيح شاعرنا لنفسه أو لغيره من المعاصرين ما أباحه في هذا البيت ؟ كلا، ولو بلغت الضرورة مبلغا...
وسكت السيد عن البيت الثالث ونضع أمامه ما ورد بعد هذه السورة في الانفطار : «يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم» وقد قلنا في ذلك ما قلنا، أفتكون هذه المسايرة للترتيب المصحفي صدقة من مجرد الصدف، أن هناك شيئا وراء هذا ؟
وأتى لأتصور السيد يقول : لم نكس المنتحل في الصورة التي أصرنا إليها، ولم ينكس في مسايرة ترتيب السور ؟
وتجيب عن هذا بأن ذلك مهم في القضية، وهذا ليس بمهم.
كما نذكر له أن المفسرين والنحاة، لم يضعوا هم هذه الأشعار للاستدلال، بل سألوا فوضعت لهم، وقضية البيت :
حـــذر أمـــورا لا تضيـــر وآمــن              مــن ليــس منجيــه مــن الأقــدار
 مثال من هذا. وفي مقدمة طبقات فحوا الشعراء تجد هذا الكلام لابن سلام :        
وكان ممنأفسد الشعر وهجنه وحمل كل غناء منه، محمد بن إسحاق بن يسار، مولى آل مخزمة بن المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس باليسر، قال الزهري لا يزال في الناس علم ما بقى مولى آل مخزمة، وكان أكثر علمه بالمغازي والسير غبر ذلك، فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول، لا علم لي بالشعر، أوتي به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط، وأشعار النساء فضلا من الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود...
وفيما كتبنا حول «مثل» في قوله : فمثلك حبلي، يقول : لعل (كذا) الواضع كان في غنة عن تكلف هذا الشعر وكلام العرب طافح باستعمالها (مثل) في الحالين (حالتي الأصالة والزيادة) ويذكرنا بطرفة والخنساء وعنترة.
فتقول له أن مثل هذا لو صح لا يكون شاهدا على الطفوح، ولو كان طافحا لما نبه عليه جهابذة النحاة، من مثل الجرجاني وغيره فوفقتهم تلك للتنبيه، ما كانت إلا وقفة من ينبه على الخطر الكامن حتى لا يقع فيه الواقع.
ثم نسأل الأستاذ عن مهمة «محلول» في البيت ؟ لاشك أن المنتحل اضطر إليها، وهو غير امرئ القيس الشاعر بالفطرة كما قيل.
وهذا البيت الذي ورد بعيده :
إذا مـا بكـى مـن خلفـها انصـرفـت لـه           بشـــق شقهـــا لــــم يحـــول
أيجد فيه الأستاذ تلاؤما بين «خلفها» وبين «تحتي» أم أنه يشعر بشيء لم يحكم فيه تصويره وقد افتعل افتعالا وادعى لصاحبه ادعاء : كيف يستطيع أن يتمثل هذه الصورة ؟ أما أنا فأراها صورة مشوهة، ولا أستطيع تمثلها إلا كذلك في تشويهها...
وفي صورة امرئ القيس يتكرم علي الأستاذ بأني على علم ليست صرة امرأة إبراهيم، فإن هذه بمعنى صيحة مثل الزوزني وابن منظور والجوهري الذين أجازوا فيها ذلك والشيخ مرتضي الذي جعلها الشدة من الكرب لا الجماعة التي لم يذكرها لا الزمخشري في أساسه ولا الفيومي في مصابحه وتلك بمعنى جماعة. وبهذا يجهل من قال بأنها هي ولا أدري لما ذا يحجز علينا ما لم يحجزه الناس قبلنا. ولو كنا ممن رضى من الثقافة (بحسنى أو بدرهم ونص) لأذعنا لتعاليم الستاذ ولكننا ما رضينا هذا وتطلب منه أن يعود إلى الشراج وأصحاب المعاجيم ليراهم لا يبخلون عليه بهذه الصيحة من الصوير، فلا يبخل بها على الناس.
وختم الرد بكلام غليظ : بعدما عرض لما قلناه في «يضيء سناه» «وليل كموج البحر» «ويأت يعني قائما غير مرسل» بالتسفيه، وجعلني متصيدا أو مترصدا، وقلب ظهر المجن كما يقال: ونحن الذين سبقوا فاحتاطوا لهذا القلب وتذرعوا له بالأدب والذوق، لا بالاقتراض المجرد الذي قال به أغبياء المستشرقين كما سبق أن أشرنا إلى ذلك فيما كتبنا...
ولسنا في حاجة لضرب الأمثال بنابليون ولا بالسيرليون والحقائق لم تكن في يوم من الأيام مسخرة للإنسان حتى نخشى التاريخ كما خشيه السي نابليون : بل الحقائق كانت ويجب أن تبقى مخدومة للإنسان الكامل، ولأجلها عاش الفكر الإنساني ونما نموه الذي ورفث ظلاله على الإنسانية فردت لها بعض الجميل أحيانا، وتعملقت عليها كشجرة الزقوم أحيانا أخرى فعصرتها بأغصانها، ولا خطر أرى من قضية الانتحال والدين وقرآنه وعلومه غي أمن وبخير وسلام ولله الحمد...
ولولا ورود هذا الرد من الأخ الحلوي، الذي أبادله الود والتقدير لما كلفت نفسي هذا العناء وله التحية عليه السلام ورحمة الله.    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here