islamaumaroc

[كتاب] الكتيبة الكامنة: للسان الدين بن الخطيب

  دعوة الحق

العددان 70 و71

لا أدري لماذا ننجذب بقوة سحرية غريبة نحو لسان الدين ابن الخطيب. وأخباره وآثاره.. ولا أدري لماذا يتسابق الباحثون في المشرق والمغرب للبحث عن تراثه في الأدب والتاريخ ولبعثه من مرقده بعد أن نام في الخزائن العامة والخاصة منذ قرون...
فهل كان ابن الخطيب بدعا في الوزراء والساسة والشعراء والكتاب المؤلفين ؟ وهل كان تراثه بهذه المنزلة من الخلود، بحيث لا تبلي جدته الأعوام ولا تأتي عليه القرون؟
إن بعض هذا أمر واقع ليس له من دافع... فابن الخطيب تجسمت فيه عناصر الحياة السياسية والفكرية والأدبية طيلة حقبة دقيقة من القرن الثامن الهجري في كل من الأندلس والمغرب...
فقد كانت قصائده في كل من بني الأحمر بغرناطة وبني مرين في فاس.. كما كانت رسائله ومؤلفاته في سائر الموضوعات التي تناولها مثالا يحتذى في ذلك العصر الذي يمتاز بطابع خاص في التعبير والتفكير...
أما شخصيته التي تقاذفتها الأحداث من أعلى المناصب ذات الجاه العريض والنفوذ الواسع.. إلى حياة النفي والالتجاء والقلق والمطاردة والمؤامرة والكيد..! فقد كانت هي الأخرى باعثا أساسيا لرواية قصته والبحث عن أخباره أيام سرائه وضرائه وعزته وخموله...
وقد عرفت مدينة فاس لسان الدين بن الخطيب سفيرا خطيرا.. كما عرفته لاجئا حزينا.. نفض يده من السياسة والوزارة وعكف على حياة التأليف والمطالعة.. واقتنى من العقار والدور ما كان له فيه سلوة عن قصوره بغرناطة..!
ويوم أبى ابن الأحمر إلا أن يقتل وزيره القديم وأن ينكل به أشنع تنكيل لقي ابن الخطيب مصرعه في فاس وضم رفاته ترابها..!
وقد صرع مع نابغة غرناطة يوم صرع كثير من مؤلفاته وآثاره فنهبت نهبا وأحرقت إحراقا ولم ينج منها إلا ما أعيت يد الزمان عن النيل منه وإعدامه...
ومنذ ذلك الحين شعر الباحثون بالفراغ الذي أحدثته هذه المؤلفات في عالم التاريخ والأدب فراحوا يسألون عنها كل غاد ورائح حتى إذا ظفروا بنسخة في الشرق أو الغرب اعتبروا ذلك فتحا مبينا ونصرا عظيما..!
ونحن الآن نستقبل كتابا جديدا من كتب ابن الخطيب أخرجته المطبعة أخيرا في بيروت وهو كتاب «الكتيبة الكامنة» الذي دون فيه المؤلف ارتساماته عمن لقيه من شعراء عصره في الأندلس.
والحق  أننا كنا في شوق كبير لقراءة هذا الكتاب من أجل الاطلاع على ما يمكن أن يكون قد احتفظ به من معلومات عن ابن الخطيب وعصره ومعاصريه من الشعراء الأندلسيين.
وحينما كنا نرى النقل عنه عند المؤرخين نشعر بألم كبير لأننا لم نطلع على أصله..
واليوم ها هو الكتاب بين أيدينا في طبعته الجديدة فماذا عنه ...؟
لقد ترجم ابن الخطيب لـ(103) من شعراء الأندلس الذين لقيهم. وروى شيئا من أشعارهم المختارة...
ونحن حينما نقول «ترجم» نكون قد تجاوزنا في هذا التعبير لأن ابن الخطيب لم يترجم في الحقيقة وإنما رسم خطوطا عريضة تارة ودقيقة أخرى لهؤلاء الشعراء... فرفع بعضهم إلى أعلى السماء ثناء وتقديرا وهبط ببعضهم إلى الدرك الأسفل شتما وهجوا وهتكا للحرمات...!!!
وقد أراد المؤلف بذلك أن ينتقم من أعدائه الذين تآمروا عليه وأبعدوه عن المنصب والجاه والنفوذ وأفتوا بوجوب قتله لأنه خرج عن شريعة الإسلام في زعمهم..!!
وقد شفى المؤلف غليله من هؤلاء فسجل عليهم مخازي لا تبليها الأيام، ولكن ابن الخطيب الذي ذم هؤلاء وشتمهم هو ابن الخطيب الذي رفع من قدرهم يوم ألف كتاب « الإحاطة في أخبار غرناطة»...
فنحن إزاء تناقض ابن الخطيب لا نملك من أمرنا شيئا سوى أن نتعجب من حوادث الأيام التي تعمل عملها في الصداقة والعداوة وتظهر الإنسان مهما سما في العلم والجاه أو المنصب ضعيفا أمام مصالحه وشهواته وأنانيته..!!
ورحم الله ابن الخطيب فقد شقي كثيرا بالناس..وشقوا به أيضا..! وكل منهما ليس إلا أداة سياسية تستعمل عند الحاجة إليها .. من طرف الذين كانوا يعملون تحت الستار..!
هذا عن التراجم وتناقضها مع أخواتها من كتاب الإحاطة...
أما عن أسلوب ابن الخطيب فهو الأسلوب المسجع الذي اشتهر به كتاب الأندلس ولاسيما ابن الخطيب. وبذلك ضاعت كثير من الحقائق والفوائد في سبيل تركيب الأسجاع والبحث عن المحسنات البديعية.. وأصبح الذي يريد أن يأخذ معلومات وافية عن المشاعر لا يجد أمامه إلا قوالب جامدة وألفاظا جوفاء ليس وراءها شيء..!
ولكن رغم النقد الذي وجهناه لكتاب «الكتيبة الكامنة» فإننا نجدها أثرا من آثار المؤلف يجب أن تنال مكانتها من تراثه.. وأن تأخذ حظها من التقدير..
ولعل ابن الخطيب لم تهمله الأيام ليتم كتابه هذا. فمات وتركه ناقصا مؤملا أن يتمه ابنه عبد الله، وقد أشار إلى ذلك في كتابه الذي بين أيدينا...
ولا نودع ابن الخطيب في هذا الكتاب دون أن نشير إلى انه احتفظ لنا بعدة قصائد ومقطعات شعرية من أعلى درجة في البلاغة والوصف، فهي إذن ذخيرة فنية تكتب في سجل حسنات ابن الخطيب.. وكم له من حسنات...!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here