islamaumaroc

الأحلام في الفكر الإسلامي

  محمد الأمري المصمودي

12 العدد

ظل موضوع الأحلام مصدرا لكثير من البحوث والدراسات التي قام بها فلاسفة ومفكرون وأطباء من مختلف الأزمان والأجناس، وهو إلى الآن لا يزال يستأثر باهتمام كثير من الباحثين في علم النفس، بل إنه أصبح مصدرا للتعرف على كثير من الأدواء والعقد النفسية التي البد أن تخضع للتحليل بطريقة أو أخرى، ذلك لأن طب الأجسام أصبح لا يستغني عن العلاج النفسي، ومرد ذلك إلى أن جميع الأطباء وعلماء النفس صار من المؤكد لديهم أن كثيرا من الأدواء ذات الأساس النفسي، لن تفيد المركبات الكيماوية وإخلاص العقاقير في علاجها، ومن هنا جاءت هذه الأهمية التي صارت تعطي لدراسة الأحلام، بينما كانت هذه الأهمية عند القدامى تأتي من مصادر تختلف باختلاف الأزمان والبيئات والمشارب والهواء، بالإضافة إلى مصدر يتفق فيه الجميع وهو النزوع إلى استكناه ظاهرة من ظواهر الإنسانية التي تستدعي التحليل والتعليل.
وبالرغم من أن البحوث في هذا الباب قد قطعت أشواطا بعيدة فإننا لن نستطيع بحال أن ندعي أن الحقائق المتوصل إليها لحد الآن، رغم وجاهتها وأهميتها-قادرة على إلقاء أضواء كاشفة عليه من جميع الجوانب، ذلك لان الحقائق المتعلقة بالإنسان ومحيطه ستبقى قابلة للتصحيح والتعديل ما دام للإنسان عقل يفكر، وما دام حب الاطلاع يدفع به دوما إلى اسكناه الأسرار الكونية، والكشف عن الخفي المجهول، وستظهر كشوف وكشوف في مختلف ميادين النشاط الإنساني تستطيع أن تلقى أضواء أكثر تركيزا على كثير من النظريات التي تتصل بالإنسان ومحيطه، وسيستفيد موضوع كهذا من هذه الكشوف كما استفاد من كشوف قبلها غير قليل، وهل ننسى نظرية اللاشعور أو العقل الباطن التي كان الفضل في أتباتها للعالم النمساوي اسيجوند فرويد ؟ وهي نظرية ساهمت بحظها في محاولة الكشف عن هذه الظاهرة المستعصية(1).
وكان من الطبيعي أن يسترعي موضوع كهذا فلاسفة ومفكري الإسلام، لعوامل مهما تعددت فإن من أبرزها عاملا قويا هو محاولة تفسير حقيقة النبوة، يسوي في ذلك الفلاسفة والشرعيون والصوفية، ومما يسترعي اهتمامنا أنهم يعتمدون في تعليلها-في الغالب الأكثر- على تعليلات روحانية ميتافيزيقية، وغن كانوا لا يغفلون أحيانا بعض التعليلات الفيزيولوجية والسيكولوجية، وسوف يتسنى لنا أن نعرف ذلك فيما بعد بوضوح، وسوف لا نستغني هنا أيضا عن العلامة ابن خلدون، لان يمثل في الحقيقة كثيرا من أراء فلاسفة الإسلام وعلمائه، وبعبارة أخرى نراه نموذجا لتفكيرهم في هذا الباب، حيث استطاع أن يوفق بين آرائهم، ويكون من مجموعها نظرية لا تخلو من عناصر فلسفية، وأخرى صوفية، وأخرى شرعية.

وعلماء الإسلام، وضمنهم ابن خلدون، لا يطلقون لفظ الأحلام إلا مضافا إلى الأضغاث، وهم في الأغلب يطلقون لفظ «الرؤيا» الذي هو أعم واشمل، والرؤيا كما يحددها ابن خلدون :
«مطالعة النفس الناطقة في ذاتها الروحانية لمحة من صور الواقعات»(2).
ولكي يتضح لنا هذا علينا أن نذكر أن للنفس الناطقة عندهم ادراكين : 1) إدراكا بالحواس، وهو الإدراك الظاهر، 2) وإدراكا بواسطة القوة الدماغية (الحس المشترك، والخيال، والواهمة، الحافظة والمتصرفة) وهذه تسمى بالإدراك بالباطن.
والنفس روحانية بالقوة، وغنما هي مستكملة بالبدن ومداركه، ومعنى هذا أن للإنسان استعدادا لأدراك ما في العالم، ولا يعوقه عن هذا الإدراك إلا قيد الجسم، فإذا ارتفع هذا القيد بطريقة ما، ثم له ما أراد من الاطلاع على الأمور الغيبية المستقبلة، وما النوم إلا أحد هذه الطرق التي يرتفع بها هذا القيد.
ثم أن هذا الاستعداد عام في البشر جميعا، إلا أنه عند الأولياء أقوى، أما عند الأنبياء فهو استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية المحضة، التي هي أعلى الروحانيات، واتي لا تتوقف في إدراكها على الحواس.
ومعنى هذا أيضا الإنسان يتوفر على قوة من الإدراك خارجة عن نطاق العقل، ودليلهم في ذلك ما يرى الإنسان من الأحلام التي تجد طرقها إلى عالم الحقيقة والواقع، وفي هذا دليل على أن النفوس البشرية ليس من العسير عليها أن تهتدي إلى العوالم العلوية «بل كل واحد رأى في نومه ما صدر له في يقظته مرارا غير واحدة، وحصل له على القطع أن النفس مدركة للغيب في النوم ولابد»(3).
ولحد الآن لا نجد فيما سبق سوى شرح يعتمد على الروحانية الميتافيزيقية، مأتاه في الحقيقة طريقة فهمهم للنفس الإنسانية، وهي طريقة لا تختلف في جوهرها عن طريقة اريسطو وغيره من فلاسفة اليونان، وجريا على محاولة فلاسفة الإسلام دائما التوفيق بين مضامين الفلسفة اليونانية والنصوص الواردة في القرآن أو الحديث، ويبدو لنا ذلك جليا عند الفارابي الذي كان أول فيلسوف إسلامي ادخل في حسابه التوفيق بين العقل والوحي، فهو مثلا يقابل العقل الفعال بالروح الأمين، والعقول المتدرجة بالملائكة، والأفلاك بالملأ الأعلى، على غير ذلك، نقول : جريا على تلك المحاولة نراهم هنا أيضا يحاولون أن يستفيدوا من نظرية النفس في إثبات حقيقة النبوة عن طريق الرؤيا التي هي خواص للنفس اللانسانية«وإذا جاز ذلك (أي إدراك الغيب) في عالم النوم فلا يمتنع في غيره من الأحوال»(4).
وابن خلدون يورد حديثا يقول : «الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزاءا من النبوة، وفي رواية : ثلاثة وأربعين، وفي أخرى : ثلاثة وسبعين» ويفيدنا أن المقصود الكثرة، لا حصر العدد.
وأغلب مفكري الإسلام يقسمون الرايا إلى : 1) صادقة  2) وكاذبة، ويحلو لبعضهم أن يضع لهذه وتلك أنماطا متعددة.
فالصادقة منها ما هو من الله، ومنها ما من الملك، فما كان واضحا جليا لا يحتاج إلى تعبير هو من الله، وما كان مرموزا بحاجة إلى تعبير هو من الملك.
أما الكاذبة فهي في مختلف صورها عند الغزالي كما عند ابن خلدون من الشيطان، والشيطان ينبوع الباطل، والنابلسي يفرق بين ما هو وحي الشيطان وما هو في وسوسة النفس أو من الأمزجة والطبائع، ويبني ابن خلدون تقسيمه على حديث صحيح : «الرؤيا ثلاث : رؤيا من الله، ورؤيا من الملك، ورؤيا من الشيطان» ويستمر في إيضاح كل نوع معتمدا على المضامين الفلسفة : «وهذا التفصيل مطابق لما ذكرناه، فالمجلي من الله، والمحاكاة الداعية إلى التعبير من الملك، وأضغاث الأحلام من الشيطان لأنها كلها باطل، والشيطان ينبوع الباطل.
ويجب الاعتراف بأن علماء الإسلام أولوا عنايتهم القصوى للرؤيا الصادقة، وحسبوا ما عداها باطلا من الشيطان، لكننا مع ذلك ا نستطيع أن ننكر لهم كل أساس فيزيقي، بل أنهم كما سنرى استطاعوا أن يتوصلوا إلى كثير من الأسس السيكولوجية والفيزيولوجية لتعليل الأحلام.
فإخوان الصفا مثلا ومعهم ابن سيرين والنابلسي يربطونها تتراءى لم الرياحين والمزامير والملاهي ونحوها، وذو المزاج ألبلغمي تتراءى له الأنهار والأمواج والبياض، وذو المزاج الصفراوي تتمثل له الصواعق والحروب والنار والدم، أما صاحب المزاج السوداوي فتتراءى له المخاوف.. ويقول الأمام الغزالي : وسببها حركة القوة المتخلية وشدة اضطرابها.. ويكون لمحاكاتها أيضا أسباب من أحوال البدن ومزاجه»(5)
ومثل هذا الرأي نجده عند الفارابي في «المدينة الفاضلة» فهو يقرر أن المخلية آثار اليقظة أثناء النوم، المتخلية تحفظ ما ارتسم في النفوس من المحسوسات بعد أن تفضل بعضها لاعن بعض، وقد يصادق أن يوافق البعض ما كان محسوسا، وقد يكون مخالفا له، وهو لا ينكر أن الأحلام تتشكل بالأمزجة والرغبات والميول التي تسبق الحلم أو تصاحب النوم، ومردها عند ابن خلدون إلى صور تعيها الحافظة، وكانت أوعت فيها عند اليقظة من لدن الخيال، لكنها أما أن تكون صادرة عن الروح العقلي المدرك، وتسمى حينئذ رؤيا، وأما أن تكون ناشئة عن الصور التي في الحافظة وهي الأحلام(6).
وابن رشد الفيلسوف المغربي العظيم نراه في «الحاس والمحسوس» يتفطن إلى أهمية رغبات النفس البهيمية وميولها، فالنفس المشتاقة إلى شيء فالعطشان مثلا يروي ظمأه في النوم.
والمحب يشبع في المنام حبه، أليس هذا قريبا مما يعبر عنه حديثا بالكبت أو التنفيس ؟ !
ثم أنهم أدركوا الصلة الوثيقة للحلم بشخصية صاحبه، ومن ثم كنا نراهم يلزمزن على المعبر، أي شارح الحلم، أن يكون على اتصال بصاحب الحلم حتى يسعه أن يفهم حقيقة الرموز، ونفس هذا الموقف هو الذي نراه عند علماء النفس المحدثين الذين جعلوا أداة للكشف عن حجب النفس البشرية، وعلاج كثير من الأمراض الناشئة عن عقد نفسية تقتضي التحليل النفسي.
ونستطيع أن ندلل على أنهم-ولاسيما من جردوا أنفسهم لتعبير الرؤى- تعمقوا تأويل الرموز التي ترى في الأحلام، وهي تأويلات لن يجافيها الصواب دائما، وقريبة نتائج بعض التجارب الحديثة، فالبحر ربما كان يرمز السلطان، والعداوة ربما رمز إليها بالحية، ولا بد من عامل الحس هنا، فالولد الأعمى لا يمكن أن يصور له السلطان بالبحر، ولا العدو بالحية، ولا النساء بالأواني، على حد تعبير ابن خلدون، لأنه لم يدرك شيئا من هذه، فيكون الرمز من جنس مداركه التي هي المسموعات والمشمومات، وابن خلدون يبهرنا بنظرية تكشف عن صدق التجربة، وهي مشابهة لبعض النظريات الحديثة، فهو يقرر أن الرؤيا لا تحدث إلا عند ابتداء النوم وذهاب الاختيار في الكلام. ويقرر الأستاذ «فولكمان» انه لاوعي ولا شعور على الإطلاق في النوم العميق، وان أحلامنا تقع في الانتقال التدريجي إلى اليقظة، ويرى «ودوبرث» في كتابه «السيكولوجية» فصل التخيل، أن الحلم يحدث بعيد النوم أو عند النوم الخفيف.
ولا بد من الإشارة إلى أن عامل البيئة والوازع الديني كان لهما الأثر الفعال في تكييف آراء علماء الإسلام في الموضوع، وإن كان هذا لا يعني قطعا أنهم لهم يستفيدوا ممن سبقهم في الموضوع من اليونان، بل أنهم تأثروا ولو تأثرا ضئيلا، (فالسمنودي) نحا نحو (ارطميدوس) في تصنيف الأحلام وتعليلها على : المحمود ظاهرا وباطنا، والمذموم ظاهرا المحمود باطنا، وهو يأتي بنفس الأمثلة التي أتى بها (ارطميدوس) لنفس الغرض، لكن مع التغييرات التي تفرضها ديانة السنمودي المسلم فيجعل بدل الآلهة، الإله مثلا(7).

ولعل من الأفيد أن نعرض نظريات المحدثين من علماء النفس في الموضوع، وقبل ذلك تنبه إلى أن الذي فتح باب الجدل في الموضوع من جديد، هو العالم النفسي والطبيب النمساوي (سيجموند فرويد) فقد ذكر في كتابه النفيس «تأويل الأحلام» وقد ظهر سنة 1900 أن الحلم ظاهرة من الظواهر النفسية المعقدة التي تستحق البحث والتدقيق، وليس حسب رأي بعض القدامى آثارا مهوشة لاضطراب الخلايا والمراكز العصبية، ولكنه عمل خاضع لقوانين وقواعد(8). 
ويقول الأستاذ (ادغار بيتش) في كتابه عن فرويد «أما فرويد فقد استطاع أن يعيد إلى الحلم طابعه النفسي الذي حذفه عنه أصحاب مذهب الذرة والأطباء العاديون والعقليون، بيد انه دون أن يعود إلى الشروح الصوفية أقام نظريته على أساس مادي، وحاول النفاذ إلى تفهم آليته، وأن تصريحه بأن الأحلام هي نتاج يحدث في داخل النفس، أي أنها تحدث في الشخص النائم، وإنها ليست رسالة إلهية في كثير أو قليل، كان تصريحا صدم التقاليد القديمة لدى الروحيين، ويمكن تعريفه بصورة مختصرة بأنه إرضاء (هلوسي) لإحدى الرغبات التي لم ترض ، والتي هي لا شعورية بصفة عامة»(9).
أما التصنيف الحديث لأنواع الأحلام، فهو كما يلي : 1) الأحلام التمثيلية، وهي التي تمثل لنا الحوادث التي سبق أن وقعت لنا بالفعل، وذلك تمثيلا مطابقا لما كان وقع تقريبا 2) الأحلام التنفسية، ووظيفتها إرضاء رغبة مقهورة أو شهوة مكبوتة، وفي نطاق هذا النوع الرغبات الغرزية المكبوتة، وقد رأينا كيف تفطن بعض فلاسفة الإسلام إلى هذا النوع 3) الأحلام التنبؤية، ولها تعليلان آخران زيادة على التعليل الروحي الذي رأيناه يثبت أن النفس مدركة للغيب، وهو ما عليه اغلب مفكري الإسلام، وضمنهم ابن خلدون، أما التعليلان الآخران، فأولهما أن مثل هذا النوع من الأحلام يشابه التفكير في أثناء اليقظة والعقل الباطن عند النوم يتوصل على أمور مجهولة أثناء الأحلام، مستفيدا من معلومات العقل الظاهر، ويدعى هذا التعليل، بالتعليل الاستنباطي. وثانيهما أن مارئي في الأحلام كان حافزا قويا في العمل على تحقيقه، فكأنها حسب هذا التعليل، موع من الاتحاد الذاتي الدافع إلى العمل، ويعرف هذا التعليل بالتعليل الإيحائي، وإذا كنا لا ننكر أن التعليل الأخير مقبول في بعض الحالات، فليس ذلك مما يجعلنا نعتقد بصحته دائما، خصوصا إذا كان تنبؤ الحلم يتعلق  بشخص غيرنا.
أما التعليل القائل بالصدفة، ومن القائلين به «تريدون-فينقصه ما يلاحظ من أن هذه الأحلام قد تتكرر في غير زمان أو مكان، ولا يعقل أن الصدفة تتدخل دائما.
أما الدكتور (رجرز) فقد بني رأيه في الحلم على نظريته في العقل، حيث يعتقد أنه يتكون من طبقات  عليا وسفلى، ونتيجة لذلك كان للإنسان نوعان من السلوك : 1) سلوك راق دقيق يخضع للتفكير والرؤية، وتضبطه الطبقات العليا للعقل، وله ارتباط بطبقات المنح الظاهرة. 2) وسلوك بدائي ساذج وهو المتصل بالطبقات السفلى للعقل، ويخضع للطبقات السفلى من الجهاز العصبي.
وينحصر السلوك الأول في الإنسان اليقظ المفكر.
أما السلوك الساذج فيبلغ غايته في أحوال غير عادية كما في النوم أو التنويم المغناطيسي، وعند الاضطرابات والأمراض العصبية.
ورنرز لا يعطي للغريزة الجنسية نفس الأهمية التي يعطيها إياها (فرويد) وإتباعه، كما أنه لا يجعل الأحلام قاصرة على تحقيق الرغبات المكبوتة بطريقة رمزية، وإنما يذهب إلى أنها تخضع لظاهرة التقهقر التي تقع في أحوال خاصة كالنوم وما شابهه، ومن ثم كان يقول بتدخل تجارب من النوع الذي حصل للإنسان الأول في الأطوار الأولى في الأحلام، فرؤية الإنسان نفسه يطير، أو أن ثعلبا يهاجمه، وما أشبه هذا ليست إلا ذكريات عن الماضي، عادت كما هي بتعديل ناشئ عن امتزاج العناصر والحوادث بعضها ببعض، امتزاجا أساسه عدم التمييز، أو نقص فيه، أو تداعي المعاني. وهذه من خصائص التفكير عند الأطفال والإنسان المتوحش، فأوهام الأحلام على هذا نتيجة مباشرة لنشاط أنواع أخرى من أنواع السلوك العقلي كانت تمنعها من الظهور الطبقات العقلية العليا، أو التجارب التي حصل عليها الإنسان في ادوار حياته اللاحقة لدور الطفولة (10) وقريب من رأي «رجرز» هذا، رأي العالم السويسري «برنج».
ويمكن أن نلخص رأي جمهرة المحدثين في أن الحكم يتمثل في إحدى صورتين : 1) إدراك خاطئ 2) أو وهم مجسم، ومعنى هذا أن الأول يتضمن صورا عقلية أدت إليها مؤثرات موجودة بالفعل، غير إن النائم إدراكها على غير وجهها، بينما يشبه الثاني خواطر اليقظة من حيث أنه أفكار وصور تتداعى بعضها وراء أنصار ومؤيدون ويذهب أغلب العلماء إلى الجمع بين الاتجاهين، وهكذا انتهوا إلى تقسيمها إلى 1) أحلام حسية تنشأ عن مؤثرات تقع على الحس الظاهر أو الباطن عند النائم 2) أحلام نفسية تنبع من معان عقلية وتستمد وجودها من ذكريات تفيض مما اختزن في اللاوعي من تجارب الماضي واختياراته، ومع هذا لا توجد هناك أحلام حسية محضة لا تتشكل بالرغبات والهواء ونحوها من وجوه الحالة النفسية عند النائم، كما لا توجد هناك أحلام ناشئة عن مؤثرات نفسية بحثة لا تتدخل المنبهات الحسبة في نشأتها.
ومما تقدم نخلص إلى ملاحظتين اثنتين :
1) أن ظروف المحدثين المتوفرة على دراسات بيولوجية وعقلية وفسيولوجية، لم يكن لها ما يشابهها عند المسلمين.
2) إن النظريات المحدثة في مجموعها تبقى ناقصة وغير مقنعة في جميع الحالات ما دام عنصر الروحانية مقصى عنها، وإذا كان العلم الحديث لم يستطيع بعد إخضاع هذا العنصر إلى التحليل، فليس له مجال أن ينكره على لإطلاق، ولا نعدم محاولات في هذا الباب لعلماء محدثين يصرون على رد الاعتبار لهذا العنصر الغامض على أساس علمي، ومن ذلك محاولة العالم الرياضي الانجليزي (دن) في إثبات نظرية «البعد الرابع» وهي نظرية تتعلق بالزمن، وهي في أساسها تهدم الفلسفة المادية، ويستدل عليها بتدليلات رياضية لها نصيبها من قوة المنطق، وكان يرى أن خير ميدان لإثبات نظريته هو العالم الآخر، لكن لما كان هذا العالم خارج نطاق التجريب العلمي فقد فكر (دن) في حالة أخرى هي أشد ارتباط بالموت وتدخل في نطاق الاختبار البشري.
كان يستثير انتباه هذا العالم ظاهرة عجيبة هي أن بعض ما يتوارد على حياته من وقائع وحوادث كان يصحبه إحساس بأنه قد شاهد هذه الحادثة أو وعى هذا الحديث من قبل، وبلغ هذا الشعور أقصاه عنده حين قرأ خبر ثوران بركان، وذهاب آلاف من الناس ضحايا من جرائه، فقد أحس ساعة قراءته الخبر تمام اليقين أنه كان يعرف أن هذا البركان سينور، وأنه كان على علم بعدد الضحايا، ولما شرع يحلل هذا الشعور خطر له أنه ربما كان قد حلم بالحادثة قبل وقوعها (11)
وهذا عالم انجليزي آخر هو الدكتور «سوال» كان يثير فضوله ظواهر لا يمكن تعليلها بالقوانين العلمية المعروفة، ومن هذه حادثة ثبتت عنده ثبوتا قاطعا وهي أن فتاة في نحو العاشرة كانت تسير في طريق زراعي تقرأ كتابا هندسيا، فأحست فجأة كأنما المناظر التي حولها قد تبدلت وتلاشت، ثم رأت أمامها أمها ملقاة على أرض إحدى الغرف وقد بدت عليها علامة الموت، ولتأثر الفتاة بالمنظر مضت فورا إلى الطبيب واستصحتبه معها إلى البيت، وقد وجد الطبيب أم الفتاة ملقاة على الأرض في غرفتها التي وصفتها الفتاة، وكانت تشكو من أزمة قلبية حادة ينقذها منها إلا مجيء الطبيب، وحفزت هذه الحادثة الدكتور «سوال» على القيام بتجارب عديدة قال بعدها : «أن الماديين سيتنكرون لهذه النظريات لأنها تهدم أسس فلسفتهم المادية. على أننا لا تقبل الزعم القائل بأن العالم المادي يحوي الحقيقة جميعها، وفي اعتقادي أن جذور وجودنا الإنساني يجب أن نتلمسها في ذلك العالم اللامادي، الذي فيه وحده نستطيع أن ندرك معنى البقاء بعد فناء كياننا الجسدي(12).
ولعلنا من هذا نستطيع أن نعلم أن تعليل مفكري الإسلام للرؤيا على أساس روحاني لا يزال يجد له أنصار ومدافعين من العلماء المحدثين، وإذا كانت أكثر أراء فلاسفة الإسلام في موضوع الرؤيا مستمدة من أرسطو، فإن فيها بالرغم من ذلك بعض الجوانب المبتكرة التي ترد إلى طبيعة التفكير الإسلامي نفسها، ويتجلى هذا الجانب المبتكر في نظرية الاتصال بالعقل الفعال عند الفلاسفة، وفي مذهب الاتحاد عند الاشراقيين من الصوفية، وفي القول بالإلهام وما شاكله عند المتصوفة.

 

 

(1) يقول الأستاذ سلامة موسى : «لقد تعلمنا كثيرا من فرويد، ولكننا لا نزال في حاجة إلى المزيد» من مقال «سيكولوجية فرويد» نشر في مجلة «العلوم» العدد السبابع سيبتمبر1956.
(2) المقدمة الرؤيا ص 178 طبعة دار الكتاب اللبناني
(3) المقدمة الرؤيا ص 183
(4) نفس الفصل من المقدمة
(5) مقاصد الفلاسفة ص 310-311
(6) المقدمة الفضل الثاني عشر تعبير الرؤيا ص 858
(7) «كتاب الأحلام» للدكتور توفيق الطويل ص 66-67
(8) عن كتاب «في علم النفس ج 2-295»
(9) فرويد تأليف ادغاربيتس ترجمة تيسير شيخ الأرض ص 61
(10) في علم النفس ج 2 من ص 307 إلى 313 باختصار وتصرف
(11) الأحلام والخرافات والسحر تأليف عبد الله حسين ص 180
(12) فاتحة الدراسات النفسية لنفس المؤلف ص 178 إلى 181 باختصار

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here