islamaumaroc

ماضي الإسلام

  دعوة الحق

العددان 70 و71

اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين

اللهم فاشهد إن المسلمين الأولين قد أدوا الرسالة، بلغوا الأمانة، وكتبوا لماضي الإسلام مجدا لن تزول معالمه، أو يفنى صداه، وان جهله الجاهلون من أبناء الإسلام اليوم..
اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين أن قتيبة بن مسلم الباهلي قد ساح تحت راية الإسلام بجيشه في الأرض، ففتح بخارى وسمرقند والصفد، وهي أدنى مدن الصين، ولما دخل سمرقند سجد لله شكرا، وبنى فيها مسجدا عام 714م 95 هـ ليكون منارة للإسلام، ثم حكم الأوثان والأصنام المصنوعة فيها وألقاها في النار، وبعث برسالة إلى إمبراطور الصين بوامغ جونغ 712/755م يدعوه فيها إلى الإسلام، وذلك عام 96هـ 715م.
اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين، عن قتيبة بن نافع وصل بجيشه الظافر إلى المحيط الأطلنتي غربا ولم يرده شيء عن نشر راية الإسلام إلا البحر، وأن موسى بن نصير اعتزم بعد فتح الأندلس أن يدور حول البحر الأبيض حتى يصل الشام، لولا أن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك استدعاه إلى دمشق، وان عبد الرحمن الغافقي قد سار بجيش لجب من الأندلس إلى وادي اللوار في فرنسا، وتقدم حتى مدينة تور، ونازل الفرنسيين وهزمهم، ولولا الحظ الأقل الذي وقف سدا منيعا أمامه، لجاب أوربا كلا، ففي المعركة التي دارت حول « بواتييه» و « تور» يوم الجمعة 7 شعبان 114 هـ 2 من أكتوبر 732م، هزم جيش الغافقي، وقتل القائد، وانسحب من نجا من المعركة من المسلمين إلى ما وراء جبال البرانس، وكانت هذه الهزيمة بخداع شارل مارتل الجرماني الكارولنجي المتعصب، مقدمة للمعارك التي استمرت في اسبانيا ثمانية قرون، وانتهت بطرد المسلمين منها، ومحو جميع معالم الحضارة من مدنها، وكانت هزيمة الغافقي شهادة ناطقة للإسلام والمسلمين، وصفحة مجيدة من سجل ماضي الإسلام المشرق، وفيها يقول المسيو لكود فارير الأستاذ بمدرسة اللغات الشرقية بباريس: « حدثت فاجعة كانت من الشام الفجائع، التي مرت بالانسانية في القرون الوسطى، وكان من نتائجها أن عمرت العالم موجهة عاتية، وطبقة عميقة من التوجس مدة ثمانية قرون. ولم تبدأ بالتبديد إلا على عهد النهضة، وهذه الفاجعة هي الانتصار البغيض الذي ناله – على مقربة من « بواتييه» و « تور» - أولئك البرابرة المحاربون من الإفرنج بقيادة شارل مارتل على كتائب العرب المسلمين بقيادة الغافقي عام 732م 114هـ، ففي ذلك اليوم المشؤوم تقهقرت المدينة إلى الوراء ثمانية قرون، ويكفي المرء أن يطوف في حدائق الأندلس، أو بين آثار مدنها، في اشبيلية وغرناطة وقرطبة وطليطلة، ليشاهد، والألم الدفين آخذ منه، ما عساها أن تكون بلادنا الفرنسية، لو أنقذها الإسلام العمراني الفلسفي المتسامح، لان الإسلام مجموعة كل هذا، فخلصها من الأهاويل والدمار والخراب الذي وقعت فيه « غالبا» القديمة وسواها، في حين كان العالم الإسلامي من نهر الوادي الكبير غربا إلى نهر السند في قلب آسيا، ويزدهر في ظل الإسلام.
اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين أن أبطالا من العرب المسلمين، قد فتحوا الشام ومصر وشمال إفريقيا، وتخطوا جبل طارق ففتحوا الأندلس، وغرب أوربا، وأن أبطالا ميامين من العرب المسلمين دخلوا جزر البحر لأبيض المتوسط: كريت وقبرص وصقلية ورودش وسواها، وأذنوا فيها بدعوة الإسلام، وبنوا المساجد والمدارس والجامعات، واعزوا العلم، وهيئوا للإنسان كل أسباب النهضة، وأن أبطالا آخرين، حملوا دعوة الإسلام إلى فارس وأفغانستان والهند وأذنوا بها في الصين. ودعوا إليها في الملايو وجاوة وجزر الهند الغربية، وبشروا بها في شرق إفريقيا وأواسطها وجنوبها وغربها، وساحوا شمالا حتى وصلوا القوقاز وشرقا حتى بلغوا مقاطعة نبان في جنوب الصين، وأحاطت مخافر إسلامية ثلاثة بأوربا طليطلة في الأندلس، وصقلية، وجنوبي ايطاليا، وركب البحارة المسلمون السفن إلى كل مكان من العالم من مراكز ثلاثة:
الأول: سواحل الشام والأندلس، ومنها انتقل المسلمون إلى المحيط الأطلنطي، وتوغلوا فيه، وتنقلوا في غرب افريقية، وداروا حول جنوبها.
والثاني: حضر موت، حيث أظهر العرب جلدا  وبسالة، فركبوا البحر إلى شرق إفريقيا، وكونوا ممالك إسلامية في مدغشقر، وجزائر القمر، وزنجبار، ودخلوا افريقية فكونوا سلطنة كبيرة، هي سلطنة رابح، التي تتحدث عنها دائرة المعارف الفرنسية، وبلغ الإسلام زمبيزي، ووصل إلى جنوب إفريقيا ونيسالاند وقد انتشرت فيها المساجد ومدارس  تحفيظ القرآن، واتجه الحضارمة إلى جزائر المحيط الهندي: كلديف ومالديف وسرانديب.
والمركز الثالث هو الميلايو، حيث نزلت فيها أمم إسلامية احتلت جارة وسومطرة، وبورنيو، ووصلت إلى«  بورت وارن»   في استراليا.
إن النور الذي انبثق من جزيرة العرب على يدي محمد بن عبد الله قد أضاء العالم كله خلال قرن واحد، أو يزيد على قرن بقليل، وداعيا إلى العلم والمثل الرفيعة والشورى، والأخذ بأسباب الحضارة...ومع ما نكب المسلمون به من الحروب الصليبية التي فشلت في زعزغة كيان الإسلام في الشرق, فقد أبادت البربرية الحضارة الإسلامية  و معالم النهضة التي شهدها المسلمون في صقلية وجنوبي ايطاليا في القرن الخامس الهجري، وجاء تخريب الفاطميين وإحراقهم لمدينة الفسفاط عام 564هـ، بما فيها من مساجد ومدارس وجامعات ومكتبات وكتب تعد بالملايين، ثم تخريب التتار لبغداد مركز الحضارة العالمي عام 656هـ ثم سقوط الأندلس عام 897هـ 1492م وتدمير المدن الإسلامية فيها، وإجلاء المسلمين العرب عن أراضيها، وإحراق الملايين من الكتب أو لقاء مثيلاتها في البحر، جاء كل ذلك شرا وبيلا على المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي، ولكن فتح الأتراك العثمانيين للقسطنطينية عام 856هـ 1453م أجج الحماس في صدور الملايين من المسلمين، واشتدت النكبات الهوج فأخذت تتوالى على المسلمين، وكشف فاسكودي جاما طريق رأس الرجاء الصالح، وانتقلت التجارة العالمية إليه، وحرم العالم الإسلامي من عوائدها الطائلة، ودمرت الأساطيل البحرية التجارية العربية في المحيط الهندي فكان ذلك معولا هداما في صرح النهضة والحضارة الإسلامية ولكن روح الإسلام لم تتزعزع، وكيانه القوي ظل متماسكا شامخا خلال القرون والأجيال، والذي حدث أن نهضة أوربا تأخر ازدهارها كثيرا بما وجهه البرابرة إلى الحضارة من ضربات قاسية بتأخيرهم سير الحضارة الإسلامية، وفي ذلك يقول نتيشه: «  لقد حرمتنا المسيحية من ميراث العبقرية القديمة، ثم حرمتنا بعد ذلك من الإسلام، لقد دست بالأقدام تلك المدينة العظيمة، مدنية الأندلس المغربية، ولماذا ؟ لأنها نشأت من أصول رفيعة، ومن غرائز شريفة، فهم من غرائز رجال واي رجال، إن تلك المدينة الإسلامية لم تنكر الحياة، بل أجابتها بالإيجاب، وفتحت لها صدرها، ولقد قاتل الصليبيون تلك المدنية  بعد ذلك، وكان أولى بهم أن يسجدوا لها على التراب ويعيدوها، وما مدنيتنا في هذا القرن التاسع عشر إلا فقيرة وانية بجانب مدنية الإسلام في ذلك الوقت».

هذا هو ماضي الإسلام المشرق، وأي ماض هو ؟ الم ينتصر الإسلام في حربه لعصور الجهل والوحشية والطغيان ؟ ألم يؤثل الإسلام للحضارة منارا رفيعا في قرطبة وغرناطة وفاس والرباط والمهدية والقيروان والفسطاط والقاهرة ودمشق ومكة والمدينة والبصرة والكوفة وبغداد وبخارى وسمرقند، وجرجان وأصفان، وسواها من عواصم الإسلام الكبرى ؟ الم يحرر الإسلام العبيد، ويرفع من شأن المستضعفين في الأرض ؟ إلى غير ذلك من جلائل الأعمال.

وهل ننسى فضل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن باجة والحسن بن الهشيم والرازي وجابر بن حيان في تطور الحضارة ؟.
هل ننسى جهود علماء الإسلام وأئمته الكبار من أمثال: مالك والشافعي وأبي حنيفة واحمد بن حنبل، وسواهم ؟.
هذا هو ماضينا المجيد، لكن الغروب المادي الجاهل المتعصب المسلح حارب الإسلام زورا وبهتانا نسب كل فضائل المسلمين وحضارتهم له، وجنى الثمار التي غرسها المسلمون في شتى النواحي، فلم يكشف أمريكا إلا العرب الذين قادوا سفن كولمبس، ولم يكشف طريق رأس الرجاء الصالح إلا المسلمون الذين كانوا ملاحي أسطول فاسكودي جاما بقيادة الربان العربي ابن ماجد، ولم يهتد الغرب إلى تراث الإغريق إلا بجهود العلماء المسلمين، وبذلك كشف الغرب ماضيه، وأخذ ينقب عنه، ولم يهتد الغربيون إلى أصول الحضارة، وإنما أخذوها عن المسلمين الذين كانوا حملة ألوية الحضارة الإنسانية.

واستدار الزمن دورته، فحارب الغرب الإسلام في كل ميدان ومجال، وانتصر على المسلمين لجهلهم وغرورهم وبعدهم عن روح الإسلام...وكان الاستعمار وغزوه السياسي والعقلي والحضاري للعالم الإسلامي، ووقف لودر لنبي في القدس بعد الحرب العالمية الأولى يقول : «الآن انتهت الحروب الصليبية» ومن قبل وقف كرومر في مصر يهاجم الإسلام، ويهدد الثقافة الإسلامية، ويعلن الحرب على كل ما هو إسلامي، ويتنبأ بسيادة الثقافة الغريبة والمتعلمين على أسلوبها*.
ولأن زعماء العالم الإسلامي نهضوا لبعث الحضارة والأمل في قلوب المسلمين، وجاهدوا في سبيل تحرير العالم الإسلامي من سيطرة الغرب، فقامت دعوات حرة جريئة، حمل لواءها أمثال: الأفغاني ومحمد عبده والإمام المهدي والإمام السنوسي وعبد القادر الجزائري ومحمد الخامس وغيرهم، وكانت أم هذه الاتجاهات الحديثة: حركة الأفغاني الإسلامية، الذي كان شعاره: لا أمة بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير عقيدة، ولا عقيدة بغير فهم.

لقد أثمرت حركات النضال الإسلامي ثمرات جليلة في كل مكان، ولما أجلى المسلمون الاستعمار من بلادهم، لابد لهم من الكفاح كرة أخرى من أجل تعزيز الثقة بالنفس، وبعث الأمل في صدور الملايين من المسلمين، وتقوية عقيدتهم في الإسلام وماضيه وحضارته ومثله، حتى يقفوا لكل المذاهب الهدامة من – الحادية ومادية ووجودية وغيرها – بالمرصاد، وحتى لا يتركوا أحدا يفتتن بها عن جهل..
لابد أن يدرك أبناء الإسلام أن لهم ماضيا عريقا في الحضارة، وان دينهم دين حي خالد، قاد الإنسانية إلى شاطئ العزة والحرية والإسلام، وسيقودها من جديد مرة أخرى إلى حياة أسمى ومستقبل أفضل واسعد مما بلغته حتى اليوم.

 * راجع ص 67 كتاب لودر كرومر (عباس الثاني)  

                                                                          

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here