islamaumaroc

كلمة حول الفقيد العلامة محمد بن عبد الله

  دعوة الحق

العددان 70 و71

في اليوم السادس من شهر ابريل المنصرم انتقل إلى رحمة الله العلامة الجليل شيخ الجماعة برباط الفتح الفقيه سيدي الحاج محمد بنعبد الله. وبذلك فقد المغرب دعامة قوية في ميدان العلم والمعرفة عموما وفي ميدان الفقه والقضاء والتشريع خصوصا.

وقد كان الفقيد عمدة في الحديث النبوي يرجع إليه كل من يهتم بهذا اللون الذي أخذ ينقرض من الثقافة الإسلامية كما كان معروفا بثقافته الإسلامية العربية الواسعة تفسيرا وحديثا وفقها وأصولا ولغة ونحوا وبلاغة.

وامتاز الفقيد رضي الله عنه بأخلاق كريمة وسجايا جمة وفضائل عظيمة تجعلك تطبق عليه بحق الكلمة المأثورة: أن العلم تقاف العقل وتربية النفس وتهذيب الذوق. فقد كان الحاج محمد بنعبد الله مثال العلماء العارفين الذين عرفوا مقامهم في المجتمع وأدركوا قيمتهم بين أقرانهم وأندادهم ولكنهم ما أرادوا في يوم من الأيام أن يطغوا بعلمهم رغم غزارته ولا أن يبغوا رغم سعته وشدة سلطانه بل كانوا دائما يحترمون الناس ويقدرون قدرهم ويلزمون سبل الرشاد.

ولم يكن الفقيد، كما قد يتصور بعض الغرانيق عالما جامدا أو نسخة مكررة من الكتب الست كما كان يحلو للإمام ابن تيمية أن يقول في بعض الحفاظ لصحيح الإمام البخاري ولكنه كان مثال العالم المنفتح الذي يومن بأن الدين الإسلامي قابل للتطور حسب الزمان والمكان ووفقا للظروف والبيئات والأحوال.

ولا أدل على ذلك من تبعه لمختلف الحركات التحررية الوثابة. التي تغمر العالم الإسلامي في هذا القرن العشرين ومساهمته بالقسط الوافر في كل ما يعود على المسلمين بالنفع العميم والخير الجسيم. أو ليس استعداده للتدريس في المدارس الحرة في فجر حياتها بالمغرب دليلا على هذا التفتح وبرهانا على هذا الاستعداد الفطري الذي كان يواكب روح الفقيد في كل مرحلة من مراحل تطوره المعنوي؟ فهل رأينا عبر التاريخ رجلا في هذا المقام علما وقدرا يبدي هذا الاستعداد ويدخل ليعلم أطفالا صغارا أبسط المبادئ في الدين واللغة وهو الذي يتصدى في الدروس التي يلقيها في أكبر مساجد العاصمة إلى أسباب الخلاف العالي بين الأئمة وإلى شرح أمهات الكتب الإسلامية في التفسير والحديث والتشريع والأصول؟
وهل سبق لنا أن عرفنا رجلا يفتح قلبه لكل راغب في المعرفة طالب للعلم ليزوده بما شاء من الإيضاحات والتفسيرات والمساعدات ولو لاحظ أن في بعض هؤلاء الطلبة تطفلا على المعرفة أو أنهم  لا يتوفرون على قسط من الذكاء يسمح لهم بتطوير معلوماتهم ورفع مستواها؟
لقد تصدى فقيدنا الكريم رضوان لله عليه إلى التدريس فكان خير أستاذ لمجموعة من الطلبة تعتبر أمثل نخبة في الرباط من المثقفين الذين تزودوا بالثقافة الإسلامية، وقد تخرج على يده جيل من الطلبة ما كان نبوغهم ليظهر ومعلوماتهم لتزهر لولا  هذا الشيخ الوقور المملوء علما ومعرفة والمحشو بيانا وعرفانا تداركهم وفتح قلوبهم للعمل والتقوى بعد ما فتح أذهانهم وفتق مداركهم وتعهدهم بالفرس والتلقيح والري كما يتعهد البستاني حقله وبستانه.

وتصدى فقيدنا للوظائف القضائية الكبرى فكان أمثل قاض في عهد الاستقلال إذ استطاع أن يظهر تفانيا عجيبا في تحمل المسؤوليات وتقلد التبعات، فلم تستطيع أن تتسرب لا إلى روحه رشوة بل ظل وفيا للشروط المتطلبة في القضاء من عدل ونزاهة واستقامة حتى لا تؤثر في نفسه العوامل المادية فتجرفه في تيارها الذي لا يبقى حرمة لأحد ولا يذر تقديرا لأي شخص.

ولقد كان لي شرف القرب منه في هذه الفترة الحاسمة من حياته، وقد كنت أشاهده يتزوى ويضطرب ويزور وينقلب كلما حال بينه وبين معرفة الحقيقة في إحدى النوازل حائل، وكنت أراه في هذه الحالة النفسية العصبية يجمع قواه ويصبر ويصابر ويقاوم إلى النهاية حتى لا يكون في حكمه جائرا أو في قراراه ظالما قاسيا وكيف لا تكون هذه الحالة وهو الذي يدرك قول الله تعالى: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا).

وكان الفقيد إذا وجد نفسه أمام مشكلة شائكة وكثيرا ما كانت تحدث هذه المشاكل الشديدة الحدة في بيوتات الرباط – يأخذ مراجعه الأساسية ويضيف إليها مراجع جديدة يدل اختياره لها على اتساع أفق مطالعته  حيث كانت الأحكام التي يصدرها رضي الله عنه طريفة من هذا النوع ويلم بالنازلة من جميع الوجوه ويمعن النظر في الملف حتى إذا ما أصبح على علم بجميع العناصر تروى وتدبر وتلكا وتفكر وإذا ما بدا له قبس من الضياء تمسك به واستل بقية خيوطه حتى يتضح له الأمر ويطهر له السر فيمسك بقلمه ويكتب نص الحكم أو التعليق عليه أو القول الفصل فيه.

وكم كان رضي الله عنه في هذه الأثناء يتعرض إلى نوع كبير من المضايقات من بعض الأفراد أو الهيئات فلا يتردد في ردها كما لا يحار في إيقاف سبلها. وكم كان يتدرس بجانبه بعض الأفراد قصد المساعدة والإرشاد ليحاولوا التأثير عليه. ولكنه كان كالطود الأشم لا يتزعزع عن مكانه ولا يتضعضع في موقفه. وأنى لهؤلاء أن يؤثروا عليه وهو القاضي الذي لا يخضع إلا لضميره ولا يحكم إلا بعقله ولا يتأثر إلا بما تتفق عنه ذهنيته ولا يعمل إلا بما يصل إليه اجتهاده من حلول وما يتوفق إليه من أحكام وهو يعبر بالنوازل السبيل. وهيهات أن تنزع من المرء الذي لا يحكم إلا بالعقل والنص أي شيء تريده عن طريق الإغراء والتأثير.

ومن جملة ما يستوقف المتتبع لشخصية هذا الرجل العظيم سلوكه في هذه الحياة لا بالنسبة لعائلته ولا بالنسبة لأصدقائه ولا بالنسبة للمجتمع.

فقد كان الفقيد الجليل غريبا في هذا السلوك إذا ما اعتبرنا مكانته الاجتماعية ومقامه العلمي والمنصب السامي الذي كان يحتله في ميدان القضاء.

لقد كان الفقيد العزيز مستقيما إلى أقصى حدود الاستقامة وكان مثاليا في نزاهته ولكنه كان صريحا لا يداري الكذابين والمنافقين كما كان حادا لا يقبل العبث بالقيم الأخلاقية من مروءة ورجولة ووفاء وصدق. فما كان يحابي أحدا من الذين يريدون أن يغروا بالناس ويضحكوا على ذقونهم كما يقول المثل الفرنسي. وقد كنا نجده دائما يقف موقف الجد والصرامة إذا ما تعرض أحد من العلماء أو الأصدقاء إلى إهانة كما يؤيد ويناصر كل من يسعى لأخذ حقه بالطرق المشروعة كما كان لا يتردد في الجهر بالحقيقة كلما حاول أحد من المدعين أن يزيف حقيقة علمية راسخة واضحة لا تقبل الارتياب والجدال والشك والاحتيال. فماذا كان يفعل لرد الأمور إلى نصابها؟ وكيف كانت تتجلى مواقفه إزاء المزيفين وأدعياء العلم ؟ وكيف كان يستطيع أن يجاهر بالحق الصراح ويصرح بالحكم الشرعي ؟
لقد كان هدف فقيدنا الغالي رحمه الله هذه الكلمة التي أثيرت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي:
«يعجبني الرجل إذا أسيم خطة ضيم أن يقول لا بملء فيه» كما كان يردد قولة الإمام الزمخشري: « الكريم إذا سيم الضيم أبى». وهكذا فقد كان الفقيد يؤمن بضرورة رد الأمور إلى نصابها إذا ما قلبت الأوضاع، وكان يرجع إذا كان الأمر يتعلق بقضية علمية سببها علماء السوء عن قصد أو عن غير قصد إلى كتبه ومراجعه فينكب على دراسة الموضوع ويكتب ما تيسر له فيه حتى إذا ما استوعب المسألة ووضع لها الحق واليقين من الشك والارتياب اغتنم أول فرصة يتصل فيها بإخوانه من العلماء والطلبة فقرأ عليهم ما كتب وأقنعهم علميا بوجهة نظره دون أي ضغط عاطفي أو حماسي حتى إذا ما وقف على رأي الجميع في الموضوع صدع بكلمة الحق في وريقات معدودات وأصبحت هذه الوريقات كالصارم المسلول على خصومه لا يرجع إلى غمده إلا بعد أن بظهر الحق ويزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.

ولعل نظرة عاجلة واحدة على ما خلفه لنا من مؤلفات وكتب تدل على ما كانت ترمي إليه هذه الكتب والمؤلفات وما تحققه من مرام علمية بعيدة الهدف ويمكن أن نذكر من هذه المؤلفات:
1)الصارم المسلول على مخالف سن الرسول في الرد على من استحق بدعة الذكر جهرا في تشجيع الجنازة.
2)ونيل السرور والمرح، بشرح قصيدة ابن فرح.
3)اتحاف ذوي الفضل والطرف، بما للنحاة في أبي هريرة من ترك الصرف.
4) تقييد في انتقاد رسالة إبرام النقض: لما قيل من ارجحية للقبض.
5) رسالة مختصرة في العقائد قراها مع طلبة محمد جسوس لما كان مدرسا بها.
6) رفع العتب والملام عمن قال قد قيل بالضحية عنه عليه السلام.
7) تقييد صغير عنوانه بثة مكظوم ونفاثة مصدور على ما آلت إليه الخطابة بالمغرب.
8) تقييد آخر اشتمل على فوائد تتعلق بحديث النبي(ص) وبموطأ الإمام مالك رضي الله عنه.
9) تقييد صغير في مناسك الحج.
10) تقييد في بعض أحكام ألفاظ الشهور العربية والبدر الذي لا يحجبه سحاب في أن ترجيح السنة على رأي الرجال أجدر بالصواب.
11) تقييد أملاه عند ختمه لقراءة ألفية ابن مالك.
12) تعليق على شرح شيخه سيدي المكي البيضاوي على نظم البيقونية في اصطلاح الحديث.
13) تفسير سورة ليلة القدر أملاه بالمسجد الأعظم في أواخر رمضان سنة 1380.
14) شرح لحديث إما الأعمال بالنيات اسماه مبلغ الأمنية من حديث الأعمال بالنية.
15)تعليق على نور العيون في تلخيص سيرة الأمين المامون للحفاظ أبي الفتح سيدي محمد بن سيد الناس ما زال لم يكمل.
16) شرح عقيدة رسالة ابن أبي زيد القيرواني.
17) شرح على رجز في تصريف الأفعال لشيخنا المولى محمد المدني بن الحسني ما زال لم يكمل أيضا.
18) تقييد ضمنه قيمة جعلها مقدمة لدروس الموطاحين شرع في قراءتها بالمسجد الأعظم.
19) وتقييد آخر في الكلام على الفظ المحدث والحجة والحاكم والمسند بكسر النون والمسندي بفتحها وزيادة باء النسب وأمير المؤمنين في الحديث.
20) تعليق على بلوغ المرام في أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر كتبها حين اقرائه له بجامع عطية بالرباط.
21) وأخرى على كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح للحسين بن المبارك الزبيدي.
22) ونيل الأرب من مسح الجورب. إلى غير ذلك من التقاليد العلمية والتقاييد الأدبية التي أودعها بعض الكنانيش.
وقد سبق للفقيد أن نشر بعض كتاباته بهذه المجلة«دعوة الحق» في مواضيع مختلفة كموضوع توحيد رؤية الهلال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما شارك بأحاديث دينية قيمة في إذاعتنا الوطنية.
وخلاصة القول فإن الفقيد الجليل الحاج محمد بنعبد الله كان عالما فذا استطاع أن يجمع بين العلم والعمل فلم يكن جامدا متزمتا سلبيا لا يفيد ولا يستفيد بل كان عالما نشيطا ايجابيا يؤمن بأن رسالة العالم في هذه الحياة هي رفع مستوى أبناء وطنه ونفض غبار الجهل عنهم وإسداء الخير لهم. أما عن طريق العمل المباشر المجدي وإما بواسطة دروس العلم وحلقات الوعظ والإرشاد وإما بمشاركتهم بالقلب وذلك اضعف الإيمان.

وسوف لا نكون قد وفينا المترجم حقه إذا لم نذكر أنه من العلماء العصاميين الذين كونوا أنفسهم بالاعتماد على مجهودهم الخاص ومطالعتهم ودراساتهم الفردية. فقد ولد الفقيد بالرباط قي سنة 1314 ودخل الكتاب وكان أهم العلماء الذين أخذ عنهم السادة: المحدث الكبير المولى محمد المدني بن الحسني المتوفى عام 1378هـ والأصولي الجليل سيدي محمد  بن السيد عبد السلام السائح المتوفى عام 1367هـ والشيخ أبو شعيب الدكالي المتوفى عام 1356هـ كما حضر دروس بعض علماء المغرب والمشرق نذكر منهم العلامة محمد الروندي ومولاي احمد بن المأمون البلغيثي ومحمد ملين سيد احمد بن الفقيه الجريري السلوى(المغرب) ومحمد بدر الدين الحسني شيخ دار الحديث الاشرافية بدمشق والعلامة شمس الدين محمد بخيت المطبعي وشمس الدين السمالوطي بمصر.

تلك نبذة عن حياة فقيد العلم والقضاء العلامة الحاج محمد بنعبد الله تعطينا صورة واضحة عن سيرة هذا الرجل العصامي وسلوكه وأخلاقه وتنبهنا إلى ضرورة الاهتمام بهذا الرهط الكرام من العلماء الأعلام الذين نقدهم الواحد بعد الآخر. فقد شاهدت الأعلام الذين نقدهم الواحد بعد الآخر. فقد شاهدت السنة الهجرية 1383 الراحلة وفاة عددهم من هؤلاء العلماء الذين ما ذهب احد منهم إلا وترك فراغا كبيرا نرجو الله أن يعوضنا فهي خيرا. لقد فقد المغرب في هذه السنة وحدها علماء أفذاذا أمثال محمد المختار السوسي واحمد بن جلون ومحمد بنعبد الله بالرباط والعلامة الزرهوني بمكناس فبمن سنعوض هؤلاء معشر المسؤولين عن مستقبل البلاد ؟ تلك صيحة نرسلها وكل أملنا أن تجد من كبار المسؤولين آدانا صاغية وقلوبا واعية. أما علماؤنا الذين التحقوا بربهم فقد ابتدأت حياتهم الحقيقية الدائمة بموتهم. فرحمهم الله رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته وأنا لله وإنا إليه راجعون.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here