islamaumaroc

البصرة ودورها الثقافي

  دعوة الحق

العددان 70 و71

كان اختطاط البصرة على يد عتبة بن غزوان أحد قواد العرب(1) تحت إمرة سعد بن أبي وقاص. وكان عتبة قد لفت نظر عمر بن الخطاب إلى ضرورة إنشاء مركز تجمع للجيوش العربية الغازية بالعراق، ويكون في ذات الوقت مقرا لحياتهم المدنية، وكان من الطبيعي أن يبحث عتبة بن غزوان عن المرعى والماء الذي كان أول ما اتجه إليه اهتمام العرب عند الاستقرار بمكان ما. وقد بنيت مساكنها الأولى بالقصب وكانت مياهها تتكون من الأنهار وحدها. وتقع في منبسط من الأرض بعيدا عن الجبال وتخللها الأنهار والنخيل، وقد كونت جيوش عتبة النواة الأولى لسكان المدينة.

وكانت البصرة بطبيعة أهميتها الجغرافية واتساع عمرانها منذ القرن الثاني الهجري، تشكل مركز كورة عظيمة، أي مقاطعة أو عمالة. وكان ضمن المدن الملحقة بها الأبلة وعبادان والمفتح والمــــــدار(2).
وقد تم اختطاط البصرة سنة 14هـ. وفي عهد الحجاج تم هدم دار الإمارة بالبصرة، وكان زياد بن أبيه قد بناها منذ توليه. وكان سبب الهدم أن الحجاج كره أن تحمل دار الإمارة اسم زياد، والواقع أن العقلية العربية كانت تكره أن تحمل المؤسسات العمومية أسماء أشخاص(3)إلا إذا دعت الظروف إلى ذلك تلقائيا.
ولم تكن ارض البصرة قبل سنة 14 هـ خالية من كل أثر للفرس، ذلك أن قصرا شهيرا للأكاسرة يعرف بقصر قباذ كان يوجد بها حيث يخرج إليه أمراء الفرس في منتزهاتهم. وكان قد هدم بعد دخول العرب، ثم جدده الحجاج بن يوسف(4).

وكان أول مكان نزل فيه عتبة، يسمى الخريبة وهو مركز حربي منذ عهد الأكاسرة الذين اتخذوا منه خطا دفاعيا لصد هجمات العرب المحتملة.

لوم يتبوأ الأمويون عرش الخلافة، حتى كانت البصرة قد أخذت تستبحر عمرانا إذ ارتفع ثمن الدروب بها، وكانت الدولة هي التي تتصرف مباشرة في بيع الأراضي(5) بها، وقليلون جدا أولئك الذين تم إقطاعهم بعض الأراضي دون مقابل. وبلغ من أهميتها العمرانية في هذا الوقت أن الحمامات بها كانت لا تبنى إلا بإذن الوالي إذ كانت تغل أموالا كثيرة.

وقيل في سبب تسمية البصرة بهذا الاسم أن جنود عتبة بن غزوان عندما كانوا مشتغلين بفتح العراق بلغوا مكان البصرة فقالوا هذه ارض بصرة(أي غليظة لكثرة طينها وحصاها) .

ومن المؤكد أن العرب لم يفكروا في إنشاء البصرة لتكون ميناء تجاريا أو حربيا إذ لم تكن لهم سفن تجارية في المحيط الهندي، كما أنهم كانوا يتحاشون القتال بحرا في بداية دولتهم. وهذا لا يمنع من وجود سفن قادمة من الصين والهند عبر المحيط الهندي، وكانت تنزل بمرفأ كان يوجد هناك قبل بناء المدينة(6).

وقد عمل العرب إلى تحويل أنهار البصرة وترعها إلى حيث يستصلحون توجيهها حتى كانوا يزيدون في الأنهار أو ينقصون منها مسافات طويلة(7)بل أن الأنهار والترع المحولة بدأت تحمل أسماء حافريها عن غير قصد.

وقيل أن بعد الله بن عمر بن عبد العزيز عامل يزيد بن الوليد على العراق شكا غليه أهل البصرة ملوحة مائهم، وأشاروا عليه بتحويل ماء البطيحة على البصرة. والبطيحة تبعد جدا عن البصرة، وقد كلفت هذه العلمية ما يقرب خراج العراق عن سنة كاملة ولم يتردد يزيد في تنفيذ الفكرة بالرغم من فداحة النفقات المطلوبة.

ولم تكن عملية تنظيم الري وتحويل المياه بشيء جديد لدى عرب اليمن الذين جند مهندسوهم وخبرائهم لهذا الغرض.

وكما كان موضع البصرة معسكرا في أيام الأكاسرة، فإن العرب قد ضربوا فيه محلتهم كذلك منذ سنة 41(635م).

ومما يرويه ياقوت(8) أن عمر بن الخطاب أراد أن يتخذ للمسلمين مصرا، فلما فتحوا البحرين وبعض بلاد فارس كتبوا إليه: أنا وجدنا بساطان مكانا لا بأس به، فارس كتبوا إليهم أن يبني وبينكم دجلة. لا حاجة في شيء بيني وبينه دجلة أن تتخذوه مصرا ثم قدم عليه رجل من سدوس يقال له أبو ثابت فقال يا أمير المؤمنين إني مررت بمكان دون دجلة فيه قصر وفيه مصالح للعجم، يقال له الخريبة ويسمى أيضا البصيرة بينه وبين دجلة أربعة فراسخ، به خليج يجري فيه الماء إلى أجمة قصب فأعجب ذلك عمر.
وتقول بعض الروايات(9) أن اختطاط الكوفة والبصرة تم في سنة 17هـ ولم يمض وقت قصير حتى بدأ العرب يغرسون حولها النخيل، وكان أول من دشن هذه العلمية ابن ابي بكرة أحد وجوه الجيش العربي تحت قيادة عتبة، وكان ذلك بمناسبة ازدياد ولده عبد الرحمن ولقد أصبح لنخيل البصرة شان فيما بعدن الشيء الذي لفت نظر الجغرافيين والرحالة الأولين(10) بل روي أن الرشيد قال: نظرنا فإذا كل ذهب وفضة على وجه الأرض، لا يبلغ ثمن نخل البصرة(11) ولقد استغرب المقدسي في رحلته من كثرة فتنها(12)
وإذا كانت البصرة في ذات الوقت مدينة تجارية علمية، فقد اشتهر أهلها بأنهم كانوا ابعد الناس نجعة في الكسب، حتى لقد كان يوجد من بينهم من يتاجر بالسوس الأقصى(13)وكان يوجد في البصرة من كل شيء شيء. إذ كانت ميناء وملتقى للتجار من أجناس مختلفة، فكثر تمرها وماشيتها ومنتجاتها مزارعها(14).

ومن الطريف أن تكون البصرة موضعا للمدح والذم على اختلاف في الآراء وحسب الظروف حتى قيل أن عليا بعد أن دخل غليها ذم أهلها في خطبة له، ثم خرج منها وقال: الحمد لله الذي أخرجني من شر البقاع ترابا وأسرعها خرابا.

ولاحظ الجاحظ أن من عيوب البصرة اختلاف هوائها في اليوم الواحد(15)«لأنهم يلبسون القميص مرة، والمبطنات مرة، لاختلاف جواهر الساعات».

كما وصفها البعض بالرعناء، فقال عنها الفرزدق:
لولا أبو مالك المرجو نائله
         ما كانت البصرة الرعناء لي وطنا
وقال عنها اليعقوبي: أنها كانت مدينة الدنيا ومعدن تجارتها وأموالها. وقال ابن الفقيه عن عائلاتها:
بالبصرة أربعة بيوتات ليس بالكوفة مثلها : بيت بني المهلب وبيت بني مسلم بن عمرو والبهلي (من قيس)، وبيت بني مسمع من بكر بن وائل، وبيت آل الحارود بن عبد القيس.
وقال المقدسي حول عظم مساحتها:
كنت بمجلس جمع فقهاء بغداد ومشايخها: فتداركوا بغداد والبصرة فتفرقوا على أنه إذا جمعت عمارات بغداد لم تكن أكبر من البصرة.

ونلاحظ أنه من القرن الأول الهجري بدا تدفق الفرس على البصرة حتى بلغ من تأثيرهم أن سميت القطاعي والأنهار بالبصرة بأسماء عربية ألحقت بها علامات فارسية كالمهلبان وعبيد اللهان والجعفران والخالدان.

ولقد كان التخطيط مدينة البصرة طبق نظام محكم، فإن المشرف البلدي كان غير الوالي العسكري(16) وهو الذي كان يشرف على نزول السكان الوافدين، من مختلف الأماكن كما حددت الأزقة من طرف المشرف بسبع أذرع سعة، المناهج أي الشوارع بأربعين ذراعا سعة(17)
وقد لعبت البصرة منذ عهد الخلفاء الراشدين، دورا سياسيا واقتصاديا هاما فضلا عن دورها الثقافي وهكذا أحدثت ثورة حقيقية بها منذ عهد عثمان سنة 35هـ(656م) حيث رفض أهلها ولاية عبد الله بن عامر الذي كان من أقرباء عثمان.

وبعد مضي اقل من سنة واحدة على هذا التاريخ حدثت موقعة الجمل التي حضرت فيها عائشة زوجة الرسول محمد(ص)، مطالبة بالاقتصاص لعثمان.

وفي أيام الأمويين كانت البصرة مسرحا للعصيان القبلية بحكم كثرة القبائل التي كانت ممثلة فيها.
وفي عهد العباسيين حدثت بها ثورة الزط الشهيرة. والزط هم قوم من السند(18)كانوا في جنود الفرس ثم اسلموا بعد أن دالت دولة هؤلاء ولكن الزط تكاثر عددهم تناسلا وبمن أنضاف إليهم من الموالي والعبيد، وتكون منهم جماعة من الأرذال وقطاع الطرق وكانوا يمثلون خطرا حقيقيا على الدولة، وقد تمكن المعتصم في النهاية من القضاء عليهم بعد أن قطع عنهم الماء بتحويل مجاريه.
ولكن العباسيين دهوا مرة أخرى بالزنوج الذين ثاروا بقيادة شخص اسمه علي بن محمد وكان يدعي أنه من سلالة الإمام علي فقاد هؤلاء الزنوج في ثورة عارمة تمكن خلالها من بسط نفوذه على جزء كبير من العراق.

واستمر سبع سنوات إلى 874م يقهر جيوش العباسيين إلى أن استطاع الموفق اخو الخليفة المعتمد يومئذ أن يضع حدا لهذه الثورة وقام ببناء مدينة صغيرة قرب البصرة التي نخربت بسبب الثورة المذكورة.
وتوالت الهجمات بعد ذلك على البصرة الثانية التي خلفت البصرة القديمة واتسعت كسابقتها فغرزاها القرامطة في نهاية القرن الثامن المغول في القرن الثالث عشر.

وبعد أن خضعت البصرة للترك بضعة قرون، دخلت تحت السيطرة الانجليزية ضمن سائر بلاد العراق أثناء الحرب العالمية الأولى.

العراق والحياة العلمية:
لم تتل العراق مكانتها العلمية عبثا، لوم تبلغ هذه المكانة لوجود الخلفاء العباسيين بها، وإنما كان ذلك:
1- لأن العراق مهد الحضارات العريقة من أشورية وبابلية وغيرها، كما أن الفرس ساهموا في تحضيره ونشر الثقافة به.

2- لأن السريان الذين ساهموا في نقل علوم اليونان كانوا يقطنون به.
3- لأن كثيرا من الوافدين على الهند من العلماء كانوا ينزلون به.
4- لأن احتكاك عدة ثقافات«عربية هندية يونانية فارسية» أفاد العلم بهذا البلد من حيث لم يفده في بلد آخر محروم من هذا التلاقح.

 أما في الميدان اللغوي بما تضمنه من أدب ونحو وقصص وأمثال، فإنما كان العراق مركز إشعاع فيه، لأن اللغة أقبل على دراستها الأعاجم الذين لم يكونوا يتحدثون العربية سليقة والذين كانوا أحوج إلى إتقان اللغة من غيرهم.

ومن الملاحظ أن العناية برواية اللغة ودراستها وحتى التأليف فيها بدأت في وقت مبكر نسبيان قوبل نشأة الدولة العباسية.

وكان دور العباسيين في هذا الميدان هو دور التشجيع المادي والمعنوي. وجلسات الأصمعي مع الرشيد ومناقشاتهما اللغوية وأوضح في هذا الباب كما تشهد بذلك قصص الأغاني.

فدراسة اللغة أو روايتها على الأقل بدأت في عهد الأمويين ثم تطورت وتركزت في عهد العباسيين، والتطور طبيعي في اللغة أكثر من أي ميدان ثقافي آخر.

وقد سهل تكاثر العناصر غير العربية بالعراق إمكانية تمييز الألفاظ والتراكيب التي دخلت العربية من لغات مختلفة حتى أمكن للمحققين الذين تلقوا دراستهم بالعراق أن يردوا كثيرا من الألفاظ العربية إلى اصول غير عربية. كما فعل الثعالبي في فقه اللغة«فصل في سياقة أسماء فارسيتها منسية، وعربيتها محكية مستعملة »حيث أمكنه أن يرد على الفارسية أمثال هذه الكلمات: الخراط، الخياط، الصندوق، الكرسي، المشجب، الحربة، الأزرار، البخور البرقع، الهريسة، الحلال، الحرام، الساقي الشرب، النصيحة، الوسوسة، الحد، الصواب، الخطاء.

ولعبت البصرة بسوقها المربد دورا هاما ليس في النشاط اللغوي فحسب، بل في كثير من فروع الثقافة، وفيها نشأت مذاهب ونزعات مختلفة في ميدان الفكر والسياسة، وهكذا نشط فيها مذهب المعتزلة والأشعرية، كما كان لإخوان الصفاء فيها دور ملحوظ.

وإلى البصرة ينسب الحسن البصري رأس قراء البصرة(19)، كما ينسب إليها واصل بن عطاء رأس مفكري المعتزلة وفيها تلقى دراسته الجاحظ، كما ولد فيها أبو الحسن المدائني في منتصف القرن التاسع م(840أو 845م) وهو من المؤرخين الأولين في الإسلام ومن رجالاتها كذلك، الأحنف بن قيس وطلحة بن عبد الله وابن سيرين، ومالك بن دينار(20).
وقد ظهر إخوان الصفاء في أواخر القرن الرابع هـ وكانت جمعيتهم سياسية دينية تميل إلى الأخذ بمذهب الإسماعيلية، ولكن نشاطهم الثقافي كان أكثر وضوحا من نشاطهم السياسي وهكذا أنشأوا حوالي 52 رسالة تضمنت إغراضا وعلوما مختلفة تتلاءم ومذهبهم المتسم ببعض الغموض، وكان اسم إخوان الصفاء يمثل مجموعة تهدف إلى الأخذ بالمثل العليا في تضامن علمي متين. ومن هذه الجماعة زيد بن رفاعة وأبو سليمان محمد السبتي المعروف بالمقدسي وأبو الحسن علي بن هرون المعروف بالزنجاني.

وأساس مذهبهم فكرة الأصل السماوي للأنفس وعودتها إلى لله، وهكذا انبثقت النفس البشرية في رأيهم عن وحدة الله تدريجيا بواسطة العقل فالنفس ثم المادة الأولى فعالم الطبائع ثم الأجسام ثم عالم الأفلاك ثم العناصر وما يترتب منها، وهي المعادن والحيوان والنبات.

وكان من الطبيعي أن يأولوا آيات القرآن تأويلا رمزيا يتفق وأفكارهم كما فعل سائر الشيعة على اختلاف نزعاتهم وتحث إحدى رسائلهم عن نظام الجماعة وتكوينها وأغراضها وأسلوبهم يسوده التلميح وبعض الغموض وهو على العموم يعمل على توجيه النفس نحو الفضيلة وقد كان مركز الجماعة بالبصرة كما يتقدم.

ولقد سعت دائرة الثقافة بالبصرة، بفضل التيارات المختلفة التي كانت تتجاذبها وكانت السريانية من اهم وسائل نمو الحضارة العربية، بل كان لها تأثير حتى في الفارسية.

وكما ساهم البصرة بأوفر نصيب في بعث اللغة وجمعها، كذلك شاركت كمركز ثقافي في ميدان الدراسات التاريخية فهذا أبو عبيدة يضع لنا عدة كتب في أخبار القبائل كأخبار عبد القيس ومثالب باهلة ومناقب بأهله، والأورس والخزرج وكتاب بني مازن وأيادي الأزد، كما وضع كتاب أخبار الحجاز ومسلم بن قتيبة، وغارات قيس واليمن وفتوح أرمينية وخوارج البحرين واليمامة وقضاة البصرة، وهذا الكتاب يعتبر من أوائل كتب الطبقات، وفي تزكية مساهمة لغوي البصرة في الدراسات التاريخية يقول المستشرق جب. إن ميدان الأخبار القبلية الذي ظل إلى وقت قريب ميدانا موقوفا على الرواة والنساب قد غزاه فقهاء اللغة الذين بمحاولتهم جمع وكشف كل ما بقي من الشعر القديم قد قدموا للتاريخ خدمة جلى، وذلك بجمعهم ونخلهم هذه الكميات الهائلة من المواد.

ومن علماء التاريخ بالبصرة كذلك، آل دأب ومنهم عيسى بن دأب وأخوه ثم الحارث بن أبي أثامة المشهور بالمدائني وقد وضع كتبا كثيرة في أخبار النبي وقريش وأخبار الخلفاء والفتوح والأحداث السياسية على العموم حتى أن مصنفاته تعد بالعشرات، ومن مؤلفاته :
1)مفاخرة أهل البصرة والكوفة
2) القيافة والزجر
3)المراعي والحبال
4)فتوح مصر
5)أخبار الفرزدق
6)خصومات الأشراف
7)القلاع والأكراد
8)فتوح الحيرة الخ...
ومن اللغويين الذين ساهموا في لتاريخ أيضا أبو عبد الله بن سلام الجمحي الذي وضع كتاب بيوتات العرب وطبقات الشعراء الجاهليين(21)الخ.. وأبو
سعيد عبد الله بن شبيب الربعي البصري صاحب « الأخبار والآثار» الذي رواه عنه ثعلب(22)وعمر بن شابة تلميذ ابن سلام(262هـ) وقد وضع بدوره عدة مصنفات تاريخية منها:
1-أمراء الكوفة
2-أمراء البصرة
3-أخبار المنصور
4-مقتل عثمان
وأخيرا الفضل بن الحباب الجمحي قاضي البصرة(305هـ) وهو صاحب كتاب طبقات الشعراء الجاهليين وكتاب الفرسان.
على أن أقدم كتاب معروف في التاريخ ألفه بصري هو أبو إسماعيل محمد بن عبد الله الازدي مؤلف كتاب فتوح الشام الذي ثم طبعه بالهند(1854م).

ما في العلوم الدينية فقد نبغ في البصرة عدد من المحدثين كسفيان الثوري(161) صاحب الكتاب الجامع الكبير والجامع الصغير وحفص الضرير وعبد الله بن مسلمة وانس بن مالك(91هـ) ومعقل بن يسار(60هـ) والحسن البصري(110هـ) ومسلم بن يسار(100هـ) وحماد بن مسلمة(156هـ) وهو صاحب كتاب السنن.
كما ظهر عدد من المفسرين كابي العالية(90هـ)وسعيد بن بشير ومحمد بن تور(117هـ) وعلي بن عيسى الرمالي الذي اشتهر باللغة أيضا (351-962) وقد سئل الصاحب بن عباد: هلا صنفت تفسيرا فقال: وهل ترك لنا علي بن عيسى شيئا؟
وفي علوم القراءة التي ترتبط من قريب بالدراسات اللغوية، كان دور البصرة ذا أهمية لا تنكر. ومن نبغاء هذا الفن من رجالات البصرة يعقوب بن اسحق الخضرمي(205) وأبو عمرو بن العلاء(154) وهو الذي درس عليه أغلبية القراء وكذا الحسن البصري الذي درس عليه أغلبية القراء وكذا الحسن البصري الذي فاقه تأثيرا في هذا الباب أبو عمرو المذكور.

وفي الفقه ظهر عدد من العلماء كابي الهذيل زفر ابن الهذيل(158) وقد غلب عليه الرأي كما يقول أبن النديم ثم أبو بكر يحيى المشهور بهلال الرأي(245هـ) وهو صاحب تفسير الشروط وكتاب الحدود.

أما في الصوفية فيكفي أن نذكر اسم الحسن البصري وهو احد التابعين ومن علم وزهد وورع وعبادة(23) وقد قيل أنه تأثر بأستاذه صفوان بن محرز المازني المتوفى سنة 74هـ وأبوه هو مولى زيد بن ثابت الأنصاري، وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج الرسول.

وقد تتلمذ على يد الحسن البصري جماعة كبيرة من المريدين كمالك بن دينار(131) وأبن يعقوب السبخي(131).

ومع أن الحسن البصري كان رأس مدرسة التصوف بالبصرة فإنه كان مجرد داعية على الزهد والورع في ابسط مظاهره دون أن يتخذ مذهبا محددا. على أن تلاميذه أمكنهم أن يبلوروا مذهبه عن طريق الإغراق في حب الله ومبدأ التجلي مع المناداة جهرا وبدون تحفظ إلى ترك أغراض الدنيا والإعداد للآخرة.

ودور البصرة في باب الاعتزال أشهر من أن يذكر. فمن شخصياتها ومؤسسي الاعتزال أبو محمد بن الهذيل المعروف بالعلاف، واحمد بن أبي دؤاد(240) وهو الذي كان له تأثير قوي على المامون ثم محمد بن عبد الوهاب المعروف بابي علي الجبائي وهو الذي ذلل الكلام وسهله وسير ما صعب منه، وإليه انتهت رئاسة البصريين في زمانه لا بدافع في ذلك(24) وأبو عمر بن الخلال القاضي صاحب كتاب الأصول وكتاب المتشابه وأبو عبد الله الحسين المعروف بالجعل وهو تلميذ أبي الحسن الكرخي(399) ومن كتبه في الاعتزال: 1)الإيمان-2خلق الخلق-3)كتاب لا يجوز أن يفعل الله بعد أن كان غير فاعل-4)الكلام في أن الله تعالى لم يزل موجودا ولا شيء سواه.

ودخل إلى البصرة إلى جانب مذهب التصوف والاعتزال مذهب الجبرية الذي يمكن أن يكون قد دخل على يد أحد تلاميذ أبي الهذيل العلاف وهو حفظ الفرد الذي قدم من مصر(25)وله كتب أحدها في الرد على النصارى وثان في الرد على المعتزلة.

أما في الأدب فقد خلدت البصرة صفحات خالدة شانها في ذلك، كباقي العلوم الأخرى، ومن أوائل رجالاتها أبو الأسود الدؤلي واسمه ظالم بن عمر جندل، وهو يمثل طبقة الشعراء الذين دافعوا عن آل البيت والذين كانوا في الواقع منبعثين في مختلف أجزاء الوطن الإسلامي وعلى العموم فقد كانت العراق مركز الصراع بين المذاهب المتناحرة.

وفي سوق المربد تجلى الاحتدام بين الفرزدق وجرير اللذين يمثلان النزعة القبلية الضيقة في ابرز مظاهرها، بالرغم من أنهما ينتميان معا إلى تميم.

وشهدت البصرة ظهور بعض كبار شعراء الرجز بها كالعجاج وابنه رؤبة اللذين تحزبا لدولة العباسية بعد أن كانا نصيرين لبني أمية كما تفتحت فيها قريحة شعراء موهوبين من المولدين الذين أضفوا على الشعر العربي طابعا جديا تحرريا. ومع الأسف فإن اثر الموالي في الأدب العربي لم يحظ بعد فيما اعلم بدراسة خاصة وعميقة من شانها أن تقدم لنا أثر هؤلاء في مختلف فنون الأدب العربي. وما من ريب في أن هذه النزعة التحررية قد صادفت رواجا واسعا في مركز البصرة التي فتحت الباب على مصراعيه لمختلف الاتجاهات والمذاهب. وهكذا بدأ شعر الخمرة والغزل والشعوبية يفتح أفقا واسعا في هذه المدينة العظيمة على يد شعراء أمثال بشار بن برد وأبان بن عبد الحميد وأبي نواس وعبد الله بن عبد الحميد أخي أبان المذكور الذي عرف بتهتكه وإقناعه في الهجاء.

وليس من اليسير أن نحدد متى بدأت شعلة هذا المركز الكبير في الانطفاء ولكن من المؤكد أن البصرة بدأت تشهد منذ القرن الخامس الهجري تحولا خطيرا في أهميتها بسبب الوضع السياسي. وفي هذا الوقت بل قبله بكثير كانت بغداد قد تركزت شخصيتها قوية في ميدان المعرفة، مع ضعفها بالتدريج في ميدان السياسة.

(1) اصطخري 56 والبلاذري 383 و8.
(2) اصطخري 57.
(3) الكامل2 – 369 – ابن الأثير.
(4) مسالك العمري 1 ص 248.
(5) بلاذري 490.
(6) الكامل 2- 338 لابن الأثير.
(7) بلاذري 497.
(8) معجم البلدان – البصرة.
(9) البلدان ص 235 - اليعقوبي
(10) ابن خرذاذبة ص 61.
(11) معجم البلدان.
(12) دائرة المعارف – البصرة.
(13) ابن الفقيه 191.
(14) المقدسي 118.
(16) معجم البلدان«البصرة ».
(17) الكامل 2 368.
(18) الكامل نفس الصفحة والجزء.
(19) السند يطلق اليوم على قسم من باكستان الغربية، وعدد سكانها قريبا من ستة ملايين.
(20) المربد في الأصل محبس الإبل، ومنه أخذ اسم مربد البصرة الذي كان في الأصل سوقا للإبل ثم محلة عظيمة للسكنى، وكان يبعد عن مركز البصرة بنحو 3 أميال كانت تمتد كلها عمارة وكانت تثار فيه مفاخرات الشعراء وتعقد مجالس الخطباء، وقال عنه ياقوت: هو الآن خراب فصار كالبلدة المفردة في وسط البرية. وينسب على المربد عدد من الرواة كعباس بن عبد الله مولى بني هاشم وسماك بن عطية المربدي.
(21) ابن الفقيه 190.
(21) بروكلمان 35Précis linguistique
(22) ابن النديم 163.
(23) ابن خلكان 1- 160.
(24) ابن النديم 256.
(25) ابن النديم 269.

 

 

 

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here