islamaumaroc

القصة العربية تترجم إلى الفرنسية

  دعوة الحق

العددان 70 و71

القصة العربية تترجم إلى الفرنسية
في شهر واحد(ابريل 1964) صدر كتابان بباريس يشتملان على عدد وافر من القصص وفصول الرواية العربية المعاصرة. الأول قام بترجمته روني قوام، وعنوانه «قصص عربية» (1)، وبالتالي إثارة وترجمه رؤول ماربوس بمساعدة زوجاه، وعنوانه : « منتجات الأدب العربي المعاصر- الرواية والقصة القصيرة»(2) ولعل الكتاب الثاني أهم من الأول، لأنه يقدم إنتاجا عربيا معاصرا إذا قالب تعبيري، طابع لنهضتها الأدبية الحديثة، ثم نظار للمقدمة القيمة التي كتبها له المستشرق الكبير جاك بيرك.
وقبل أن نعرض الكتابين ونناقش بعض الأفكار التي يوحيان بها، أود أن أشير إلى مشكلة كادت أن تصبح كلاسي، وهي مشكلة ترجمة أثارها العربية إلى اللغات الأجنبية. فبالرغم من أن الوطن العربي يشتغل رقعة شاسعة، ويتوفر على استعدادات أدبية متنوعة بتنوع أقاليمه، وتباين ظروف مجتمعاته..وبالرغم من احتكاكه بالحضارة الحديثة، وهضمه لأهم تياراته، ومحاولة الاستفادة من أصالة شخصيته..بالرغم من كل ذلك، فإن العربي ما يزال يعيش في حدوده الإقليمية، مجهولا لدى قراء الدولة الأجنبية... فهل يرجع ذلك إلى طبيعة هذا الإنتاج، وعجزه عن تخطي الحدود المحلية ؟ أم أن الأمر يتعلق بتقصير العرب في لتعريف بنهضتهم الفكرية المعاصرة ؟
يظهر أن هذه الإقليمية ترجع إلى السببين معا: غلبة الطابع المحلي على محتوى معظم الانتاجات، وتقصير في التعريف بالأعمال الناضجة.
لنستمع إلى رأي كاتب أجنبي في تجاهل الغرب للشعر العربي الكلاسيكي(3)، يقول: هناك ثلاثة أسباب لتجاهل الغرب للشعر العربي:
1)لأنه شعر يطغى فيه الشكل على المضمون، فالثروة الفكرية فيه اقل مما نجده منها مثلا في أعمال سوفوكليس. فإذا كان الإيقاع الموسيقي هو عماد هذا الشعر العربي، فإذا هذا العماد هو أول عنصر من عناصر الشعر يهوى عند الترجمة.
2)لأنه شعر يختلف نسيجه عن النسيج المترابط في الشعر الذي يألفه الرجل المثقف الغربي وريث آداب اليونان والرومان.
3)أنه شعر لم يجد إلى اليوم من المترجمين، العبقري القادر على نقضه وإنطاقه بلغة الغرب».
ربما كانت هذه الملاحظات صحيحة بالنسبة للعشر، ولكنني – شخصيا – لا أوافق على تعميمها بالنسبة للنثر، وخصوصا في الرواية والقصة القصيرة. فهناك أعمال روائية عربية ناجحة، تستطيع أن تضاهي كثيرا من النماذج العالمية، لو أتيحت لها ترجمة رائعة. إن كل الترجمات التي قدمت للإنتاج العربي، قام بها مستشرقون أو أجانب يتقنون العربية..وهو شرط غير كاف، غذ لا بد من أن ينجز هذه الترجمات أدباء عرب يتقنون اللغات الأجنبية، ليستطيعوا أن يتلافوا بعض الالتباسات والقيود الملتصقة لطبيعة الأسلوب العربي وتاركيبه. ومتى وجدت تلك الترجمات الدقيقة، الواعية..فإن أدبنا لن يظل حبيس الإقليمية، وسيطرق الآفاق العالمية الرحبة ليؤدي دوره في التعريف بتطوراتنا، واهتماماتنا.

في كتاب«قصص عربية» لروني قوام، نجد منتجات من النوادر والحكايات تمتد حقيبتها الزمنية من صدر الإسلام، على بداية النهضة في منتصف القرن التاسع عشر. ويرى المترجم في مقدمة كتابه بأن القصة القصيرة الفرنسية تأثرت بالقصة العربية من خلال كتابات بوكاس الايطالي الذي عاش في القرون الوسطى. وقد دعم وجهة نظره بكثير من الاستدلالات والاستنتاجات...
أما رؤول مكاربوس فيرى أن الرواية والقصة العربيتين ليست لهما تقاليد قومية، بل اقتبستهما النهضة العربية الحديثة عن فرنسا وروسيا. ولكن الرواية العربية استطاعت أن تكسب قيمة خاصة، لأنها – في نظر الكاتب – رغم اقتباسها للشكل، عكست حقيقة أخرى، وعناصر اجتماعية مغابرة لعالم الكتاب الغربيين. ولذلك قسم منتجاته إلى ثلاث مراحل:
1)المؤسسون- 2)  نهضة جديدة – 3) أبحاث. وتحتل مصر ولبنان القسط الأكبر من الكتاب، في حين لا تعثر على نماذج للقصة في الأردن والحجاز، وليبيا..والحيز المخصص للمغرب العربي قليل(4). وقد اعتذر المترجم عن هذا التقصير بأن هدفه هو تتبع مختلف التيارات القصصية الموجودة في أقطار العالم العربي، لا تقديم منتجات لكل الأدباء المرموقين في هذه الأقطار.
وتجلى هذا التخطيط للكتاب خصوصا في المقدمة الرائعة التي كتبها المستشرق جاك بيرك عن مفهوم العرب للحياة، وعن المشاكل التي تعترضهم في تطورهم. وهي متقدمة تستحق الاهتمام لأنها لوحة شاملة تعكس المراحل الأساسية التي تدرج فيها الفكر العربي، والمشاكل التي تشغل صفوته المثقفة: القلق، وازدواجية اللغة، ومعركة الالتزام والمجانية.
العرب يعانون القلق لأن: « التمزق، والازدواجية، الحرمان، ملازمة لتقدمهم..وحنين إلى المثالية ينضاف على رؤياتهم التطبيقية..وما يفعلونه لا يوازي ما هم عليه في الحقيقة. وبذلك يحتضنون صراعا حادا مشتركا بين جميع الناس في عصرنا(5) ...»
ويورد جاك بيرك ملاحظة أساسية عن وضعية الكاتب العربي المعاصر في مجتمعه فيقول:
« الواقع أن القالب المعتمد الذي يقدمه أدب المناسبات مثل المدح والهجاء، لم يختف بعد. والبواعث التي فضحها العقاد من قبل عند أمير الشعراء شوقي ) الذي يمكن أن يدعى أيضا شاعر الأمراء»، تلك البواعث، ما تزال مستمرة. ومقابل « الأمير» اليوم، هو النظام الذي يمارس الحكم. إن الصفوة المثقفة في الشرق الأدنى، التي لعبت دورا هاما في الجيل الماضي وما يزال يتحتم عليها أن تضطلع بدور تاريخي، نستخلص من هذه القوالب التعبيرية العتيقة، عندما تحقق استقلالها المادي، وتضمن كرامتها الاجتماعية التي تطمح إليها... »
ليس غريبا أن تكون مهمة المثقف العربي المعاصر، محفوفة بالمصاعب، الالتباسات، والتمزق. لأنه ملزم بأن يختار« طبيعة» أخرى وسط ركامات الماضي، ونداءات الحاضر...وهو حائر بين القطيعة، وبين الأمل في استعادة الوحدة المفقودة...بالإضافة إلى المشاكل الناجمة عن الاستعمار، ثم عن تصفية الاستعمار.
ويطرح « بيرك» مشكلة ازدواج العربية (الفصحى والعامية) في إطار الاختيار بين الإقليمية والكونية..ويرى أن إفساح المجال للغة العامية من شأنه أن يعرقل سير الأدب العربي نحو الكونية، مهما كانت مبررات الواقعيين الحريصين على مخاطبة السواد الأعظم من الطبقات الاجتماعية.
بقي أن نعرف رأي جاك بيرك في مدى قابلية إنتاجها القصصي لكي تصبح عالميا. إنه يجيب، بصراحة، أن الأعمال التي يمكنها أن تتخطى النطاق الإقليمي، جد قليلة. ويرجع ذلك إلى ضعف التركيب الجمالي. وهذا ما سجله أيضا الناقد « بيير هاهن» إذ قال، معلقا على هذه المنتخبات(6): « إن قراءة هذه المنتخبات خصوصا في الجزء الثالث، تشهد بوجود تطور في الأدب العربي. ومن ذلك قصة « اللص والكلاب»  لنجيب محفوظ التي تعكس عنفا جوانيا، وتعتمد على الحوار الداخلين والتقهقر إلى الوراء..فتمثل مرحلة هامة لتطور المناهج والحبكات القصصية».

مرة أخرى، ينتصب نجيب محفوظ عملاقا في الرواية العربية المعاصرة، والشهادة – هذه المرة – من الخارج.
إن هذه المنتخبات رغم أنها ناقصة، وتحتاج إلى مجهودات جماعية، فإنها قد أكدت للأدباء العرب ضرورة التعريف بإنتاجهم وأفادتهم بهذه الدراسات التي كتبت عنهم..ولعل أهم شيء يلفت بعض الجوانب الجمالية التركيب الفني، ومحاولة ربط مشكلة الإنسان العربي بالمشاكل المشتركة التي تواجه الإنسان المعاصر.

(1) Renè R.Kawam- Nouvelles Arabes- Ed.Seghers
(2) Raoug et Laura Makarius: Authologie de la littérature Arabe contemporaine – Le roman et la nouvelle.
(3) ريزموند ستيوارت: الأدب العربي وهل قابل للتصدير: المجلة ديسمبر 1962 ترجمة يحيى حقى.
(4) ترجم نموذجا واحدا للقصة في المغرب هو » في المدينة «    للصديق عبد الجبار السحيمي.
(5) ص6.
(6) صحيفة الاكسبريس – 23 ابريل 1964.


                                                                               

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here