islamaumaroc

حملات السعديين إلى الغرب الإفريقي

  دعوة الحق

العددان 70 و71

إن من يتصور أن الحملة العسكرية التي أرسلها المنصور الذهبي إلى مملكة (مالي) كانت بدافع التوسع الامبريالي أو الحصول على الذهب والفتيان السود لتربيتهم في ديوان الجند يكون قد أهمل بعض الجوانب المهمة التي حركت السلطان وأذكت همته ودعته إلى ركوب هذا المركب الصعب المحفوف بالمخاطر والمغامرات.
وهناك جملة من المبادئ يجب أن نضعها نصب أعيننا عند إصدار أي حكم في هذا الموضوع. وبعض تلك المبادئ يرجع إلى عمق مستلزمات الخلافة الإسلامية وإمارة المؤمنين، كما أن بعضها الآخر يتصل بالأحوال العامة التي كانت تسود المغرب وأقاليم إفريقيا الغربية. ومنذ صدر الإسلام كانت شروط الخلافة تنحصر في الإسلام، والعقل، والعدل والرشد، والبيعة، النسب القرشي، ولم تغير خلافات الأزد والخزرج والمهاجرين والأنصار أي شرط منها، وإذا كان الأمويون في الشرق والأندلس ثم العباسيون والعثمانيون قد حذفوا شرط النسب الهاشمي وتجاوزوه واضطرتهم القلائل السياسية إلى مقاومته، مما لاشك فيه أن موقعة (فخ) التي نتج عنها هرب بعض أقرباء علي بن أبي طالب وحفدة فاطمة الزهراء بنت (الرسول) إلى المغرب قد زرع في نفوس المغاربة قدسية هذه الأسرة وجعل المسلمين في الأندلس وشمال إفريقيا يتسابقون إلى (تامير) عثره النبي والالتفاف حولهم، وجعل هؤلاء يتشبثون بهذه الطاعة وينفونها عمن لا ينتسب للبيت القرشي الهاشمي. ولا بدع أن تتحول أسرة محمد بن محمد بن عبد الرحمن من بني سعد، من بيت للتبرك والعلم إلى بيت مالك ينضوي تحته نصف العالم الإسلامي. وتتحول أسرة المولى حسن بن القاسم التي أتت من(ينبع) بأرض الحجاز إلى أسرة مالكة هي الأسرة العلوية الشريفة.
فالسعديون والعلويون من بعدهم لم يستميتوا في فرض طاعتهم ودعوتهم على أقاليم السودان ولم يطمعوا في إعفاء الخلفاء العباسيين والعثمانيين عن مهمة النيابة عن الرسول الأعظم في قيادة المسلمين وحكمهم لم يفعلوا ذلك أو يطمعوا منه عبثا ولكنهم كانوا مدفوعين بتقليد يرجع إلى السنوات الأولى من عهد الخلفاء الراشدين وبحديث نبوي صريح يقول « الأئمة من قريش».
وزيادة على ذلك فإن الكيفية التي كان يعيشها المسلمون بالسوادين ويزاولون بحسبها فروض دينهم، والزاوية التي كان ينظر من خلالها أمراؤهم إلى شؤون الدين، كانت تلح على السلاطين القرشيين في المغرب في التماس الوسيلة لتغييرها ولكن المنصور لم يكن يقتنع – كما فعل غيره – بإرسال الواعظ والدعاة والمقرئين، ومن هنا بالضبط تطل علينا الأسباب الوقتية التي كانت تحرك المنصور وتداعب قلبه الطموح.
ويخطئ من يظن أن المنصور كان لا يضع في حسابه سوى الفوائد الاقتصادية والمجد العسكري، أو كان يتوق من أبنائه وأجداده الأقربين. وهناك من المؤرخين من يرونه محقا في عمله بل ومضطرا إلي بحكم الواقع الدولي التي كان يحيط به، وبعضهم الآخر لم يلتمس عذرا في استنزاف القوة المالية والعسكرية للدولة واستخدامها في عملية لم تكن رابحة بالشكل المرغوب. وبطبيعة الحال، فإن هذه النظرة الأخيرة التي يتضح فيها التركيز المادي لا نجدها إلا عند المؤرخين الأوربيين الذين جعلوها مقدمة لكتابتهم في الاستعمار الغربي في إفريقيا. ونحن لا نخاف من هذه الإيحاءات المقصودة التي يراد استغلالها هذه الأيام بالذات، لأننا نورد إلى جانبها التاريخ المسنود والحقائق الدامغة لكل تعرض.
ويظهر أن السبب الوقتي المباشر الذي عجل بتحقيق الخطة وتنفيذها يكمن في الأطماع التي بدأت أنداك تراود أذهان دهاقنة المغامرين الاستعمارين البرتغال والإسبان والانجليز فبعض الرحالة الجغرافيين الذين اطلعوا على كتب ابن بطوطة والبكري وليون الإفريقي السبيتي، تحولوا إلى كشافين استعماريين حملوا السيف في يدهم اليمنى وراية بلادهم في يدهم اليسرى وركبوا البحر باتجاه إفريقيا الغربية التي كان انتشار الإسلام فيها جزئيا وهذا أمر لم يعجب المنصور وبعث فيه روح التسابق والرغبة في قطع الطريق على التوسع الذي سينتج عنه زيادة على خطره على الإسلام تقلقل التوازن ورجحان التفوق الأوربي.
ثم ما هي الجهة التي كانت تدخل في دائرة البرنامج البرتغالي الاسباني، إنها بدون شك تضم منطقة واسعة من موريتانيا أي تضم جزرا تدخل اعتباريا وماديا تحت نفوذ السعديين. ومن التنكر للواقع التاريخي والجغرافي والبشري أن يقع فصل ثلث موريتانيا عن بقية هذا الإقليم الذي لم يتوقف المغرب حتى في أوقات ضعفه وإعلاله عن التذكير بدخوله في نطاق( أرض البيعة).
وأخيرا فإن هذا الأنحاء التي كانت كل المؤتمرات الخارجية المدبرة من أطراف الأتراك تنصب على سلخها عن المغرب وشحنها بالفتن والثورات قد أصبحت تبدو وكأنها كالسيف ذو الحدين، وجه إلى ظهر المغرب في السابق ويمكن توجيهها إلى صدر المتآمرين عليه بشكل غير مباشر. فالأموال التي تجنى من تعدين الملح الموريتاني، والمحاربون الشجعان من أبناء موريتانيا والسودان هو الذين علق بهم التفكير عند تصور الطرف الثاني من السيف.
ويستوقفنا هنا حادث لا يخول من طرافة، ذلك أن المنصور لما هم بإرسال رسوله إلى الملك أسكية اسحق الثاني رغب في استشارة (مجلس الملأ) ويظهر أن القوم لم يفهموا جيدا تعقيدات المشكل ولا وجهه الإستراتيجية أو السياسية، بل إنهم استبعدوا أن يطمع النصارى في تلك الغابات التي لا تضم سوى الحيوانات المفترسة والحميات الوبائية، ولذلك فإنهم ألحوا على المنصور أن يكتفي بطلب البيعة من الملك اسحق، ويقنع بالدعاء على منبر مدينة(غاو).
ولكن قضية استغلال المعادن وترتيب الزكوات عليها. وتخصيص القسط الشعري لبيت المال في مراكش كانت من الأمور التي لم يتردد المجلس في التأكيد على أحقية السلطان بها لأنه أمير المؤمنين وخليفة لهم بدون منازع. وقد صيغ ذلك على شكل فتوى عامة وأرسلت إلى الملك أسكية.
ويذكر بعض الفقهاء أن استغلال المعادن والنظر فيها إنما هو لإمام دون غيره ولم يكن لأحد مطلقا منذ عهد الرسول أن يتصرف فيها إلا عن إذن الأمير أو نائبه وثم أرسل المنصور أمره لأسحق الثاني أن يأتيه بالزكوات المرتبة على معدن الملح الموريتاني لتنفق على (جيش الإسلام) وحيث أمتنع عن ذلك وماطل لم يبق من عذر للسلطان إن هو تأخر عن إقامة الحدود وإلزام الملك الزنجي طريق الشرع.
وكثير من المؤرخين الأجانب ومعظم المؤرخين العرب توجههم في كتاباتهم حول أعمال السعديين في السودان وحلو الحملات العسكرية التي غزت فيما وراء الصحراء أحكام قاسية على تلك الأعمال والحالات، ومن واجبنا تجاه الحقيقة، ومن التاريخ الإفريقي علينا أن نمضي في كشف الدوافع والملابسات لم النتائج والمعقبات مما ستجعلنا حتما أمام عمل ايجابي مهم لا يظهر في كسر جيش أو تقويض إمبراطورية أو هدم مدينة ولكنه يظهر في تدشين عهد من التواصل بين الإفريقيين : أفريقيا البيضاء وإفريقيا السوداء. قد تكون الممالك القديمة في غرب إفريقيا أدت في عهد المنصور ثمنا باهظا مقابل ذلك التواصل، وقد يكون قواعد الجيش المغربي قد أساءوا التصرف مع إخواننا فيما وراء الصحراء. ولكن امتزاج الثقافة بين شقي القارة، وزيادة فرص تعارف الأشقاء فيما بينهم، يرجحان كفة الفائدة على كفة الثمن وهذا جانب له خطورته عند دراسة تاريخ إفريقيا كمجموعة من الأجناس والأقاليم والثقافات والمصالح.
وما دمنا نعتبر أنه لا يوجد سوى إفريقيا واحدة، وأن تجاوز شعب على شعب آخر، أو استعداء دولة على دولة ثانية أو مهاجمة جيش لجيش معاد مما تفرضه طبيعة النزوع السياسي والمطامح المختلفة، فإن حملة المنصور لا يمكن تمييزها عن حملة إمبراطورية مالي ضد غانا أو مملكة سرغاي على مالي أو هذه الأخيرة على إمارة بورنو. إن السياسة والطموح يفسران كل شيء وأن الاتصال والامتزاج هما النتيجتان والحاصلان دائما.
ولكن السؤال الذي لا زال يحير الكثيرين هو: ماذا كانت الغاية من ارسال زهرة الجيش المغربي إلى جهات نابية وإلى حرب ليست مضمونة ولا معروفة النتائج. إن الكثيرين يجيبون بأن المذهب والمحاربين السود هما الغاية الرئيسية رغم أن ذلك لم يكن سوى إحدى نتائج الحملة لا سببها والدوافع إليها. الواقع أن المنصور الذهبي الذي رأيناه يهوى الجنوب ويهيم بالصحراء ويتطلع إلى العالم الذي يقع فيما وراءها والذي لم يكن يضيع أية فرصة للاطلاع على أحواله ذلك الرجل فكر في أن يعيد خلافة الراشدين والأمويين، وأن ينهض – باسم خليفة النبي – يحمل راية الإسلام من جهة وإقامة أمجاد سادات مكة ودمشق وبغداد وقرطبة على ربوع القارة التي بدأ الظلام ينزاح عنها.
ولكن الظروف لم تكن كظروف القرون الأولى للهجرة، فالتقارب بين الشعوب وتعقد المصالح بين الدول، واختراع الأسلحة النارية الفتاكة وتصارع الأمم على مناطق النفوذ باتت تلعب أدوارا لا يمكن إغفالها. وها هنا نعثر على شخصية المنصور العجيبة شخصية الخليفة الهاشمي الذي يعيش وينشط في كواليس القرون الوسطى.
لقد لعب الرجل جميع أوراقه قبل أن يعبئ جيشه الكثيف ويبعث به إلى المجهول ويضعه بين كفي القدر. والأوراق التي لعبها يصح أن تكون تجارب في سير الركب التاريخي، وقد تكون ذات فوائد إذا ما قدر لها أن تبحث البحث الكافي وتجلي جوانبها ومعطياتها الدفينة.
إن المنصور كان وهو يقدم على عمليته الضخمة يتصور العقبات والأخطار جديا فلم يكن يخشى جانب العثمانيين بعد أن حصل على تطمينات الباب العالي وأمن تدخل الحاكمصدار في الجزائر. لو لم يكن يخشى ردود فعل الإمبراطورية العظيمة التي كانت تقوم على حدود مالي، أي إمبراطورية بورنو بعد أن وقع الأمير إدريس صك البيعة التي أشرنا إليها سابقا وقرأه على منابر إيالته وألزم به عماله وقواده وسواد رعيته. لوم يكن يخاف من البرتغاليين الذين كانوا يضمدون جراحات وادي المخازن والاسبانيين الذين كانوا سيشتغلون أنفسهم في مشاكل الوراثة والوصاية على العرش، او الانجليز

                                                                               

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here