islamaumaroc

تجربة الروح من ذكريات حاج

  دعوة الحق

العددان 70 و71

إن ما يسمى بالإيمان، هو هذا الذي يحرك في نفس الإنسان لواعج الشوق والحنين إلى التملي بإغداق الثمرات الأولى لانطلاق الروح الإسلامية، وعزيز على الإنسان منذ عريق التاريخ أن يسعى إلى المواقف الأولية التي رافقت موكب تقدمه فيستوحي منها أسرار انطلاقاته الموفقة، فذلك ما يطمئن نفسه ويعطيه فرصة حسابها ليدرك مدى أخطائه وصواباته، إن الإيمان وحده هو الذي يفسر مظاهر أسرار الإنسانية ويحرك عجلات مواكبة الحضارات، فالتقدم الحضاري ذو مظهرين، مظهر حضاري واضح يتراءى للإنسان ويبدو واضحا في تقدم العمران والفن والعلوم العقلية، ومظهر روحي مستمر يبدو في السمو الروحي، والسلوك الإنساني، ولباقة الفكر، وطرافة الرأي، وهو الغراء الذي يتصق بين القطاعات البشرية والمغناطيس الذي تتجاذب حواليه معطيات الإنسانية...ولن يستنشق الإنسان هذا المظهر إلا من وراء عصارات الروح المتولدة عن العمل الذي حركه الإيمان في النفس البشرية، وقد يستطيع العقل أن يستنكه و يعلل مظاهر التقدم الروحي، ولكن لا الاستنكاه ولا التعليل رهين بإمكانيات الفكر وإمكانيات الإدراك التي تختلف بين العقول وتتفاوت حسب الإدراكات المتلفة. أما الإيمان فلا يبحث في التعليل أو في الاستنكاه، ولكن يعتمد على الاستجابة الطبيعية التي حفزت الحركة الأولى لتبتدئ واستمرت مع الإنسان في مراحل تقدمه، تمده باليقين الدائم، ليستمر متصلا بالخيط الأول الذي ربط بين الإنسان والإنسان، أو بين الإنسان والمجتمع، ولهذا فإن التوجه إلى المواطن الأولى للإسلام هو توجه ليستوحي الإنسان من تلك الينابيع المتدفقة المعاني الحقة التي حررت الإنسان منذ أربعة عشر قرنا من الوثنية، والارتباط بالأيقونة إلى فكر شمولي لا يحد بحدود ليظل العقل البشري يلهت وراء تمارين فكرية لمعرفة الكنه فلا يصل إلا إلى الاستسلام الدائم، كما تحرر من التعدد والفرقة إلى توحيد خلاق يجمع أفئدة البشر على اتجاه واحد ليبني العالم بناء كاملا يأوي الإنسان أينما حل وارتحل.
ليقتحم الإنسان مرحلة الإيمان يجب أن يخلص في إيمانه، وان يبعد عنه القيود التي تربطه بعالم الماديات، أو الغشاوات التي تحجبه عن صفاء الروح، ولذلك يجب أن يتجرد من المخيط والمحيط، ولن يكون لباسه إلا ذلك الإزار البسيط الذي عرفه الإنسان الأول في سفوح الهملايا أو على هضاب جزيرة العرب، وأن يتجرد عقله من البحث عن مشاكله الشخصية التي تربطه بالأنانيات، وهكذا يدخل إلى حرام مكة وقد أصبح متجردا محرما لا يشغله شيء عن ذكر الله، هذا الذكر القدسي الذي يسمو بإنسانيته وروحانيته فيخلص لتعاليم ربه التي هي تعاليم لخدمة الإنسان وإيثار المصلحة العامة المشتركة بين البشر أجميع.
وكم يكون من المناسب أن يحرم المغاربة المستعجلون السفر من ديارهم ليكون مظهرهم وهم يتوجهون إلى مكة يغري بالتآلف والشعور بالحنين إلى مواطن الوحي، ولن يضير الفقهاء ذلك ما دامت النية تقارن نية الإحرام عندما يصبح الإنسان في منطقة مكة (برابغ) ولكم يشعر المؤمن وهو محرم بحاجته إلى طمأنينة روحية ورغبة إلى المطالعة في كتب تختلف مستوياتها ليعرف في تأمل أسرار الروح والنفس وعوامل السمو بهما، ومع الأسف فإن الكتب المعدة لذلك من الندرة حتى ليكاد المسلم أن لا يجد إلا فراغا خزائنيا، فلا كتب رحلات في متناول المسافر الحاج، ولا حصص.

ذات التجربة الروية ولا دراسات ممتعة عن الحج تساعد المسافر الحاج على التزود بالغذاء الفكري والروحي عندما ينتقل من الاستغراق في التأمل إلى واقع الحياة، ولكم أنتج الكتاب آثارا عن رحلاتهم إلى الحجاز ولكنها في لواقع لا تعدو أن تكون تسجيلا للسفر ومراحل الطريق وعرضا لصور تاريخية، فكتبهم هي إلى فن التراجم والجغرافية والتاريخ اقرب منها إلى كتب دينية تتعمق أسرار الروح، وتصور مدى صدق التجربة وتغوص في عمق المناسك لتزود الفكر بفلسفة شاعرة تساعد العقل على الإقناع كما النفس على التأمل الذي لا تكدر صفاءه نزوات العقل العنيد التشبث بالتعليل والشرح.
ومشهد الإحرام، يثير المهابة الحقة حيث ترتفع أصوات المؤمنين وتنفرج شفاههم بالتلبية لله وقد تجردوا في مظهرهم من كل ما اكتسبوه من زخرف الحياة، وحتى لون الإحرام لم يكن إلا الأبيض الناصع الذي يرمز إلى نكران التفاوت اللوني والرجوع إلى الأصالة في كل شيء، وكما تجردوا في أعماقهم مما اكتسبوا من تفاوت المعرفة وأصبحوا حفاة عراة مظهرا وعمقا يرجون التوبة عند ربهم ويأملون التخفيف من خطاياهم ليصبحوا في براءة الأطفال وسمو الملائكة، وينطلق اللسان معبرا عن لبراءة والشوق والتوبة ملبيا حيث تردد الصحراء صدى أشواقهم وتعكس بطاح مكة ابتهالاتهم، لا يشعرون بفارق بينهم، أقربهم إلى الله أقوالهم إيمانا وأكثرهم احتسابا، ناسين غرض الدنيا ومباهجها وما اكتسبوا منها، همهم الوحيد أن ينفر الله خطيئتهم ويثوب عما اقترفت أيديهم وما غلبتهم عليه ناسوتيتهم، ويشعر الناس أجمعون أنهم لم يصبحوا كتلا من لحم ودم وأعصاب وإنما أصبحوا قبسا من النور يتوجه إلى مركز الإشعاع منجذبا إليه.
لقد عادت هذه الأرواح منيبة على ربها، معلنة توبتها، مستنفرة خطاياها ناسية ماضيها غير حافلة بآمالها، حتى لكان الزمان قد أمحى ولم تعد لتحديداته معنى في النفوس، ولكأن القلوب قد صفت والعقول قد انساقت، فلا ثورة ولا رعونة ولا رفت ولا فسوق ولا جدال في الحج، وتروض الإنسان على حكم نفسه الثائر الطموحة النزاعة إلى الأنانية التي تأمل الجاه وعرض الدنيا ولو على حساب الخلق، إلى نفس مستكينة خاضعة، تلتمس الخير واليمن لإخوانها في البشرية، وتود خدمتهم ابتغاء فضل الله، وهذا انتصار للروح على سلطان الهوى وقهر للمادة المتسلطة ما بعده من انتصار..كما أن بداية الانطلاق بالإنسانية إنما تتحقق بعد نهاية الأنانيات.
إن الروح الإسلامية التي حركت عقلية المؤمنين في عصر النبي وجاشت ثورة عارمة في أعماقهم، فجعلت منهم خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف، لأنه قدر مشترك بين معاني الإنسانية والسلام، وتنهي عن المنكر لأنه منكر يصيب الإنسانية بسوء كبير، ويعصم وحدتها وواجبها عن الكفاح لتحقيق الإنسانية والسلام، هي الروح التي نشدتها من الوقوف على المعالم الأولى التي واكبت ثورة الإسلام، وهي روح ضروري أن يتزودها المسلم اليوم ليظل في الوحدة الإسلامية عنصر عمل وخير وكفاح، ولخير الإنسانية. وإذا كان المسلمون اليوم يعانون وهنا، وفرقة، ويعاني كثير من شبابهم فقدانا في الثقة بعقيدتهم، فإن ذلك لا يرجع إلى الإسلام بقدر ما يرجع إلى وهن الروح الإنسانية، وضحالة فكر الكتاب المسلمين المعاصرين الذين خدمت جذوة أفكارهم، وتكاسلت قوة فكرهم لتدمغ حجة الخصم، وترد كيد المتربص الذي لا يهدم الفكر الإسلامي إلا ليهدم من ورائه وحدة صف المسلمين ليسهل ابتلاعهم واستعمارهم فكريا وأدبيا إذا عسر استعمارهم سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وبذلك يدخلون من النافذة بعد أن خرجوا من الباب.
إن الروح الإسلامية التي حركت المسلمين الأولين ضرورية لبناء نهضتها الجديدة التي لن تكون إلا على أساس ثوري إسلامي تحقق للفرد كرامته وعزه وللمجتمع تضامنا وإخوةـ، وللفكر حرية واجتهادا، وللعاطفة لبلا وسموا، وللإنسانية سلاما وتضامنا، تلك الروح التي تستهين بالماديات ولا تحفل بالقوة والتعالي والبطش، ولا ترضى الاستغلال والركون إلى استهانة الضعيف، وإنما تركن إلى الثقة بالنفس والثقة بالله والعمل المتواصل لخدمة العقل الإنساني.
وإذا وهنت هذه الروح اليوم فمن واجب المفكرين المسلمين أن يعيدوا شبابها من جديد، فلن يقبل الله مثوبة من يستغفر ذنبه ولا يستغفر ذنوب الناس كافة ولا من يحب نفسه ولا يحب الناس كافة، ولا من يسعى بين الناس إلى الاستغلال والظلم والبطش والأنانية، ولا من يقيم الطبقات المتفاوتة بين الناس في معاشهم أو في ألوانهم...هكذا بدأت ثورة الإسلام مستمدة قوتها من عالم لا تنفد قوته ولا تهن عزته، معتمدة على فيض لا ينضب وشوكة لا تنكسر وقوة لا تخذل، من عالم الحق الذي لا مجال فيه للتزوير والباطل والكذب والبهتان والسفسطة والظلم، من عالم الوضوح الذي لا عبث فيه ولا تزوير، ولا تنسيق ولا دعاية، ولا إعلام ولا كذب، يستمد الضعيف منه القوة، فلا يضعف والعاجز منه الحجة فلا يخذل، من مات فيه على حق عوضه الله خيرا من دنياه واستبدله من الظلم عدلا ومن الظلام نورا، ومن الضعف قوة.
ولن يستمد الإنسان هذه الروح إلا من معين الإسلام الأول حيث كان المسلمون الأولون مستضعفين فقووا وكانوا عاجزين فانتصروا، أن الحج يذكرنا بالمواقف الأولى للإسلام وهو زيادة على ذلك فهو المؤتمر العظيم الذي لا ينتهي بملتمسات ولا توصيات ولا برقيات، والذي لا يدافع فيه أعضاؤه عن مصالح جماعة أو عن آراء فئة، وإنما تشد أزرهم عاطفة مقدسة تنسيهم المصلحة والذاتية الفردية والجماعية ويعبرون بلغة القلوب وهمسات الروح، لا يحتاجون إلى لغة رسمية للتفاهم والتخاطب، وإنما يحتاجون إلى صدق الإيمان وورع اليقين وبأس الصدق.
عندما يصل المؤمنون إلى جدة تهفو قلوبهم لذكر اله وتنحكم في النفس عوامل جديدة تصل الإنسان بين عالمين، عالمه الذي اعتاده وتمرس عليه، والعالم الجديد الروحي الذي يتعرف عليه من جديد، فقد غير ما اعتاده من لباس وما يؤثره الذوق من ألوان، وأصبح البياض شعاره الجدي، والتلبية كلته المأثورة، فإن لقي أخاه المؤمن ألقى عليه عبارات السلام، وسما إلى تلبية دعوة ربه، وكلما تجددت الأحداث تجاوزها في تحدي إلى تلبية نداء ربه، غير حافل بما يغريه و ينسيه عن قصده، فقد جاء حاجا معتمرا لوجه الله، ومن أحسن من الله قبلة.
ولعل مما يثير الأسى أن لا يجد الحاج المؤمن من التسهيلات ما يساعده على أداء حجه وتلبية داعي روحه وليس أدعى إلى الألم من هذه البناية المتسخة في(وجدة) المسماة بمدينة الحجاج..فهل كتب على المسلمين أن يكونوا متسخي الملابس متدرني الطرقات، ودين الإسلام هو الدين الوحيد لذي يوجب النظافة ويعتبرها ركنا(من الإيمان)، وهو الدين الوحيد الذي يأمر المؤمنين بالاغتسال، وطهارة الجسم خمس مرات في كل يوم، وهو الدين الوحيد الذي أسس حضارة تدين بالنظافة وتفرض بناء الحمامات في مدنها وقراها، والذي عندما حاربته المسيحية في اسبانيا كانت تقفل أبواب (الحمامات) التي هي مظهر الحضارة الإسلامية. هذه الحضارة التي لم تقر بيتا غير نظيف ولا عمارة غير مستوفية للماء في العصر الذي لم تعرف فيه(فرساي) مستحما ولا منطقة. أن(مدينة الحجاج) وصمة في جبين الحضارة الإسلامية كما اقرها الإسلام، ولست ألوم حكومة الحجاز بقدر ما ألوم الحجاج أنفسهم الذين يرضون لأنفسهم أن يسبحوا في حماة الأوساخ، ولهذا فإن من واجب الدول الإسلامية أن تعتني حكوماتها بوزارة الشؤون الإسلامية، وأن تزود الحاج بترتيبات أولية توجب عليه احترام النظافة، وكم يكون من الواجب أن تؤسس الدول الإسلامية فروع جمعية تهتم بالحاج/ وليكن أسمها(أصدقاء الحاج) مثلا أو غير ذلك من الأسماء لتعطي إلى (الحجاج) معلومات أولية وترتيبات رئيسية، أو هي في نفس الوقت تلقن للناس مبادئ الحج، وتحرص على نظافة الحاج، وتهيئ له وسائل الراحة.
ومن السهل أن تنسق عملها مع أعضاء البعثات المهتمة بالحجيج، ومع من يسهر على الحجاج من المطوفين والمزورين كما يجب إعادة النظر في نظام المطوف وحقوقه وواجباته وتبعاته ومسؤولياته، فلا يجوز أن يترك مصير حجاج المسلمين بيد مطوف يعرف واجباته ولا تعرف التزاماته بوضوح إزاء الحجاج، وإن كان من الواضح أن الحكومة الحجازية تعرف أبعاد هذه الالتزامات، ولعل جمعية أصدقاء الحج ستكون خير معين على تنظيم الحج وإعطاء الفرصة للحاج ليتأمل عابدا خاشعا بدل الاشتغال بشؤون العيش ومعاناة مشاكل الحياة اليومية.

  

 

 

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here