islamaumaroc

مع العقاد في شعره

  دعوة الحق

العددان 70 و71

نفس ثائرة وطموح مقرون بعمل وصمود في وجه الأحداث، وإخلاص في الوطنية والكفاح، وولع بالدراسة عظيم، وعمق في البحث متزن، ودفاع عن القيم الصالحة والمثل العليا.
ذاك هو العقاد في حياته منذ انكبابه على تثقيف نفسه إلى يوم نعيه.
لقد كان العقاد بطبعه ميالا إلى عدم الاستسلام للجمود والتقليد ومباركة الواقع، بل كان يفكر كثيرا ويقارن بين حياة العرب الواقعية وبين ما يجب أن نكون عليه، فهو دائما كان يدعو إلى لمجد والبطولة والعزة ولعلم والاستمساك بالأخلاق والعمل على رفع المستوى الاقتصادي للبلاد، كما كان يدعو إلى تحرير العقول من لاستعمار الروحي الذي أصيبت به، فيشرح تعاليم الإسلام في كتب مختلفة تعبر من أهم ما كتب عن هذا الدين القويم.

وأهم صفة تبرز في حياة انعقاد قدرته على تحليل نفوس العظماء وتصوير جوانب العبقرية في نفوسهم، لذلك نجده اهتم بهذا الجانب في إنتاجه سواء كان شعرا أو نثرا.

فلقد كتب العقاد عن أهم عظماء العالم كبا ومقلات وقصائد أفصح فيها عن سر بطولتهم وأسباب عظمتهم، وكأنه باطلاعه على حياة هؤلاء كان يبني حياة نفسه، فقد أقتبس منهم مقومات البطولة وانتهجها فداب على العمل صابرا، ووقف نفسه على الدراسة والتفكير حتى أصبح من أساطين العلم والفلسفة والأدب في القرن العشرين.

فقد كان العقاد مولعا بالتجديد والإبداع والابتكار فدفعه هذا الولع إلى لإسهام في خلق مدرسة شعرية تعد أساسا للأدب الرومانسي في الأدب العربي وسببا في النهضة الأدبية الحديثة التي تزعمتها مدرسة أبو لو ومدرسة أدباء الهجر.

إن مدرسة العقاد كانت تدعو إلى الابتعاد عن التقليد في تصوير العواطف، وإلى اجتناب التفكك في القصيدة لأنه يفقدها وحدتها ويجعلها مضطربة لا يحس القارئ بعد قراءتها بتأثير الموضوع في نفسه، كما دعت إلى توليد المعاني من إحداث الحياة في شتى مظاهرها ومن كل شيء عارض، فهي لا ترى أن مواضيع الشعر محدودة أو مظاهر إنارة الشعور منحصرة في بواعث خاصة، لأن بواعث الشعر مرتبطة بنفس الشاعر فإذا كانت تلك النفس رقيقة مرهفة الحس استطاع صاحبها أن يغوص عن المعاني وأن يعبر عن خوالجه تعبيرا جميلا.

وأهم البواعث عند هاته المدرسة في نظم الشعر، الحب وصدق العاطفة وجمال الطبيعة وتحبيب القيم المعنوية والاعتزاز بالنفس وتخليد مظاهر البطولة وإبراز الخواطر والتأملات، فهي قد حررت الشاعر من ربقة العبودية وأبعدته عن التملق والتكسب واستعمال الشعر في الترفيه على التملق والتكسب واستعمال الشعر في الترفيه على الولاة والحكام والأغنياء، لذلك قالت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد عن هاته المدرسة( إنها نفت
 الأديب صفة النديم والسمير، ووضعته في مكانه من القيادة الروحية العاملة على توسيع المدارك وصقل الأذواق)(1)

ولم تكن هاته المدرسة الابتداعية التي أسسها العقاد مع صديقه المازني وعبد الرحمن كري سوى دعوة إلى نهضة أبية تبعد الأدب العربي عن مناهجه التقليدية وتبعث فيه روحا جديدة تجعله قريب التناول منسجما مع الأدب العالمية، وقد تأثر أصحابها بالأدب الانكليزي كثيرا، واستوعبوا الأدب العربي القديم، فمزجوا في إنتاجهم بين الأدبين وجعلوه صورة حية تمثل أسمى ما في نفوسهم من صفات، وأجمل ما في أسلوبهم من روعة وجمال.

إلا أن الذي يتتبع شعر هاته المدرسة يرى أن الأوزان الشعرية القديمة قد استعملتها، كما أباحت استعمال الموشحات والشعر المزدوج وخلق بعض الأوزان الجديدة التي ترتكز على قواعد خاصة، أما التحرر المطلق من الأوزان والقوافي فإن هاته المدرسة لم ترضه، وكان العقاد يرى أن الثورة ضد الأوزان والقوافي إنما هي منبعثة عن الجهل والعجز وعدم التمكن من قواعد اللغة العربية.

ولاشك أن هاته المدرسة وان التزمت هاته الخطط في مناهجها فهي لم تتحكم غي شخصية الشاعر وفي فلسفته في الحياة وفي أسلوبه الخاص في التفكير والتعبير، لذلك إذا ما تتبعنا شعر العقاد فسنجد فيه جوانب فنية خاصة، فسنحس بالقدرة على التصوير ولتعبير وتوليد المعاني، سنلاحظ أنه كان يعتمد على الفكرة في جل شعره.

لقد كان العقاد بتناول الأغراض الشعرية المتنوعة، ولكنه كان يبدع في الوصف وفي إبراز عواطف الجب الكامنة في نفسه، وفي إبداء خواطره الفلسفية التي اقتبسها من تجارب ومن ثقافته الواسعة التي روضت فكرة على التعمق في البحث والإمعان في الملاحظات.

لقد تحدث في شعره عن الإنسان وعن سر ووجوده وعن عجزه هن معرفة سر الكون الغامض وعن حاجته  إلى الإيمان، كما عبر عن كثير من خوالجه وتأملاته وارتساماته التي كانت مرآة لآرائه في الحياة ومن ذلك قوله:
ما وجدنا من البرية إلا
      خلقا زائقا وجعـلا مبينـا(2)
حشرات لا تعرف الخير والشـ
      ـر وفيها  الهلاك للعارفينا
وقوله:
أنصفت مظلوما فأنصف ظالما
        في ذلة المظلوم عذر الظالم(3)
من يرض عدوانا عليه يضيره
        شر من العادي عليه الغانم
وقوله:
إذا صاحت الأطماع فاصبر فإنها
         تنام إذا طال الصياح على النهـم(4)
وقهر الفتى آلامه في لذة
         وفي طاعة اللذات شيء من الألم

إلا أن الذين يتتبعون شعر العقاد سيجدون طابع التبرم والشكوى متجليا على أغلبية، يظهر ذلك في جل الأغراض التي نظم غيها، ولقد كان يحاول أن يخفف بالشعر فهو الذي يقول:

ظمآن ظمآن لا صوب الغمام ولا 
         عذب المدام ولا الانداء تروينـي(5)
حيران حيران لا نجم لماء ولا
         معالم الأرض في الغماء تهدينـي
يقظان يقظان لا طيب الرقاد يدا
         نيني ولا سمر السمـار يلهينـي
غصان غصان ولا الأوجاع تبليني
          ولا الكوارث والأشجان تبكينـي
شعري دموعي وما بالشعر من عوض
         عن الدموع نفاها جفن محـزون
يا سوء ما أبقيت الدنيا لمغتبط
         على المدامع أجفان المساكيــن
أسوان أسوان لا صفو الحياة ولا 
         عجائب القدر المكنون تعنينـي
أصاحب الدهر لا قلب فيسعدني
         على الزمان ولا خل فيواسيني
يديك فامح ضتى يا دهر في كبدي
          فلست تمحوه إلا حين تمحوني

أن هاته القصيدة تعد بحق من أروع قصائد العقاد، إنها نفتة من نفتاته، إنها عصارة حبه، غنها مرآة وضاءة لنفسه الرقيقة الحزينة القلقة.

إنه ظمآن حيران يقظان، إنه أسوان حزين، يستعمل الشعر للتخفيف عن آلامه وأحزانه ولكن الشعر لا يطفئ اواره كما تطفئ الدموع أحزان المحبين.

إنه يعيش وحيدا في هذه الحياة لا يجد قلبا يسعده ولا خلا يأسوه.
إنه يتمنى أن تنتهي حيات وأن يمحوه الموت من الوجود لتفنى حسراته وأناته.
وهكذا نجد العقاد يصور خوالجه وفيها من رنات الأحزان ما يسترق القلوب ويستجلب المدامع.
ولعل هذا القلق من الحياة هو الذي دفعه إلى الحذر منها وإلى التفكير في مصير الطارئين عليها إنها ما دامت حياة الآلام وأحزان فلماذا يعمل من جديد على إيجاد أبنائه قيها. لهذا آثر حياة العزوبة على حياة الزواج لئلا يترك بعده ولدا يشقى، فهو من هذا الجانب شبيه بالمعري الذي كان يقول:
وإذا أردتم بالبنين كرامة
         فالحزم أجمع تركهم في الأظهر

وقد كتب العقاد قصيدة رائعة جعلها حورا بين المعري وابنه، الابن يريد أن يخرج على الوجود وان يستمتع بالحياة، فقد ضاق بالعدم وأراد أن يرى مفاتن الطبيعة وأن يستلذ بمحاسنها، غنه يتوق إلى رؤية الوجوه الحسان، ويود أن يرى الورود والأزهار والفلا والبحار. ولكن الأب يشرح لابنه أعراضه، فيقول عن الحياة:

شرها يا بني شر ثقيل
         خيرها يا بني خيـر قليـل(6)
أهلها يا بني أهل حقود
         زعموها إلى الخلـود تـؤدي
ما رأينا سوى فناء ولحد
         فيه مود على تجاليـد مـودي
قف بباب الحياة لا تدخلها
         واعتصم يا بني ما استطعت منها
سوف ألقاك- فانتظر – بالوصيد
وكان العقاد جعل هاته القصيدة تعبيرا عما يحس به، لذلك قدمها بتعليق وجيز قال فيه عن المعري أنه والد رؤوف ضد أبناءه عن الحياة رحم بم، فيا لها من رحمة لا يعرفها له أبناؤه.

إنه إذن يرى أن ضد الأبناء عن الحياة ليس إلا رحمة بهم لئلا تدوسهم بأعبائها وتثقلهم بأحزانها وترهقهم بما فيها من إحداث وطوارئ وليسلموا من أهلها الحاقدين.
وكأني بالقارئ يتساءل عن أثر هذا التشاؤم في حياة العقاد، لأن التشاؤم غالبا ما يكون مدعاة إلى اليأس والحرمان والاستسلام وعرقلة في البلوغ إلى الأهداف التي يرتجيها الإنسان، وفرار من الصمود في وجه المصائب والاستفادة من مدرسة الدهر، وإيمانا بأن الشر أصل في هذا العالم وأن لا منجاة منه ولا مناص.
مع أننا إذا تتبعنا الأهداف التي كان يقصدها العقاد من تشاؤم نجد إنه كان يستغله لآثار غريزة الخير في الإنسان، فهو إذا صور الرذيلة فإنما يريد بذلك أن ينفر الإنسان منها، وإذا تضايق من معاملة البشر بعضهم لبعض فإنما يريد بذبك أن يحقق من سورة الظلم في النفوس الطاغية عساها أن تشعر بالشر الذي ترتكبه فترق أخلاقها وتمل للمصلحة الإنسانية عامة، وقد حقق بعض الباحثين أن الأدب كلما كان هادفا إلى إصلاح المجتمعات فهو أدب ايجابي نوري، وان قدم في صورة تشاؤمية(7)وكذلك كان أدب العقاد وشعره سواء فيما قدمه من خواطر إنسانية أو فيما جعل صورة لمجتمعه وبيئته.

وقد استغل هاته الطريقة في شعره الوطني والاجتماعي، فهي عندما أراد أن يدعو مواطينه إلى العزة والصمود والاستقامة والكرامة لم يقف موقف الواعظ، ولكنه وقف موقف الأديب الثائر قصور مجتمعه وكأنه متشائم من الأوضاع التي يراها، فالمانعون المتملقون يتولون أسمى الوظائف، واعيان الدولة جماعة ضعفت نفوسهم وقلت علومهم وغشت خستهم ودناءتهم وكثر تفاقم وتملقهم وجثوا خاضعين تذليلا، واللئام قد بلغوا أسمى الدرجات فكأنهم القرود وقد اعتادوا التسلق، فهو الذي يقول في قصيدة جعل عنونها«زماننا»(8):
غشت الجهالة واستفاض المنكر
         فالحق يهمس والضلالة تجهر
والصدق يسري في الظلام مثلما
         ويسير في الصبح الربا فيسقر
أنا لفي زمن كأن كبار
         بسوى الكبائر شأنها لا يكبر
من كل ذي وجه لو أن صفاته
         تندى لكان من الفضيحة يقطر
بئس الزمان لقد حسبت هواءه
         دنيا وأن بحاره لا تطهر
وكان كل الطيبات يردها
         غيه إلى الشر الأمور مدبر
سبق اللئام إلى ذراة فقهقهوا
         إن القرود لبالتسلق أخبر
ما نبل فيه مطلب إلا له
         ثمن من العرض الوفير مقدر
وبقدر ما بذل امرؤ من قدره
         يجزى فاكبر من تراع الأصغر

إن هاته الصيحات المدية لا يمكن لأي قارئ أن يتصورها صيحات البائسين أو المتشائمين العابثين، وإنما هي صيحات ثائرة تحاول أن ترفع روح الإنسان وأن تهديه إلى مثل العليا.

إنها صيحات تقك القيود وتصل إلى أعماق النفس فتحررها من الذل والطغيان.
إنها مبدأ الانطلاق إلى حياة أفضل وإنسانية سمحاء يرتفع غيها الإنسان عن مباذله وبتز عن شروره.
إنها صيحات منبعثة عن شاعر كان يؤمن برسالة الشعر في الحياة، شاعر رجانا منذ نشره ديوانه الأول(9) أن لا تبكيه بعد موته وإنما نعيد على سمعه الشعر فيطرب، إنه الذي قال في عنفوانه شبابه:
إذا شيعوني يوم تقضي منيتي
         وقالوا أراح الله ذاك المعذبا
فلا تحملوني صامتين إلى الثرى
         فإني أخاف اللحد أن يتهيبا
وغنوا فإن الموت كأس شهية
         وما زال يحلو أن يغنى ويشربا
وما النعش إلا المهد مهد بني الردى
         فلا تحزنوا غيه الوليد المغيبا
ولا تذكروني بالبكاء وإنما
         أعيدوا على مسمعي القصيد فاطربا
فما على الأدباء إلا أن يستلهموا من حياة العقاد قبسا ينيرون به الطريق أمام الإنسان التائه، فالعالم ما زال في حاجة إلى المرشدين مؤمنين، وشعراء ذوي حساسية رقيقة يجعلون أدبهم صادقا إلى إصلاح الإنسانية ونشر الوعي بين أفرادها.
فهل من مجيب ؟

(1) أدب المازني لدكتورة نعمات احمد فؤاد صفحة 39 طبعة 1961.
(2) من الديوان الأول صفحة 26.
(3) عن ديوان وحي الأربعين.
(4) عن الديوان الأول ص 27.
(5) الجزء الثاني من ديوان العقاد صفحة 194.
(6) الديوان الثاني صفحة 184.
(7) لا بأس من قراءة مقال في ( المجلة) السنة السابعة عدد 81 سمبتمر 1963 للدكتور محمد غنيمي هلال عنوانه: لا تفاؤل ولا تشاؤم بل ثورة أو تمرد.
(8) الجزء الأول من ديوانه صفحة 111.
(9) أول ديوان نشرعه العقاد جعله أربعة أجزاء في مجلد واحد وسمي كل جزء باسم خاص: الجزء الأول « يقظة الصباح»، والثاني «هج الظهيرة»، والثالث « أشباح الأصيل»، والرابع «أشجان الليل»، وللعقاد دواوين أخرى وهي: هدية الكروان، وحي الأربعين، عابر سبيل، أعاصير مغرب ما بعد الأعاصير، ما بعد البعد.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here