islamaumaroc

إحياء التراث

  دعوة الحق

العددان 70 و71

التراث هو ذلك الإرث الذي وصلنا على مر العصور والأزمان والذي لا يزال ماثلا في حياتنا متمثلا في جميع ما أنتجته عقول الأجيال السابقة وما أوحت به قلوبهم من علوم وفنون وآداب هي خلاصة حضارة هذا البلد وثمرة عبقرية أبنائه.
وهو نوعان:
أحدهما معطل في المتاحف والخزائن لا يحيا إلا بقدر ما نبعث فيه من روح.
والثاني تضمه العادات والتقاليد والفنون وما إليها من المأثورات الشعبية التي لا زلنا نمارسها ونمدها بالحياة.
والتراث بنوعيه في حاجة ماسة إلى رعاية من أبنائه تحفظه من الضياع وتصحح النظر إليه. ولن تكون هذه الرعاية غير عملية إحياء هي السبيل إلى فهم تاريخنا على غير ما قسرته لنا مدرسة الاستعمار، وإلى معرفة حضارتنا والوقوف على آثارها ومقوماتها وأسباب ازدهارها وانهيارها، وبالتالي إدراك الصلة الحقيقية بين ماضينا والحاضر وتمثل ملامح هذه الصلة وسماتها. والإحياء قبل هذا وبعد صون لوجودنا وفهم لقيمنا وجمع مستقبلنا.

والعملية تقتضي منا بادئ ذي بدء أن نوضح أمرين:
أولهما أن التراث مادة غزيرة وخام تحتاج إلى كثير من الفحص والغربلة والمناقشة في حذر ويقظة ووعي وتجرد عن الأهواء والميول الخاصة وجرأة لا تتحرج إلا مما يمس القيم العلمية والمقدسات الوطنية، إذ ما من شك أن شوائب وخرافات كثيرة داخلت تراثنا على مر العصور المظلمة التي عاشتها بلادنا علينا أن نصنفه منها لنزيل عنه كل آثار المسخ والتزييف ولنأخذ منه ما قد ينفعنا في حاضرنا وتطوره بما يتفق وحياة العصر ونخرج بأشياء جديدة نضفيها إلى ما نهضم من تراث الآخرين لنخلق لجيلنا والأجيال الصاعدة ثقافة وحضارة تطبعها روح وطنية إنسانية.

الثاني: أن الإحياء ليس هدفا في ذاته بمعنى أن نكتفي منه بالتفاخر والمباهاة والقعود عن العمل المثمر الجاد، وإنما هو مجرد حجر أساس ونقطة انطلاق ودافع لنا في تجربتنا الحاضرة وكفاحنا من أجل بناء الغد المنشود.

والعملية بعد هذا تختلف باختلاف نوعي التراث. فبالنسبة للآثار الشعبية – وقد سبق أن تحدثت عنها جملة وتفصيلا -(1) يتعين إتباع هذه الخطوات:
أولا- إنشاء معهد للفنون الشعبية.

ثانيا- إرسال بعثات دراسية لتكوين خبراء وباحثين متخصصين في علم الفولكور.
ثالثا- حصر مختلف ألوان التراث الشعبي.
رابعا – تنظيمه وصيانته في الخزائن والمتاحف.
خامسا – نشره على أوسع نطاق بواسطة أجهزة الإعلام المختلفة.
سادسا – القيام بدراسات علمية وفنية تستهدف تحديد خصائصه وتوضيح ملامح الشخصية المغربية من خلاله.

سابعا – تطوير الصالح من هذا التراث استيحاء إضافات جديدة من مادته لخلق ألوان جديدة من الأدب والفن.

وأما بالنسبة للتراث المكتبي، ونطاقه أوسع من التراث الشعبي الذي يطغى عليه اللون المحلين فالأمر يختلف بعض الشيء. ومن المعروف أن يقاوم الظروف والأحداث، فذ لا يخفى ما تعرضت له المكتبة العربية من كوارث أضاعت كثيرا مما أنتجه الفكر العربي لوال عصور وأجيال. فما أظننا ننسى ما فعله المغول عند استيلائهم على بغداد من إحراق الكتب وغلقاها في نهر دجلة لدرجة أصبح ماؤها اسود من مدادها وتألف منها جسر كان الناس يعبرونه رجالا وركبانا. وما أظننا كذلك ننسى خزانة زيدان السعدي التي كانت موجودة بمراكش والتي كان القنصل الفرنسي كاستيلا ينوي تهريبها إلى فرنسا لو مل يخطفها منه القراصنة الإسبان ويحولونها إلى الاسكوريال. وغير هذه وتلك خزائن لا حصر لها ذهبت ضحية العدوان أو الإهمال فذهب معها جانب من تراثنا لو وصلنا كله أو بعضه لأفادنا منه الشيء الكثير.

وليس المهم الآن أن تندب الحظ ونبدي الحسرة فما ذرف الدموع بمعيد ما ضاع، وإنما المهم أن نحمي الجزء الذي تبقى من التلف والإهمال والضياع ونبعث فيه من روحنا ما يفيض عليه القوة والحياة ويمدنا بطاقات جبارة للعمل المنتج الخلاق.

والحق أن الجهود التي تبذل في هذا الشأن كثير لا مجال لحصرها في هذا المقال، خاصة وأن مراتب أهميتها متفاوتة - ولست اعني الجهود الفردية والعفوية التي يغلب عليها طابع المساومة والتجارة، و‘نما أعني جهود الهيئات العلمية التي تعتمد على التنظيم والتخطيط.

فقد دعا المجتمع العلمي العربي بدمشق المنشأ سنة 1919 إلى النظر في اللغة ونشر آدابها وإحياء مخطوطاتها، كما دعا المجتمع العلمي العراقي المنشأ سنة 1947 إلى حفظ المخطوطات والوثائق العربية النادرة وإحيائها بالطبع والنشر. وكذلك فعلت وزارة الثقافة في سورية ووزارة التعليم في مصر ووزارة الشؤون الإسلامية في المغرب ووزارة الثقافة والأنباء في الكويت وغيرها من الهيئات المسؤولة في مختلف البلاد العربية وأهمها جميعا معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية.

أنشئ هذا المعهد بقرار من مجلس الجامعة سنة 1946 وتحددت مهمته كالتالي:
أولا – جمع فهارس المخطوطات العربية الموجودة في دور الكتب العامة والخاصة وفهارس المخطوطات التي يمتلكها الأفراد لتوحيدها في فهرس عام.

ثانيا – تصوير أكبر عدد ممكن من المخطوطات العربية القيمة.
ثالثا – وضع هذه المصورات تحت تصرف العلماء بعرضها لمن يطلبها للاطلاع عليها بواسطة أللآلات العارضة المكبرة أو بإعطاء صور مكبرة منها بأسعار مناسبة أو بإعارة نسخة ثانية منها للعلماء الدين يطلبونها من البلدان الأخرى عن طريق المؤسسات العلمية أو بإرسالها رأسا إليهم بأسعار مناسبة.

رابعا – طبع صور المخطوطات القيمة التي نصها صحيح وخطها مقروء ونشر نصوص المحفوظات ذات الأهمية الكبرى.

خامسا – تنظيم التعاون بين العلماء والمؤسسات العلمية في سبيل نشر المخطوطات وتزويد الناشرين بالمعلومات اللازمة عن المخطوطات التي يعنون بها وأعلامهم بأسماء من يعني بمخطوطات مماثلة لمخطوطاتهم أو متشابهة لها.

وقد أوفد المعهد بعثات لتصوير القيم من المخطوطات التي تحتويها خزائن الكتب في مصر وسورية وتونس والمغرب. ولمنظمة اليونسكو فضل كبير في تصوير المخطوطات، فقد أنشأت وحدة متنقلة للتصوير بدأت عملها في المغرب، حيث صورت ألفا ومائتي مخطوط أي ما يقرب من مليون ورقة، وهي تتابع الآن نفس العمل في ليبيا ومصر. وقد عقد اتفاق بين الجامعة واليونسكو سنة 1961 حصل المعهد بمقتضاه على معونة عينية من اليونسكو تتضمن المواد اللازمة لمعمل التصوير الخاص بالميكرو فيلم والمعهد إلى جانب هذا يصدر فهارس للمخطوطات ظهر منها حتى الآن ثمانية أجزاء كما يصدر مجلة تعرض نشاطه وتعرف بالمخطوطات العربية وتبحث شؤونها سواء في البلاد العربية أو غيرها، ينتظر أن يظهر عددا التاسع هذه الأيام.

ويعتبر مشروع المكتبة العربية الذي أعده المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية في الجمهورية المتحدة أهم مشروع بعد معهد المخطوطات يعني بشؤون التراث. وهو مشروع كبير يتضمن تحقيق التراث العربي ونثره وترجمة مختارات من نتاج الفكر الأجنبي إلى اللغات العربية ووضع مؤلفات في الموضوعات التي لا تزال المكتبة العربية بحاجة إليها.

وبالنسبة لتحقيق التراث وضع المجلس قوائم تتضمن أسماء المخطوطات التي اقترحت اللجنة المختصة تحقيقها ونشرها وأسماء مؤلفيها وبيان النسخ الخطية التي يمكن الاعتماد عليها في التحقيق والأمكنة المحفوظة بها هذه النسخ. واقترحت اللجنة أن يراعى في اختيار الكتب التي تحقق أن تكون الأولية فيها المخطوطات التي لم يسبق نشرها أو نشرت غير محققة للمخطوطات التي لم يسبق نشرها أو نشرت غير محققة ثم الكتب التي نشرت محققة في نطاق محدود أو يتعذر تداولها في العالم العربي لقيود مالية أو نحوها ثم الكتب التي نفذت طبعاتها، وعند توافر كتب متعددة في موضوع واحد تكون الأولية للكتب الأصلية في الفن أو الجامعة فيه. ويستوفي البحث عن جميع الأصول المخطوطة والمطبوعة أن كانت تمثل أصلا للكتاب المزمع نشره.

هذه هي أهم مشروعات صون التراث وإحيائه، فما مدى النجاح الذي حققته أو ينتظر منها أن تحققه؟
الواقع أنه بالرغم من الجهود الضخمة التي يبذلها معهد المخطوطات في النطاق العربي الواسع والمجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون في نطاقه المحلي الضيق، فإنني أخشى ألا تكون النتائج مرضية على الوجه المطلوب. فعدم تنسيق العمل بين معهد المخطوطات والهيئات العلمية الموجودة في البلاد العربية تنسيقا يوحد الخطة يوفر الجهد، وعدم إشراك البلاد العربية إشراكا فعالا في الأعمال العلمية، وعدم توفر الروح العلمي اللازم لهذه الأعمال، كل هذه العيوب تجعل المشروع – أي مشروع – كيفما كانت ضخامة الجهود التي تبذل لتحقيقه، عاجزا عن حمل عبء حماية التراث العربي وإحيائه على مستوى عربي كبير. فالأسف شديد أن النزاعات المحلية والأهواء الخاصة ما تزال مسيطرة على العقول. وحتى لا يظن بي ميل من هذا النوع أرى أن أوضح كلامي بمثالين ملموسين:
الأول أن الكتب التي اقترح مشروع المكتبة العربية تحقيقها وتعد بالعشرات أسندت جميعها إلى عدد معين من المحققين المصريين بالرغم من أن جزءا منها يهم بلادا عربية أخرى قد يتوفر من الكفاءات ما لا يتوفر لغيرها.

الثاني إني حين اطلعت على مشروع المكتبة العربية ووجدت ضمن قوائمه رحلة العبدري المغربية اتصلت بالمسؤولين وأطلعتهم على اهتمامي بهذه الرحلة التي أنوي تقديمها أطروحة تكميلية لدكتوراة الدولة الفرنسية، فاقتنعوا بضرورة إسناد تحقيقها إلي لا بصفتي مهتما بها فحسب، وإنما بصفتي مغربيا كذلك. ولكني فوجئت بعد ذلك حين أخبرني مسؤول كبير أن اللجنة المختصة لا توافق على نشر هذه الرحلة لما فيها من نقذ لاذع لمصر والمصريين.

وإذن فلا سبيل إلى حماية التراث وإحيائه غير قيام كل دولة عربية بوضع تخطيط خاص لمعرفة تراثنا المكتبي وصيانته وتحقيقه ونشره ثم إجراء تنسيق على نطاق عربي واسع للتعرف على ما في كل قطر من مخطوطات وتبادل النسخ المصورة منها وتوحيد قواعد التحقيق أو التقريب بينها على الأقل.

ونظرا لما هي عليه حالة التراث في كل أركان الوطن العربي، ونظرا لما تتطلب حمايته في كل أركان الوطن العربي، ونظرا لما يتطلب حمايته من تخطيط وتنظيم، فإني أرى أن تمر العلمية بالمراحل الآتية:
أولا – إنشاء هيئة علمية عليا لحماية التراث وإحيائه تكون مهمتها الإشراف والتنظيم.
ثانيا – تكوين لجنة فنية متفرعة من هذه الهيئة لوضع قواعد تحقيق المخطوطات.
ثالثا- إنشاء معهد أو شعبة دراسية بكلية الآداب للتخصص في فن تنظيم المكتبات وصيانة المخطوطات.

رابعا – حصر المخطوطات، وتحتاج إلى بحث في كتب الفهارس والبرامج وغيرها من المؤلفات التي تعني بذكر الكتب والتعريف بها.
خامسا – جمعها وينبغي أن يكون شاملا مستقصيا لكل المخطوطات لا فرق بين التافه منها والمهم. ويقتضي بادئ ذي بدء أن تمنع الدولة خروج أي مخطوط وأن يعلن أصحاب المكتبات الخاصة عما لديهم من مخطوطات يكون للدولة حق تصويرها واقتناء النادر منها مقابل تعويض يرضي أصحابها.
سادسا – فهرستا وتنظيمها.

سابعا – تحقيقها على أسس من الدرس والبحث لاستخلاص المعاني الكامنة التي تربط قديمها بالحديث.
ثامنا – نشرها، وهي مرحلة ختامية تقتضي أن تعني الدولة بنشر الكتب المتعلقة بها على أن تكلف هيئة التنسيق – وليكن معهد المخطوطات – بنشر المعاجم والكتب الضخمة التي تحتاج إلى وسائل وإمكانيات كبيرة.

 

(1) مجلة دعوة الحق. العدد الثاني والرابع والسادس من السنة السادسة.

 

 

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here