islamaumaroc

الحزن في كل مكان

  دعوة الحق

العددان 70 و71


أيقظتني أمي في الصباح بوجهها الكئيب، وبصوت كأنه منبعث من الأعماق:
-قم ..الوقت متأخر.
لم أكن نائما في تلك اللحظة، كنت مغمض العينين تحملني أفكاري إلى أشياء حلوة عرفتها في الماضي، وعاشتها بكل دقائقها لكنها انهارت فجأة حالما رحلت سميرة عني.
عندما شرعت بارتداء ملابسي، كنت ارمق أمي غفلة بين الفينة والفينة، كانت قريبة جدا من المدفأة التي كان لهيبها يتصاعد أزرق باهتا، وكانت عيناها تحذفان ببلاغة في كنزة صوفية صفراء لم تتم بعد، معلقة في المشجب، ولقد تجمعت فيهما الدموع، ولم تنهمر.
حاولت منذ أيام، أن أخفي هذه الكنزة عن أنظار أمي، وما أن فعلت حتى راحت تطلب مني إعادتها بإصرار وعناد:
-يجب أن تعيدها إلى مكانها، ثم إياك أن تخفيها عني مرة ثانية، إذا أردت أن أكون راضية عنك أعدها إلى مكانها.
أعدتها، لم أكن أرغب في أن تغضب، وراحت بعد ذلك تحاول إبرازها بعناية، كأنها مخلوق حي يحتاج لرعايتها.
لما انتهيت من ارتداء ملابسي، قالت دون أن تحاول الالتفات نحوي:
-تأكل..؟
-لست جائعا.
ولم تفه أمي بكلمة أخرى، بل تكومت أكثر في الزاوية ناحية المدفأة دون أن تحول ناظريها عن الكنزة.
خرجت من البيت، وبي وهن عظيم..حتى الهواء الذي استنشقه يكاد يكون ثقيلا على رئتي.
ها هو الأسبوع الثاني يمر على رحيل سميرة، أحسست بعدها بالهرم وكأنني أصبحت شيخا مسنا أثقلته أعباء  الأعوام المرهقة، ولقد شعرت تلك الأيام التي مضت بذلك الفراغ الذي أحدثه هذا الرحيل في ذاتي من الداخل. عندما وصلت إلى المعمل، كان الضجيج يعلو كل مكان، لكن أعماقي كانت تسبح في سكون رهيب.
قال زميلي:
-صباح الخير..
-صباح الخيرات..قلت ذلك وأنا أفكر بهذه اللهجة التي بدأ زميلي يحدثني بها:« صباح الخير» كأنه يود أن يغريني بنطقه هذه الكلمات حزينة من أعماقه.
كان من عادته أن يثرثر كثيرا بجانبي، وكان يستشيرني عن مشاكله العاطفية، ويستكتبني رسائله الغرامية التي كان يرسلها إلى فتاته دون أن يتقلى منها جوابا..وكان أحيانا يحدثني عن أفكاره الخاصة حول الحياة التي يحياها والأمنية التي يتمناها أن تتحقق.
لكنه منذ رحلت«سميرة » عني، لم يكن يخاطبني إلا لماما، كنت المحه يرمقني بنظرات رثاء، وكان يحاول أن يتفوه بكلمة إلا أنه كان يستنكف في آخر لحظة.

من عادتي أن أتناول الغداء عند احمد، فله دكان صغيرة إلى جانب المعمل يبيع فيها الحمص والفول إضافة إلى بعض الفواكه وكان مذياعه يملأ ذلك المكان ضجيجا، منذ رحلت سميرة، لم أعد أسمع لمذياعه صوتا، ولمجرد أن اخرج من باب المعمل – قبل الرحيل – كان يترامى إلى أذني صوته وهو يصرخ على بضاعته كأنه يضحك، لكنني هذه الأيام لم أعد اسمعه كما كان من ذي قبل، إن تغيرا كاملا طرأ على احمد.
قال اليوم:
-أنت تغرق نفسك بالحزن يا أخي، حرام عليك لقد نضب وجهك، عيناك غائرتان، لكأنك هرمت: أعرفك تهزأ بالمصاعب، فما بالك هذه الأيام، لابد لنا جميعا من الرحيل في يوم ما.
عندما ما لم أجب احمد لكلمة واحدة، عاد إلى صمته كان يتحرك ببطء عكس عادته التي ألفتها.
خرجت من عنده، كانت السماء متلبدة، سحبها سوداء قاتمة، كقلبي القاتم، وكانت الريح تعصف بأشجار البستان المقابل للمعمل، وتحدث أصواتا كعويل الذئاب.
كانت نفس الريح تصرخ عندما ودعت سميرة الوداع الأخير، لم تهطل من عيني دمعة، كان وجهها باردا كالصقيع وثمة ابتسامة باهتة مرتسمة على شفتيها ويداها مضمومتان إلى صدرها، وقد كان ظاهرا للعيان مكان المحبس الذهبي الذي البسها إياه خطيبها زياد منذ أشهر ثلاثة، لقد خلعوه من أصبعها حتى بدأ مكانه أصفر باهتا.
ومع ذلك، لم أبك، لكنني أحسست أن حزما من الشوك كانت تدمي قلبي وتمزق إحساسي.
أبعدوني عنها، كان صوت أمي يترامى إلي وهي تصرخ منتحبة لا تتركني يا سميرة..يا حبيبتي..لا تتركني، إنك لم تنته من الكنزة بعد..لقد وعدتني أن تهديها لي، لا ..لا تأخذوها.
لكنهم، حملوها إلى النعش ثم أغلقوه عليها، مع ذلك فقد عجبت لم أبك، لكنني كنت ذلك الحين أحس أنني أسقط..وأسقط، وجسدي ينقلب فيه كالغبار.
عند ما رجعت من المعمل لفحني هواء الشارع البارد وراح يلسع وجهي المنهك بقوة، أحسست أنني لا أستطيع أن أسرع الخطوات فقد كنت متعبا للغاية، قدماي أجرهما على الأرض، وراسي متدل على صدري بحسرة.
ينهمر المطر بغزارة، يغسل رأسي ووجهي، الشارع يكاد يكون مقفرا، ثمة رياح شديدة تصفع خيوط المياه المتساقطة، وأنا أمضي في اتجاه معين دون إسراع.
عندما حملوا نعش سميرة، كان المطر ينهمر كهذا اليوم..لم يكن يرافقني في تشجيعها إلا بعض الأقارب وزملائي في المعمل..واحمد، وخطيب سميرة زياد...
كان يبكي بحرقة ويجهش بصوت مسموع، وفي المقبرة، تناول الحفار جسد سميرة الغض بوجه جامد ووسدها تراب الحفرة ثم أغلقها..ورفع رأسه متجها إلى كومة التراب وراح ينهال به عليها كتمثال من الجص يتحرك بآلية.
اذكر هذه الأشياء جيدا، كانت تتدلى من ياقة قميصه المنشأة عقدة سوداء، ولقد كان الحزن واضحا في عينه، حاول أن يتكلم ولكن سرعان ما تدفقت الدموع على وجنتيه، فاختنق صوته وودعني دون أن يتفوه بكلمة.
كان حزينا حقا، لم ألمه، فسميرة حلوة، عيناها صافيتان ربيعيتان بلون الحقول الخضراء، شعرها بلون القمر في ليلة صافية الأديم، طويلة، لكنها نحيلة بعض الشيء، عنقها غيمة بيضاء كان زياد يحبها كنت ألاحظ ذلك منذ كان يزورها ومعه أمه، لاشك أن سميرة أحبته أيضا، فلقد كانت تبدو سعيدة جدا كلما زارها، وفي يوم ما، وعدتني أن تشتغل لي كنزة حالما تنتهي من كنزة أمها..فلم يبق لزفافها أكثر من ثلاثة أشهر.
لكن سميرة رحلت الآن، أنشب ذلك الموت اللعين أظافره بأعوامها التسعة عشر، واختصر حياتها التي كان من الممكن أن تكون سعيدة.
الطبيب، لم يمنعها من الزواج، فضعف قلبها ليس خطرا ومع ذلك، رحلت قبل أن تتزوج وتركت كنزة أمها دون أن تتمها.

اقتربت الآن من سور المقبرة، كان الماء قد تسرب من ملابسي حتى جسدي فشعرت بقشعريرة هزتني بعنف عندما تخطيت باب المقبرة، لمحت صورة سميرة تبرز من بين القبور بوجهها النحيل وبابتسامتها الباهتة وشعرت بشيء يشدني إليها، اقتربت من القبر فإذا بي وحيدا..والمقبرة  موحشة موحشة( إنا لله وإنا إليه راجعون) يا إلهي..لماذا ترجع إليك سميرة وهي بعد بعمر الورد، وهي بعد لم تنعم بحياتها..هل هذا عدل..يا إلهي..؟
تذكرت وجه سميرة النضر، ترى كيف أصبحت حالته الآن، لاشك أن العينين الحلوتين قد أكلتهما الحشرات.
لمحت الورد الذي لم يذبل بعد، وقد زين واجهة القبر، أن أمي تأتي إليه كل صباح ومعها باقة ورد..مسكينة أمي، همها منذ رحلت سميرة، أن تختار باقة ورد كل يوم لتضعها على قبرها.
كانت المقبرة مفرقة في وحشتها، وقد بدا الظلام يتسرب إليهاـ، والمطر ما زال ينهمر بشدة على القبور، لاشك أن الماء قد تسرب إلى جسد سميرة المشوه، يا حبيبتي..يا سميرة..يا سميرة...
وتوالت صورة الماضي مسرعة على مخيلتي، إن سميرة تملأ أكثر هذه الصور إذ ذاك شعرت بالدمع بتدفق من عيني حارا ويختلط بماء المطر الذي يغسل وجنتي.
عم الظلام الكون الآن، شعرت بالخوف والوحشة فمشيت خارج المقبرة، كان دمعي يتدفق بغزارة، سميرة كانت لا تحب الوحدة أبداـ غنها ستظل وحيدة بعد الآن حتى الأبد.
وصلت البيت، كانت أمي ما تزال مقتعدة الزاوية بالقرب من المدفأة، وكانت إلى جانبها هذه المرة خالتي وابنتها، ألقيت تحية المساء، ثم دخلت غرفتي.
غرفتي صغيرة، ولقد كانت سميرة تعتني بها كثيرا، أجلت الطرف قليلا في أشيائي«كتبي ومنضدتي ومذياعي الصغير..» كان الغبار يعلوها بكثرة، إن أحدا ما لم يقترب منها..منذ رحلت سميرة..
عندما ضم فراشي جسدي المتعب، كان المطر يصفح زجاج النافذة بشدة، أطفأت المصباح الكهربائي حاولت النوم، غلا أن الأفكار اجتاحتني، ذات يوم قلت لسميرة: عما قريب ستذهبين إلى بيت زوجك..قالت ضاحكة: سأخطب لك وسأبحث لك عن فتاة حلوة تستطيع أن تمنحك السعادة...لقد آن لك أن تتزوج يا أخي، فغننا قد كبرت وأصبحت عاجزة عن خدمتنا...
 يا الله...والآن..من ذا الذي سيبحث أمي عن زوجة تمنحني السعادة..من ذا الذي سيعتني بكتبي وأشيائي الأخرى بعد اليوم..سميرة..كانت تحبني، تحب أشيائي كثيرا..ولكنها رحلت وتركتني وحيدا مع أم محطمة.
وأحاول النوم، لكن طيف سميرة لا يبرحني..يخطف الكرى من جفني..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here