islamaumaroc

موازنة بين الكوميديا الالهية وقصة المعراج

  دعوة الحق

العددان 70 و71

تتبوأ الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالي دانتي (1265 – 1312م) مكان الصدارة ليس فقط بين تراث إيطاليا الأدبي ولكن في تراث الإنسانية كله.
وأبسط مقياس ترجع إليه في هذا الحكم عندما تعز المقاييس أو تختلف بين النقاد ما نالته هذه الملحمة من إعجاب تحول على مر العصور إلى ما نسميه بخلود الآثار الأدبية. أمام هذه القيمة المطلقة لأثر أدبي من هذا النوع يتساءل الإنسان عن مقومات هذا الأثر وعن عوامل نشأته الفنية تلك التي تضافرت على إيجاده، وساهمت في نموه واستوائه على صورته الفذة الرائعة.
ويمضي المرء يبحث عن تلك المقومات تارة من خلال شخصية الأديب المبدع، وتارة بين ثنايا الأثر الفني، وأخرى فيما مهد لظهور هذا الأثر من عوامل البيئة ودواعي العصر. وهكذا يضطر خلال بحثه أن يجوس خلال دروب طويلة أو يرود سبلا تنأى به قليلا أو كثيرا عن صاحب الأثر الأدبي، ويقضي عليه البحث المجرد والمضني معا أن يجمع أجزاء تلك الحقيقة بعد سفر طويل في أبعاد مختلفة منها البعد البيئي ومنها البعد الشخصي للأديب ومنها البعد الفني للأثر الأدبي وإذا هو يضطر أيضا لكي يحدثنا عن سر العبقرية الكوميديا الإلهية أن يتعرض صاحبها دانتي في حياته وبيئته وحضارة عصره بما في ذلك ثقافته وآدابه وفنونه. هذا النوع من البحث قد يطلعه على حقائق مدهشة أو مفاجآت لم يكن يتوقعها. ولكنها الحقائق التي لا تقبل الشك، التي لا يجوز الإعراض عنها لمجرد أنها غريبة أو مفاجئة أو مما لا يتفق وما نعتقده قبل ظهورها. من تلك الحقائق التي تفاجئنا في بحث «الكوميديا الإلهية» أن أصول هذا الأثر الفني الخالد ليست جديدة، وليست عناصرها الخيالية مبتكرة، وإنما هي أصول وعناصر عرفتها آداب قديمة مختلفة تناولها دانتي الشاعر وصاغها صياغة جديدة مفرغا عليها حلة جديدة، ونافخا فيها من روح شاعر عبقري، فاستوت أثرا قويا يبلور رؤيا الإنسانية في العالم الآخر على نحو رفيع.
وإنها حقيقة لا تقلل من قيمة الأصالة في هذه الملحمة الإلهية، بل ولا تتنافى من قيمة الأصالة في هذه الملحمة الإلهية، بل ولا تتنافى مع مبدأ الأصالة في أي أثر أدبي آخر يصدق عليه ما يصدق على الكوميديا، لأن الأصالة لا تعني انقطاع الأديب عن كل مؤثر يربطه ببيئته وعصره وإنما نعني أنه يستقل في صياغة موضوعه الذي هو رؤى ذاته رؤى الإنسانية كلها من خلال ذاته كإنسان وفي هذا الصدد يقول لانسون LANSON أن الخصائص التي تميز العبقرية الفردية ليست أجمل ما في تلك العبقرية وأعظمه لذاتها، بل لأنها تشمل في حناياها الحياة الجماعية لعصر أو هيئة ورمز لها أي تمثلها. ومن ثم وجب علينا أن نحاول معرفة تلك الإنسانية التي أفصحت عن نفسها خلال كبار الكتاب... وهكذا نضطر إلى أن نسير في اتجاهين متضادين، نستخلص الأصالة ونوضحها في مظهرها الفريد المستقل الموحد ثم ندخل المؤلف الأدبي في سلسلته، ويظهر كيف أن الرجل العبقري نتاج لبيئته وممثل لجماعته ».
وأصالة الكوميديا الإلهية لدانتي من هذا النوع الذي لا تتزاحم فيه صورة دانتي الفردية مع صورة عصر دانتي الجماعية، فالصورتان متآلفان ولا تطغى ألوان إحداهما على ألوان الأخرى إن لم تكن كل منهما عنصرا مكملا للأخرى ومساعدا على بروزها.

دعانا إلى تأكيد هذه الحقائق ما سنقيمه من موازنة بين تصميم هذا الأثر الأدبي الكبير للعامل الآخر وبين التصميم الذي نجده للعالم الآخر في اثر آخر شائع في الثقافة الإسلامية، وهو قصة المعراج المحمدي كما انتهت إليه في العصور الوسطى وخاصة قبيل عصر دانتي. ففي هذه الموازنة ما قد يتراءى للبعض وكأنه ينال من قيمة الكوميديا الإلهية وينقص من أصالتها نظير ما حدث يوم طلع المستشرقون وعى رأسهم آسين بلا شيوس بالحقائق التي سنعرض لها بعد قليل.
عاش دانتي في النصف الأخير من القرن الثالث عشر والربع الأول من القرن الرابع عشر للميلاد، وهي فترة من الزمان كانت تتمخض عن عوامل نهضة أوربا. فقد كانت الثقافة اللاتينية تتغذى بعناصر جديدة من الفكر اليوناني والفكر الإسلامي وكان الفكر الإسلامي قطب الرحي من الثقافة في العصر الوسيط. وخلال القرن الذي ولد فيه دانتي ظهرت نتائج انبعاث الفكر اللاتيني حيث أفاد البرتو الكبير (1280م) من شروح ابن سينا وابن رشد لأرسطو، وحاول استكمال فلسفته بمستكشفات علمية. وآثر القديس توماس الإكويني(1274م) التوفيق بين الفلسفة والعقيدة المسيحية فنسخ على غرار ابن رشد( 1198م) في التوفيق بين الحكمة والشريعة.
وهناك حقيقة لا مراء فيها اليوم، هي أن الحضارة الإسلامية والثقافة العربية كانت جميعا مركز الإشعاع الفكري والإنساني في القرون الوسطى. وأن مراكز الاتصال بين الفكر اللاتيني والفكر العربي لم تكن قليلة ولا غريبة ولا سيما في الأندلس وصقلية والقسطنطينية والشام أي في أطراف المملك الإسلامية وعلى تخوم الممالك النصرانية. ولما كان العرب يومذاك في الطليعة من ركب الحضارة، وكانوا قادة الشعوب في كل ميدان من ميادين الإنتاج والتفكير والصناعات والفنون كانت أمم اللاتين لا سيما أثر الحروب الصليبية قد أخذت تتوجه إلى الثقافة الشرقية والعربية تمتص منها ذلك اللقاح الذي سينشأ عنه فيما بعد انبعاث حركة النهضة الكبرى، ويبلغ الأمر ببعض أمراء تلك الفترة وهو فردريك الثاني ( 1250م) أمير صقلية أن يجعل هدفا من أهدافه الكبرى نقل الآثار العربية إلى اللاتينية ويغرم بالأزياء والعادات العربية والتقاليد الشرقية، وأرسل علماء المسلمين، ويستفتيهم في المعضلات الفكرية. ولم تكن الأندلس بأقل نشاطا من صقيلية إن لم يكن أوسع مجالا وأغنى عملا، وقد اشتهرت طليطلة خاصة في عهد الفونس الحكيم(1284م) ملك قشتالة بأنها أحد المراكز الثقافية التي تمت فيها ترجمة كثير من الآثار العربية إلى اللاتينية والاسبانية.
فثقافة القرون الوسطى أو قل أن ثقافة القرن الثالث عشر وهو عصر دانتي بالذات ثم القرن الرابع عشر لم تكن الثقافة السائدة فيه ثقافة لاتينية خالصة. بل كانت ثقافة قد امتصت كل ما ناسب مزاج اللاتين من الفكر الإسلامي ومن الفكر اليوناني على يد المسلمين.
وإذن فقد كان دلانتي الييجيري كواحد من كبار مثقفي عصره قد اطلع على ثقافة متنوعة غنية الموارد. فهو قد درس على طريقة أهل عصره دراسة دينية عميقة، وأخذ بتعاليم القديس توماس الأكويني على يد دير الدومينكان الذي كان له طابع التفكير السني في الإسلام ثم تعلم الفرنسية، ولغة البروفانس التي تحتوي أناشيد التروبادور، ثم اطلع على كل ما أتيح له من ألوان الثقافة  التي تحتوها اللاتينية والفرنسية بالإضافة إلى دراساته الجامعية.
إن رجلا يتسع أفقه الثقافي إلى الحد الذي وصفنا لا يمكن أن يكون غريبا عن الثقافة الإسلامية أو على الأقل عما كان قد يقل من تلك الثقافة إلى اللاتينية والفرنسية، ولغة البروفانس من كتب وأقاصيص وأناشيد فضلا عن العلوم الكبرى كالطب والفلك والحكمة والكلام وآراء الصوفية، وما شاع في الناس من قصص ديني تحتل قصة المعراج النبوي مكان الصدارة منه.
ولما كانت قصة المعراج الإسلامية أهم تبلك الكوميديا الإلهية. فإنه يجب التنويه هنا بنتائج البحوث التي قام بها عدد من المستشرقين والباحثين لاكتشاف وسائط الاتصال بين هذا الأثر الإسلامي والشاعر الايطالي.
فقد نشر المستشرق كابريللي CABRIELLI بحثا قيما عن دانتي وصلته بالثقافة الإسلامية نشره في كتاب سنة 1952 وأوضح فيه من جديد مدى تلك الضجة التي كان قد أثارها المستشرق الإسباني آسين بلاشيوس في كتابه « الأصول الإسلامية للكوميديا الإلهية» (1919م) والتي كان مبعثها أن هذا الباحث الكبير انتهى إلى أن دانتي في الكوميديا يستقي صوره وتصميمه للعالم الآخر فيها من مشاهد العالم الآخر كما تصورها قصة المعراج وكتب الدين الإسلامي، ولما كان هذا الفرض مجرد احتمال يحتاج إلى الكشف عن واسطة
الاتصال التي تقطع بصلة دانتي بهذا الأثر أو ما يتصل به، فقد طل فرض بلاشيوس مجرد احتمال، وقد أصبح حقيقة أدبية وعلمية فيما بعد بفضل بحوث أحرى قام بها عالمان آخران توصلا فيها إلى اكتشاف الترجمتين اللتين كانتا معروفتين في كل من اسبانيا وايطاليا في القرن الرابع عشر لقصة الإسراء والمعراج الإسلامية.
قام بهذا البحث المستشرق الايطالي تشيرولي، ونشره في كتاب سنة 1949 تحت عنوان « كتاب المعراج ومسالة المصادر العربية للكوميديا الإلهية».
وقد انتهى بحث تشرولي إلى أن ترجمة قصة المعراج الإسلامية كانت متداولة في القرن الثالث عشر، وكان لها تأثيرها في أوساط القراء والأدباء ورجال الكنيسة في كل من ايطاليا وفرنسا واسبانيا، وان دانتي بوصفه من كبار مثقفي عصره كان مطلعا على هذه القصة.
تأتي الكوميديا الإلهية في صياغتها الفنية لتقطع بشكل لا يبقى فيه مجال للشك بصلة هذا الأثر الأدبي الإيطالي الكبير بقصة الإسراء والمعراج الإسلامية في تصميمها للعالم الآخر وكثير من مشاهدها وصورها للعالم الأخروي في الفردوس والجحيم.
وإننا لا نذهب إلى القول أن قصة المعراج كانت المصدر الوحيد للكوميديا الإلهية، ولا أن مشاهد العالم الآخر في كتبنا الدينية كانت الغداء الوحيد لخيال الشاعر دانتي وهو ينشئ ملحمته الخالدة، ولكننا نقول بناء على ما ثبت من نتائج البحث وما كان للثقافة الإسلامية من دور في القرون الوسطى أم مشاهد العالم الآخر في قصة المعراج وتصميمها للعالم الآخر من ناحية ثانية كانتا مؤثرين على نحو قوي في خيال الشاعر. ولقد كانت هناك آداب كثيرة عرفت هذا النوع من الرحلات الخيالية إلى العالم الآخر. فقد عرف ذلك المصريون والبابليون والعبريون. وعرف الفرس في أدبهم مشاهد للعالم الآخر تتألف من عوالم ثلاثة الجحيم والمطهر والفردوس.
وفي تراث الهند نجد صورا شبيهة بهذه الصور المعروفة في الديانات الأخرى وكيف يصعد هيرا من الجحيم إلى الفردوس محفوفا بالملائكة إلى مقام رب الأرباب وفي الأدب اللاتيني واليوناني مشاهد غنية الألوان والتفاصيل عن العالم الآخر. وفي تراث القرون الوسطى قديسون وقصاصون تحدثوا عن العالم الآخر من أشهر آثارهم مطهر القديس باتريك.
إلا أن قصة المعراج لرسول الإسلام محمد(ص) كانت أبلغ تأثيرا مما عداها، ربما كان ذلك سبب التطور الكبير الذي بلغته من روعة الخيال والشعر على يد الوصفي الكبير محيي الدين بن عربي(560 – 638م) في كتابه الفتوحات المكية. وهو الأمر الذي وقف عنده المستشرق بلاشيوس طويلا في معرض الموازنة بين تصوره للعالم الآخر وتصور دانتي.
والواقع أن هذا المستشرق في كتابه »  الأصول الإسلامية للكوميديا الإلهية « قد ذهب في الموازنة بين هذه الملحمة في تصويرها وتصميمها للعالم الآخر وفي قصة المعراج غاية بعيدة. وعلى الرغم من أننا لا نقطع برأي في أن قصة الإسراء والمعراج هي التي أوحت إلى دانتي بفكرة الكوميديا الإلهية لعدة أسباب منها أن الثقافة الإسلامية لم تنفرد وحدها بهذا النوع من القصص ذات الرؤى في العالم الآخر، ومنها كون دانتي كان متأثرا أيضا بفرجيل الشاعر الكبير صاحب الرؤى الأخروية في ملحمته الإليادة، إلا أننا نقر معه بأن دانتي استأثر بخياله تصوير الصوفية المسلمين لقصة المعراج لا سيما عند ابن عربي في كتابـه «الفتوحات». ولا شك أن قصة المعراج التي كانت من حظ الترجمة إلى اللاتينية والفرنسية تحتوي التفاصيل التي انتهت إليها في القرون الوسطى على الرغم من كوننا نجهل نص هذه القصة بالذات.
ولكي توازن بين الكوميديا الإلهية وقصة المعراج يقتضينا الأمر النظر في ناحيتين ناحية الاتفاق وناحية الاختلاف.
أما في الناحية الأولى فنجد التصميم الكيفي للعالم الآخر يخضع للشكل الدائري فالعالم الآخر على هيئة قبة الفلك. وهو نفس التصميم الذي نجده عند دانتي، وفي قصة المعراج كما يصورها ابن عربي، وكما يصورها صوفي مغربي مغمور هو السيد عبد العزيز الدباغ الذي روي عنه صاحب الإبريز. « فأطباق الجحيم ومساري النجوم ودوائر الوردة الصوفية وجماعات الملائكة التي تحف بمطلع النور الإلهي والدوائر الثلاث التي ترمز إلى الثالوث عند دانتي كل هذه وصفها الشاعر الفلوراس كما وصفها الصوفي المرسي.
ويتأثر دانتي بصورة النظام الفلكي التي كانت معروفة في القرون الوسطى، وهو الذي يجعل الأرض مركز العالم وحولها السماوات التسع عبارة عن كرات تحيط بها أو دوائر فضائية تغلف الأرض، وتزيد التعاليم المسحية هذا النظام سماء أعلى هي الوردة البيضاء أي عرض الله. وهذا يجعل جحيمه تسع حلقات متدنية أسفل فأسفل حتى تنتهي إلى المطهر وهو مركز الأرض وهو مقسم بحكم ضرورة مماثلته لما قبله إلى تسعة أفاريز ومنه ينطلق إلى السماء حيث تتعالى تسع سماوات تنتهي بسماء السماوات وهي المستوى العاشر. ونجد ما يشبه هذا التقسيم للعالم الآخر في قصة المعراج في صورتها المتأخرة ففيها أن عدد المعاريج كانت ليلة الإسراء عشرة، سبع سماوات. والثامن هو سدرة المنتهى والتاسع المستوى الذي سمع فيه الرسول صربر الأقلام في تصاريف الأقدار. والعاشر و العرش والرفرف حيث تمت الرؤية وسماع الخطاب والكشف الحقيقي.
أما بداية الرحلة في الكوميديا فتاتي في أعقاب نوم عميق. وتنطلق من بيت المقدس. ومن موقعه ينزل دانتي إلى دركات الجحيم التسع حتى الدرك الأسفل حيث إبليس. وفي المعراج أيضا يبدأ العروج إلى السماء بعد الصلاة في البيت المقدس مع جماعة الأنبياء. وتأتي صلاة الرسول بعد نومه في بيت أم هانئ بنت أبي طالب. وبينما يرافق الرسول عليه السلام جبريل ملك الوحي يرافق دانتي فرجيل الشاعر رمز الإلهام الشعري.
ويعترض سبيل الرسول في رحلته في قصة المعراج كائنات رمزية هي في رواية المرأة العجوز رمز الدنيا، والشيخ رمز الشيطان وفي رواية أخرى المرأة العارية رمز الإغراء الشيطاني، وفي رواية ثالثة عفريت من الجن يطلبه بشعلة من نار. أما دانتي فيعترضه هو أيضا كائنات رمزية هي الذئبة رمز البخل والأسد رمز الكبرياء، والفهد رمز الشهوة.
وأقسام العالم الآخر عند دانتي تبدأ «يالليميو» وهو مدخل الجحيم ومقر العظماء الذين سبقوا المسيحية أو لم يهتدوا إلى نورها. ثم الجحيم ذو الدركات التسع ثم المطهر وهو ممر ضروري من الجحيم إلى الفردوس، ثم الفردوس حيث تتعالى تسع سماوات كل سماء مستوى من مستويات الفردوس.
أما تصوير النصوص الدينية الإسلامية للعالم الآخر فهناك الجنة ذات الفراديس الثمانية وهي دار السلام وجنة النعيم وجنة المأوى ودار الخلد وجنة عدن وجنة الفردوس وجنة عليين ودار المزيد. وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني عن ابن مسعود أن للجنة ثمانية أبواب سبعة منها مغلقة وباب مفتوح للتوبة وهي باب الجنة الأولى، وينتقل المنتقل إلى الجنة من أسفل إلى أعلى دوما. وهناك النار ذات الدركات السبع. وهناك الصراط المضروب بين ظهري جهنم، وهو يفضي إلى الجنة وهناك تل بين الجنة والنار هي الأعراف مقر خاص للذين لم يستحقوا عذاب الجحيم ولا نعيم الفردوس.
وعند الموازنة نلمح أن الجنة تقابل الفردوس وأن الصراط يقابل المطهر، وأن جهنم تقابل الجحيم وأن الأعراف تقابل الليميو مقر العظماء والعباقرة الأقدمين.
وبعد ذلك تتعاقب المشاهد في كل من القصة الإسلامية والملحمة الذاتية مشاهد العذاب و مشاهد النعيم فتتقارب تارة حتى تتماثل تقريبا وتختلف أخرى. وفي هذا الصدد يقول آنخل بالنثيا:
« ولا يتوافق الصعودان – الدانتي والإسلامي – في الخطوط العامة فحسب، بل هناك حلقات ذات صور ملموسة يتفق الاثنان فيها: فالنسر الضخم الذي رآه دانتي في سماء جوبتر وقال إنه – أي النسر-  يتكون من حشد عظيم يضم آلافا من الملائكة لهم أجنحة ووجوه فحسب، يشع منها نور باهر وهي تخفق بأجنحتها مرتلة أنغام الترتيلات الانجلية ثم يسكن النسر رويدا رويدا ويحط، كل هذا ما هو إلا تضمين لثورة الملاك المارد الذي رآه محمد(ص) يتحول إلى ديك يخفق يجناحيه ويغني ترتيلات دينية، ثم يحط يعد قليل منع ملائكة تبدو له وكأن كلا منها مجموع لا عدد له من الوجوه والأجنحة ». (ص 559)
«وكلا الدليلين إذا وصل بزائره إلى سماوات النجوم دعاه إلى تأمل الكون المخلوق وصغره. وصفة المشهد الإلهي في كلا الحالين واحدة، فالله مركز أو نقطة من النور الباهر تحيط به تسع دوائر ذات مركز واحد، وتتألف هذه الدوائر من الملائكة محشودين يبعضهم إلى بعض في صفوف تنبعث منها أشعة من النور..والزائر يتأمل هذا المشهد الأروع مرة عندما ينتهي من صعوده ومرة عندما يمثل بين يدي العرش» (الفكر الأندلسي ص 560).
ومثل هذا التماثل في التصوير نجده في مشاهد الجحيم، وبشكل يكاد يكون قاطعا ين دانتي استمد من قصة المعراج في ملحمته، فالعواطف السود ومطر النار والحركة الدائرية الدائمة لقوم والطعن بدون موت وسحب المعذبين وأمعاؤهم متدلية والقوم مقطوعو الأيدي، وعذاب الزمهرير كل ذلك متمثل في الأثرين مع اختلاف اقتضته طبيعة الخلاف بين الشخصين.


وأما في الناحية الثانية أي الاختلاف بين الكوميديا الإلهية وقصة المعراج الإسلامية فهي ذات وجوه:
منها هذه الدقة والأحكام في التقسيم والتفصيل الموجودين في الكوميديا لأنها من وضع شاعر مجنح الخيال أفرغ كل عبقريته في صوغ هذه الملحمة صياغة هندسية تخضع لضرورات التماثل والتوازي بين أجزائها وفصولها والتنويع في مشاهدها، في حين أن قصة المعراج لم تكن إلا حديثا نبويا عن رؤيا الرسول عليه السلام تطورت فيما بعد على يد الوعاظ والصوفية إلى قصة ذات صور ومشاهد في وضع غير منسق وإن كان لا يخلو من روعة التصوير. إن الكوميديا الإلهية بناء شامخ الذري منسق البنيان متكامل الأجزاء قائم على نوع من الهندسة الشعرية القوية التي هي أخص الجوانب في عبقرية دانتي.
وتختلف قصة المعراج أيضا في تصميمها للعالم الآخر عن الكوميديا الإلهية لان الأولى وإن كانت تخضع العالم الآخر لقانون الزمان والمكان ولكنها لا تعطيه هذا الشكل المنادي الصلب. فهي لا تصف لك المعالم وصفا دقيقا، وإنما هي ومضات تشرق بغتة على مشاهد تتلاحق أمام مخيلتك بدون أن تترك في نفسك سوى الأطياف، بخلاف الكوميديا التي تسرف في التصوير والتحديد والتلوين والتأثيت، وتعقيب المشاهد في نظام  وترتيب، وتكاد تبلور المضمون الميتولوجي للثقافة الإنسانية كله. وعندما يعطي دانتي لوصف الجحيم ثلاثة وثلاثين نشيدا تستغرق أربعة آلاف وسبعمائة سطر إذا بقصة المعراج لا تكاد تبلغ في وصف مشاهد العذاب الصفحتين. ويتصل بهذه الهندسة الشعرية التصميم الفني لكل من الكوميديا وقصة المعراج، فالكوميديا كما قلت بناء متكامل ذو تفاصيل وأجزاء ومشاهد تستغرق مائة نشيد وهو العدد الرمزي للوحدة واللانهاية، تستوعب ثلاثة وثلاثين ومائتين وأربعة عشر آلاف سطر تستنفذ أكبر طاقة ممكنة لأي إنسان من الخيال وقوة التصوير، أما قصة المعراج فهي بعيدة كل البعد عن صناعة الشعر وبعيدة أيضا عن هذه الهندسة الشعرية.
وناحية ثالثة في تصميم الكوميديا وقصة المعراج للعالم الآخر لا ينبغي ألا يفوتنا ذكرها وهي أن هذا التصميم في كلا الأثرين تصميم رمزي، فالعالم الآخر إن هو إلا صراط نحو الخلاص، خلاص الإنسانية من البؤس في الحياة الدنيا، وتقول عنه قصة المعراج في مدلولها عند الحياة الدنيا، عند الوصفية أنه تحقق الرسول عليه السلام مما امره الله بتبليغه تحققا عيانيا ليجمع بين الإيمان واليقين. ومع ذلك فالمغزى في قصتنا الإسلامية أكثر ورعة لأنه يعني تحقق الإنسان الكامل من حقيقته أي صيرورة الإيمان عنده معرفة والمعرفة يقينا.
وهناك أمر آخر تنفرد به الكوميديا في تصميمها للعالم الآخر وهو تأثرها بالتعاليم المسيحية المبتدعة، فالتصميم الأخروي في الكوميديا يخضع لعقيدة التغليل المسيحي فالأقسام في العالم الأخروي ثلاثة والأقاليم في الذات الإلهية ثلاثة، وتحديد نور الله بأنه نقلة مركزية تنداح حولها هالات النور كل ذلك تخلو منه قصة المعراج لأنها لا تتقيد بالأشكال التجسيمية إلا بقدر ما يقتضيه مقام التعبير بالمقيد المطلق.
إن قصة المعراج تظل في سياقها محتفظة بالوحدة والتنزيل للذات الإلهية بينما تنحو الكوميديا منحى التثليث والتجسيم.

 

مصـادر البحـث ومراجعـه

الكوميديا الإلهية لذانتي الإيطالي (ترجمة حسن عمان) دار المعارف.
قصة المعراج الإسلامية من خلال كتب: تفسير الخازن – الأنوار المحمدية من المذاهب اللدونية (بيروت 1310هـ) – قصة المعراج للغيطي – قصة المعراج للكتاني – كتب الحديث النبوي – سيرة ابن هشام – تذكرة القرطبي (القاهرة 1308هـ) – الفتوحات المكية (القاهرة 1293هـ).
منهج البحث في الأدب واللغة لانسون (تعريب الدكتور مندور)
تاريخ الفكر الأندلسي لانخيل بالينثيا (تعريب حسن مؤنس)
معالم الفكر العربي في العصر الوسيط كمال الياوجي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here