islamaumaroc

مع ابن الفارض في غزله -1-

  دعوة الحق

العددان 70 و71

ما أكثر ما يطلق الناس أحكاما قاسية ظالمة عن علم أو جهل على «التصوف» و «المتصوفين». ونحن ها هنا  « مع ابن الفارض في غزله» لا نحب أن ننصفه من هؤلاء الناس ولا
أن ننصف الناس منه، ولكنا نود أن نعرضه لهم كما هو أدبا رفيعا وذوقا جميلا وحساسية مرهفة وفنا رائعا ونفسا صافيا محلقة في  عالم الأدب والفكر والذوق. إذ ما أسهل أن نمدح الرجل في سطور فترفعه إلى القمة بكلمات...وندمه في سطور فتنزل بدرجته إلى الحضيض في كلمات... ولكن الصعوبة كل الصعوبة في العرض والتحليل وبيان مواطن المذمة أو أماكن المدحة والثناء.
بين أيدي أولئك وهؤلاء أزجي هذا العرض.
تعريف وتحديد:
التصوف حركة فكرية إسلامية قامت على أسس من عبادة الله وطاعته وتقواه، ثم أخذت تتطور – مع الأيام – حتى أصبحت مذهبا من مذاهب الفكر في الإسلام، وطريقا من طرق التفكير في الحياة يهدف إلى محبة الله والفناء فيه، في صبر وثبات وإخلاص ووفاء وشوق.

وإذا ما أتيح لنا ها هنا أن نجانب الكلام عن فلسفة التصوف، ونعتزل أقوال المتصوفين في نظرية «وحدة الوجود» أمكننا أن نرى في التصوف تعبيرا عن تجربة وجدانية عاطفية، موضوعها حب الإنسان المتصوف لله.

وإنا لنلمس في هذا التعبير روحا جمالية مشرقة، وذوقا فنيا مرهفا لا نملك معهما إلا ان نعتبر أثار المتصوفين في هذا الموضوع من روائع تراث أدبنا الإسلامي.

حب ابن الفارض:
وأبو حفص عمر بن الفارض أحد هؤلاء الذين عاشوا هذه التجربة الوجدانية في أواخر القرن السادس الهجري وأوائل القرن التاسع قبل سقوط بغداد.

وهو ينتمي إلى أسرة شامية كانت تسكن حماه، فهو على ذلك قد ورث عن أبيه وأسرته صفاء الطبع الشامي ورقة المدرسة الشامية في الأدب الشافعي وفي الحديث، وبها أصاب ميلا إلى التصوف ثم رحل إلى الحجاز(1) الارض التي جعلها موطن غرامه بالجمال ومعراج حبه المقدس للذات العلية.
ولا ندري كم مكث في تلك الربوع الحجازية ، وان كنا نرجح أنه قضى فيها معظم أيام حبه، وبها غنى أروع أناشيد عشقه وغرامه ثم عاد بعد ذلك إلى مصر ليقضي فيها بقية حياته والها مشتاقا.
بين حبين: عاش ابن الفارض زهاء أربعين سنة يقول شعره من وحي الحب(2) ولكن أي حب هذا الذي ملك على صاحبنا قلبه؟ هل كان حبا إنسانيا حسيا أول الأمر ثم حال بعد ذلك حبا إلاهيا رمزيا ؟ إن قارئ ديوان ابن الفارض يستطيع أن يزعم لنفسه أن الرجل قد بدأ حياته بحب إنساني طبيعي غناه في أكثر من قصيدة ثم سما في بعض قصائده القليلة إلى حب إلاهي قدسي وذلك ما فعله بعض الأدباء(3) ولكنا إذا ما قرأنا قصائد الديوان حالت بيننا وبين اعتقاد هذا الرأي أناشيد الحب اللإلاهي فيه، وموسيقى أبياتها الداخلية، وألحانها القدسية، ونفحاتها العلوية، مما يجعلنا نعتقد أن شعر ابن الفارض ملحمة غزلية في تمجيد الله.

حب الذات العلية: عاش ابن الفارض تجربة المتصوفين بحسه وروحه عذبة مرة، وقاسى فيها ضروب من المشقة والأهوال، وتفيأ فيها طلالا من الروحية – هدفه الأول من حبه الإلاهي – فتغنى بهذه التجربة في نفس ملحمي قوي: غنانا مذهبه في حبه للذات العلية، وسلك بنا مراحل حبه الخالد الذي انتهى به إلى عشق الجمال المطلق في هذا الوجود.

مذهبه في الحب: كان ابن الفارض عالما بمذاهب الحب المختلفة، ومبادئه الشاقة الصعبة، ومن ثم كان من مذهبه فيه أن الحب كبير إلا على المتصوفين، الصابرين على مهاناته وأهواله القادرين على مراسه، الذين يرون موتهم فيه حياة يهبها المحب لهم، والشهادة في سبيله سعادة ينعم بها عليهم:
هو الحب – فاسلم – بالحشا ما الهوى سهل
          فما اختاره مضنى به وله عقل
وعش خاليا، فالحب راحته عنا
          وأوله سقم، وآخره قتل
ولكن لدي الموت فيه صبابة
         حياة، لمن أهوى علي بها الفضل
نصحتك، علما بالهوى، والذي أرى
         مخالفتي، فاختر لنفسك ما يحلو
فإن شئت أن تحيا سعيدا، فمت به
         شهيد، وإلا فالغرام له أهل(4)
ذلك مذهب الرجل ما يفتأ يذكرها به ويقرره في كل مناسبة، مذهب أخذ عليه حسه وروحه، وسره وجهره:

وعن مذهبي في الحب ما يلي مذهب
         وإن ملت يوما عنه فارقت ملتي
ولو خطرت لي في سواك إرادة
         على خاطري سهوا، قضيت بردتي
مراحل حبه: بدا هذا الحب عن ابن الفارض عنيفا في ظروف أبى الشاعر أن يصرح بها، وليس لنا – معها – أن نزعم أن أول مرحلة في هذا الحب كانت إنسانية ثم اتجهت بعدها إلى الذات العلية. إن ابن الفارض يريد أن يجعل حبه هذا أزليا قديما، حتى ليحلو لنا أن نتخيل – معه – أنه قد خلق محبا:

فاجر من قلاك فيك معنى
         قيل أن يعرف الهوى يهواكا

ومن هنا كانت مراحل هذا الحب غامضة مضطربة، متداخلة يزحم بعضها، وما من شك في أنه أحب في ملحة أولى الذات العلية في فترات لينعم بحبه لها، ثم سما بحبه، فأحب الله تعالى لذاته في مرحلة ثانية على حد قول رابعة العدوية:
أحبك حبين : حب الهوى
         وحبا لأنك أهل لذاكا
ثم عرج بحبه في مرحلة ثالثة إلى أسمى مرحلة بلغها ابن الفارض في حبه للذات العلية، هذه المرحلة هي مرحلة حبه للجمال المرحلة التي بلغ فيها ذروة الفن الشعري، ونطق فيها بالعبقرية الأدبية والسحر الحلال. عند هذه المرحلة وقف ابن الفارض طويلا فتحدث عنها وأبان...
حبه للجمال: وكان في بدء هذه المرحلة الثالثة السامية من حبه للجمال يرى المحبين جميعا مأخوذين بجمال الله الأزلي – أصل كل جمال – مذ كان قيس ولبناه والمجنون وليلاه وكثير وعزته:

فكل مليح حسنه من جمالها
         معار له، بل حسن كل مليحة
بها قيس لبنى هام قبل كل عاشق
         كمجنون ليلى أو كثير عزة

وانتهى به الأمر إلى أن يرى حبيبه في كل شيء جميل في هذا الوجود، ويبصره في كل معنى لطيف: في نغمة العود ورنة الناي، في مراعي الغزلان ومساقط أنداء الغمام، في برد الإصباح والأصيل وفي النسيم العليل، في رشقة المدامة وفي المقام وفي الرحيل:
تراه أن عاب عن، كل جارحة
         في كل معنى راتق بهج
في نغمة العود والناي الرخيم إذا
         تألقا بين الحان من الهزج
وفي مسارح غزلان الخمائل، في
         برد الأصائل والإصباح، في البلج
وفي مساقط أنداء الغمام، على 
         بساط نور من الأزهار منتج
وفي مساحب أذيال النسيم، إذا
         أهدى إلى سحيرا أطيب الأرج
وفي التنامي ثغر الكأس مرتشفا
         ريق المدامة في مستنزه نرج
لم ادر ما غربة الأوطان وهو معي
         وخاطري أين كنا غير منزعج

هنا تبدو لنا نفس الشاعر الذواقة للجمال حقا، وهي تنطق فنا، وتصف فنا، وقد لطف فيها الحس، وصفت فيه الروح، حتى تسامت عن الزمان وعن المكان وعن المعاني، فإذا آيات الجمال في الكون قد تكشفت لخيال الشاعر، وإذا هو ينقلها لنا أمينا عليها كما رآها في آيات من الشعر والبيان والتصوير الرائع الدقيق.

وإذا فقد أحب ابن الفارض ربه حتى عرفه، فعرف مكانته منه، فأدل بنفسه وبحبه لله في تضاعيف شعره على ربه وعلى الناس. فبينما هو يلاحظ آيات جمال الله في هذا الكون، إذا لسانه ينطق مناجيا رب الجمال:

ته دلالا فأنت أهل لذاكا
         وتحكم فالحسن قد أعطاكا
ويضيف مدلا على الناس:
         كل من في حماك يهواك لكن
أنا وحدي بكل من فني حماكا

وكذلك كانت منزلته في حب الجمال فوق كل منزلة، فكان امام المحبين في الوجود وسلطان العاشقين كما دعاه الناس بعد ذلك:

يحشر العاشقون تحت لوائي
         وجميع الملاح تحت لواكا

ذلك حب ابن الفارض ليس فيه – كما رأينا – من شطحات ولا خروج عن الملة كما يزعم الزاعمون، وخاصة إذا علمنا أن الرجل كان يتحدث عن حبه في روح قوية ونفس ملحمي مغرق في الرمز واللمح إلى حد الغموض.

الرمز عند ابن الفارض:
لم يكن ابن الفارض أول من كنى عن حبه للذات العلية، ولكنه- مع ذلك – كان إمام الرامزين في الأدب العربي ذلك أنه كان له في الرمز مذهب وطريقة قبل أن تعرف مذاهب الرامزين في الآداب العالمية: وما من شك قي أنه كان مسبوقا إلى ميدان الرمز من المتصوفين قبله، كما كان الرامزون في بداية هذا القرن مسبوقين بشعراء آخرين وكان ظهوره في القرن السادس للهجرة – مع نهاية الدولة العباسية – ردة فعل وجدانية ضد ما شاع في ذلك العصر من ترف ومجون واستهتار تماما كما كان مذهب الرامزين الغربيين حركة أدبية معاكسة للمذاهب « الواقعية» و«البارناسية»المغرقة في المادية مع نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن العشرين.(5) وكما قامت العبارة عنده على اللمح والإشارة، تحويل الوضع اللغوي للألفاظ إلى وضع معنوي خاص بالمتصوفين، كذلك أسس الرامزون مذهبهم على تحريف الوضع اللغوي للألفاظ إلى وضع معنوي خاص بالمتصوفين


إلى وضع رمزي  Transpositionوعلى اللمح والإشارات(Allusion  (6 وليس من شأننا ها هنا إثبات نقاط الالتقاء أو الاختلاف بين ابن الفارض والرامزين ولكنا نريد أن نقرر أن الرجل لم يتخذ الرمز مذهبا في الشعر كما يفعل شعراء اليوم، ولم يرد بشعره نصرة هذا المذهب أو ذاك على غيره من المذاهب المختلفة في الأدب والشعر، وإنما كان – بطبعه – مدفوعا إلى هذا الرمز دفعا، وكان في اندفاعه هذا يعرف ما يفعل وما يقول. وجد طريق الرمز منفتحة أبوابها بين يديه، فجعل يعبر عن مواجده باللمحة العابرة، ويومئ عليها بالإشارة اللطيفة، حفاظا عن سر الهوى وإمعانا في كتمان العشق ويعتمد الإعراب فيها حين يريد الإعراب عنها:

ساجلو إشارات عليك خفية
         بها كعبارات لديك جلية
وأعرب عنها مغربا حيث لات حيـ
         ـن لبس بتبياني سماع ورؤية

وهو يلوح بمعانيه تلويحا، لأنه في الناس من ذوي الحس المرهف والفهم السليم والذوق الرفيع من يفهم عنه ما يقول:
وعني بالتلويح يفهم ذائق
         غني عن التصريح للمتعنت
بها لم يبح من لم يبح دمه وفي إلا
         شارة معنى ما العبارة غطت
وهو في «عباراته» وفي « إشاراته» هذه مدفوع إليها دفعا لظروفه الدقيقة التي تقتضيه التلميح عوضا عن التصريح:

أشرت بما تعطي العبارة والذي
         تغطي، فقد أوضحته بلطيفة
ثم يحاول ابن الفارض بعد ذلك أن يمحو أوهام الناس بآيات إلهامه:
فدونكما آيات إلهام حكمة
         لأوهام حدس الحس عنك مزيلة
فهل بلغ من ذلك بعض ما يريد؟ ذلك ما سيكشف عنه القسم الثاني من هذا الغرض...

(1) دائرة المعارف الإسلامية ص 1047 مجلد 3.
(2) «التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق» لزكي مبارك مطبعة الرسالة ص 291.
(3) «التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق» لزكي مبارك مطبعة الرسالة ص 292.
(4) الديوان – الصفحات: 83و 28.
(5) انظر ص 404.
(6) انظر ص 752/30.

 

 

 

 

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here