islamaumaroc

العناصر القرآنية في قصيدة قفا نبك -2-[تعقيب محمد الحلوي]

  دعوة الحق

العددان 70 و71

مرة أخرى تظل قصة الانتحال في الشعر الجاهلي بعد أن احتجبت في غمرة التيارات الأدبية التي غطت عليها وصرفت عنها أقلام الكتاب إلى ما يمس الحياة في صميمها، وهكذا طاب للأخ ابن تاويت أن ينبش هذا الموضوع في حذر بالغ وهو يسجل ملاحظاته(التي اهتدى إليها) في مقاله العناصر القرآنية، إذ يبادر فيعلن أنه ليس من أولئك ولا هؤلاء، وانه سيقف موقفا وسطا لا يبتعد فيه عن الحق ولا يتجنى فيه على التاريخ، وللأستاذ في نفسي مكانة اجلها فهو من رجال الجيل الذين وقفوا حياتهم لخدمة العربية وأدبها. وهذا ما حذا بي إلى الاهتمام بملاحظاته والتعقيب عليها، فننتظر إلى أي حد كان الأستاذ واقعيا في التزاماته وهادفا في ملاحظاته لم تكن استئناسية ولا تخمينية، ولكنها ترتفع عنده إلى مستوى الحقائق الثابتة، وتملأ من نفسه ما تملأ القضايا المسلمة.
لم يكن من باب الصدف أن يقع اختياره بالذات على معلقة امرئ القيس، فهذا في التاريخ آدم الشعر العربي، وقصيدته الأنشودة الخالدة التي تغنتها الأجيال وترنم بها الحداة وتلقفتها الشعراء من بعده يرونها ويحتدونها، وبهذا الاعتبار كان كلامه حجة على كل كلام ومرجعا لرجال اللغة والنحو والتفسير كلما أحوجهم إلى الاستدلال، يرجعون إليه كما يرجعون إلى غيره من شعراء العرب عامة وأن اختلفت آثارهم الأدبية وتنوعت سماتهم الفنية، فهم جميعا تلك المصادر الثقافية التي تدفقت منها هذه اللغة عبر الأجيال وتفجرت بها عبقريات أبنائها في مختلف الأحقاب، وقد درج العرب وهو يطوون حنايا صدورهم على هذا التراث، لا يلهيهم عنه شيء من مجد ولا يزهدهم فيه حطام ولا متاع، يستمرون به في النوادي ويحضرون به في الصحراء ويباهون به شعوب الأرض ولا تلحقه مع القدم بلى.

الهي بني تغلب عن كل مفخرة
         قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يروون أبياتها قد كان أولهم
         يا للرجال لشعر غير مسئوم

هذا الهيام بالشعر والافتتان بجمال المعاني الذي عرف به العرب هو العنصر الفعال الذي ضمن لآثراهم الخلود وحفظها من العبث والتحريف، وهو نفسه الذي كون عندهم حاسة سادسة أقدرتهم على التمييز بين صحيح الشعر وزائفه، فأصبحوا صيارف الشعر الذين لا تخيب آراؤهم ولا تخبوا أفهامهم ولا يتنكبون عن الجادة فيما يصدرون من أحكام ولا يختلط في أسماعهم صوت شاعر بآخر ولا يلتبس في أذواقهم أسلوب بأسلوب، هكذا انتهى إلينا هذا الشعر الجاهلي في إطار من القداسة والهيام وبتوافر مسلسل يشبه أحيانا التواتر الذي وصل إلينا به القرآن، وبدأت حركة العلوم في عصر معاوية، فلعب الشعر دورا كبيرا في التقاط هذا الشعر بمحصونه ويرونه معنعنا كما يروون أحاديث الرسول ولا يتورعون عن رواية العمل الأدبي الواحد بطرق كثيرة لا تختلق عن بعضها إلا بكلمات، ثم تحركت الهمم لتدوين الشعر العربي إشفاقا عليه من الضياع، فقيض الله لهذا العمل أمثال أبي زيد والمفضل الضبي، والأصمعي و ...فأزاحوا عنه ما يعلق عادة بكل الآثار الفكرية التي تناقلتها الأفواه ولم تدونها الأقلام، ووعتها الصدور ولم تحتضنها بطون الكتب، وتمت تصفية الشعر الذي لم يقو على البقاء منه إلا جيده على يد هؤلاء الذين لم يعرف تاريخ العرب مثلهم قديما وحديثا، والذين وقفوا بالمرصاد يشهرون بكل زيف ويميزون كل خبيث تماما كما فعل رجال التعديل والتجريح في رواية أحاديث الرسول الكريم..وكما يبدو فإن قصة الانتحال التي مططها المعاصرون ووسعوها لتستوعب بالشك ما روي عن العرب في شعر قديم لم تكن عند تقاد العرب وصيارفتهم إلا عملية تطهير سرعان ما وضعت خطا فاصلا بين ما يجب أن يقبل من هذا التراث وما جيب أن يرد مما عجز عن اجتياز هذا الامتحان.

لم أقصد أن أزيد الأستاذ علما وأنا أكتب هذه الكلمات ولكني أردت فقط أن أضع هذه الصورة أمامي لتعبيد الطريق وإضاءة مجاهلها، ولأن الأستاذ يرجع ما اسماه بالعناصر القرآنية إلى انتحال الشعر للاستدلال به على القواعد العلمية – كما يرى الدكتور طه حسين – والفكرة تعني أن المفسرين والنحاة ورجال اللغة استنجدوا بالشعر في تعزيز آرائهم وتركيز قواعدهم، فلم يتورعوا عن الكذب واصطناع الشعر لتبرير آرائهم، فالمفسر الذي يتناول تفسير آية على وجه يخالف به الآخرين لا يرى بئسا من أن يعتمد على  الكذب والاستعانة بالشعر لتوجيه ما يرى، ورجل النحو الذي يضع قاعدة من قواعد الكلام العربي هو أيضا يبيح لنفسه أن ينطق بالشعر على لسان امرئ القيس أو طرفة أو غيرهما ليرفع مرفوعا أو ينصب منصوبا، ورجل اللغة لا يتورع عن اصطناع ما يعزز به رأيه في شرح لفظ أو تفسير كلام بشعر يعزوه لواحد من شعراء العرب الأموات...في نطاق هذه النظرية يسجل الأستاذ ملاحظاته حول معلقة امرئ القيس، والنظرية من أصلها خطيرة وهدامة، لأنها تمثل لنا علوم العربية وكأنها تصور بنيت على رمال ورفعت على غير أساس، فالكذب والوضع لحمتها وسداها، في التفسير والنحو والكذب، وفي اللغة والأدب كذب، وفي كل ما دونه العرب وتنازعوا الرأي فيه وضع وانتحال....

ومن المؤكد أن أحدا يرى هذا الراي لا يستطيع أن يذكر لنا واحدا من رجال التفسير عرف بانتحال الشعر في تفسيره لا قدس كلام، ومن عساه أن يكون إلا عليا أو عبد الله ابن العباس أو ابن جرير الطبري أو القاضي البيضاوي ؟ ثم ماذا عسى أن يستفيد رجال النحو من هذا الانتحال وهمهم استقراء كلام العرب ليذكروا للناس ما رفعت منه وما نصبت ؟ وما ضرهم لو نصب العرب الفاعل أو رفعوا المفعول ؟ وما عسى أن تكون مكاسبهم من هذه المغامرات غير فضيحتهم بين الناس، إن النظرية مع خطورتها تجعل من رجال التفسير والنحو واللغة شعراء عمالقة لا يعجزون عن الشعر كلما دعتهم الحاجة إليه، فهم إلى معارفهم الواسعة شعراء في مستوى امرئ القيس، والذي يعرفه التاريخ هو أن هؤلاء العلماء كانوا يستأنسون فقط بشعر العرب وهو كثير في كل ما يدونون من غير أن تكون لهم حاجة إلى أن يكذبوا على أنفسهم وعلى الأخرين.

كان القرآن يفسر بالشعر لأنه كلام العرب، وكان الشعر يفسر بالقرآن لأنه نزل بأسلوب العرب، وكان كل منهما حجة على صاحبه وأن تفرد القرآن بسمات ترتفع به عن أساليب البشر، ومن هذا الباب سؤال الرجل لابن عباس عن معنى قوله تعالى: ( طلعها كأنه رؤوس الشياطين) ما رؤوس الشياطين ؟ وهل سبق لأحد منا أن رآها حتى يشبه بها الله طلع شجرة الزقوم ؟ فيجيبه ابن عباس أن هذا يجري على نحو قول امرئ القيس:

أيوعدني والمشرقي مضاجعي
         ومسنونة زرق كأنياب أغوال ؟

ومن منا رأى الأغوال وأنيابها ؟ هكذا كان كلام العرب يفسر بعضه بعضا وهكذا كان علماء الطليعة ينظرون إلى هذا الشعر كأسمى مرجع تصحح عليه العربية وتبنى عليه قواعدها، فهل وقف الأستاذ موقفا وسطا وهو يشير إلى أبيات بعينها في قصيدة امرئ القيس ويجزم بانتحالها لتعزز آيات من القرآن، وأحيانا ينعت واضعها بالتكلف والأكداء ؟ وهل تحامى الوقوف مع أحد المعسكرين وهو يقول : (غير أن الواقع هو ما رأينا وأن البيت لا علاقة له بقصيدة هذا الأمير إن كانت له قصيدة ؟) والأستاذ إن شك في القصيدة إن شاء وله أن ينكر وجود امرئ القيثس كما أنكر نابليون ظهور المسيح وعدد أسطورة تاريخية تناقلها البشر عبر الأجيال، ولكن نابليون اقتنع سريعا عندما خاطبه بعض علمائه قائلا: هكذا يا مولانا يبطل التاريخ!.

وقوفا بها صحبي علي مطيهم
            يقولون لا تهلك أسى وتجمل

هذا أول بيت شم فيه الأستاذ رائحة الوضع والانتحال، أنه أولا بيت غريب – كما يرى – عما سبقه، لا يربطه بما قبله شيء، وثانيا هو موضوع للاستدلال به على ورود وقف متعديا كما في القرآن(وقفوهم إنهم مسؤولين)، ولست محتاجا أن أذكر الأستاذ بأن انعدام الربط – إن كان في البيت – ظاهرة عامة يمتاز بها الشعر الجاهلي، وأن البيت في القصيدة العربية وحدة مستقلة مما يتأتى معه تقديم بيت على بيت من غير أن يحدث هذا العمل أي خلل أو ارتباك، وعلى هذا الأساس اعتبر النقاد التضمين وهو توقف البيت على ما بعده وارتباطه عيبا من عيوب الشعر، على أن البيت في نطاق حديث الشاعر عن الأطلال وديار الأحباب فهو أشد ما يكون ارتباطا بما قبله ولصوقا، أما وضعه لخصوص الاستدلال على مجيء وقف متعديا فقد قبل لو كان تعديها غريبا وغير معروف في كلام العرب، أما والأمر على نقيض ذلك فقد يكون من الغباوة أن يكلف هذا الوضع نفسه الاحتجاج لشيء ليس فيه منازع، فمن المعروف أن العرب استعملوا الفعل(وقف) قاصرا كما استعملوه متعديا، فهذا لبيد يسال دار أحبته فيقول:

فوقفت أسألها وكيف سؤالها
         صما خوالد ما بين كلامها
ويهيم عنترة في عرصاتها فيقول:
         فوقفت في عرضاتها متحيرا
أمل الديار كفعل من لم يذهل
ويقول:
فوقفت فيها ناقتي وكأنها
         فدن لأقضى حاجة المتلوم

فهل آثر هذا الواضع أن يجهد نفسه في صياغة الشعر للاستدلال به من الرجوع إلى شعر العرب وهو كثير ؟...أما هذه الأبيات:

وأن شفائي عبرة مهراقة
         فهل عند رسم دارس من معول ؟
وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش
         إذا هي نصته ولا بمعطل
تسلت عمايات الرجال عن الهوى
         وليس فؤادي عن هواك بمنسل
ضليع إذا استدبرته سد فرجه
         بضاف فويق الأرض ليس بأعزل

فهي في رأس الأستاذ موضوعة لتعزيز حروف الجر الواردة بعد النفي وما يشبهه في نحو قول الله:«هل من خالق غير الله ». « مالكم من إلاه غيره». « ليس بخارج منها». وهذا يعني أن كلام العرب لم يعرف هذه الزيادة التي جاء بها القرآن فلا بد إذن لتبرير هذه الزيادة حتى لا يكون القرآن خارجا عن أساليب العرب من أن ينتحل الواضع شعرا ينسبه إلى امرئ القيس ليطمئن الناس ويستسيغوا هذه الزيادة لأن امرئ القيس استعملها، كان القرآن في حاجة إلى تدعيم سلامة عربيته بهذه الترهات التي ينتحلها هؤلاء الوضاعون – والواقع أن زيادة هذه الحروف لم ترد في القرآن متى كانت ظاهرة شائعة في كلام القوم الذين نزل بلغتهم وانتقى منها أعذبها واصفاها، وأفسح صدره حتى لما عربه العرب من كلمات أخضعوها للغتهم، فهل كان الواضع في حاجة إلى اصطناع شعر يعزز به زيادة تدفق بها كلام العرب وسالت بها ألسنتهم فنزل بها القرآن ؟.

إن مجرد استعراض خاطف لكلام العرب في شعرهم ونشرهم يؤكد الاحتجاج إلى أشعار موضوعة لأبيات ما هو ثابت ومستفيض.
يقول المهلهل:
ولست بخالع درعي وسيفي
         إلى أن يخلع الليل النهار
ويقول عنترة:
وخلا الذباب بها فليس ببارح
         ولست بخابىء أبدا طعامــا
حذار غد لكل غد طعام
         هل غادر الشعراء من متردم ؟
وتحرر العرب أحيانا من زيادة الحرف فيقول الأعشى:
ألست منتهيا عن نحت أثلتنا
         ولست ضائرها ما أطت الإبل
يرمون بالقول في مهادنة
         يهدي إلي كأني لست من أحد

وتقول الخنساء:
إذا القوم مدوا بأيديهم
         إلى المجد مد إليه يدا

ويستعملون نفس الزيادة في النثر استعمالهم لها في الشعر: فنجدها في الأمثال كقولهم: ما يوم حليمة بسر، ليس بعشك فادرجي وليس بنبع ولا غرب، ويخطب النبي (ص) فيقول: فو الله الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار. ويخطب أبو بكر فيقول: أما بعد فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم. فمن المؤكد إذن أن الزيادة المذكورة مستفيضة في كلام العرب وان عربية استعمال القرآن لها لم تكن تزكيها متوقفة على ورودها في شعر امرئ القيس أو في شعر غيره.

فقد يتفق أن يرد استعمال ما في القرآن ونتلمس له سندا من شعر العرب فلا نعثر عليه لأن أكثر الشعر قد ضاع وفي هذه الحالة فقط يمكن أن يكون للوضع معنى معقول، أما عند استفاضة الاستعمال وتدفقه فهو أكثر من عبث يبدو من موافون.

أما هذه الأبيات:

ويوم عقرت للعذارى مطيتي
         ويوم دخلت الخدر عنزة
ويوما على ظهر الكثيب

فهي في رأي الأستاذ وضعت ليحمل ما ورد  شبيها بها في القرآن مما حذف فيه الفعل والفاعل، ففي القرآن، ويوم نحشرهم، ويوم نسير الجبال، ويوم يقول كن فيكون. واذكر يا محمد هي الجملة المحذوفة التي يقدرها المفسرون، وما أظن الواضع كان بحاجة إلى أن يضع شعرا يدعم به هذا الواضع كان بحاجة إلى أن يضع شعرا يدعم به هذا الواضع الذي ورد في القرآن والذي شاع على السنة العرب في صورة مختلفة، فقد حذفوا المبتدأ والخبر، والصلة والموصول، والصفة والموصوف، والفعل والمفعول، يميلون في كل ذلك إلى الإيجاز اعتمادا على ذكاء مخاطبيهم وقد انشد النحاة في حذف الفعل والمفعول قول الشاعر: وزججي الحواجب والعيونا. وقوله: علفتها تبنا وماءا باردا، أي سقيتها ماء باردا، وجاء في القرآن في غير موضوع فقال: « والذين تبوأوا الدار والإيمان» أي واعتقدوا الإيمان، « وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا»، أي أنزل ربنا خيرا إلى أشباه ذلك مما زخر به كلام العرب ونزل به القرآن، فاستدلال الواضع على هذا الحذف بشعر يكون أشبه باستدلاله على رفع الفاعل ونصب المفعول..

ويرى الأستاذ أن قوله(حلفة لم تحلل) لا يحتاج إلى تنبيه لانتحال فيه – وعذره في هذا يرجع إلى فهمه من التحلل مفهومه الشرعي الذي جاء به الإسلام، والذي نفهم من البيت هو أنها تعذرت عليه وحلفت حلف من يصمم على ترك ما حلف عليه فلا ينقص ما ابرمه بيمينه، ولا يحل ما عقده بها، ويمكن أن يستأنس لهذا بقول النابغة:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
         وليس وراء الله للمرء مذهب
وتعد هذه الأبيات:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل
         وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
وإن تك قد ساءتك مني خليقة
         فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي
أغرك مني أن حبك قاتلي
         وأنك مهما تأمري القلب يفعل

من ألمع الأبيات التي تغنى بها العرب واغزل ما استملحه الرواة عن معلقة أمير الشعراء جيلا بعد جيل. وكأن الأستاذ في هذه المرة يراها مستوحاة من آيات بعينها. ويفترض أن المنتحل لابد وأن يكون قرأ سورة المزمل حين نظم البيت الأول، وأعجب بالمعنى الجميل في الآية« واهجرهم هجرا جميلا» فحلا له أن ينظم على غراره بيتا ينحله امرئ القيس لا لشيء سوى أنه وقع تحت تأثير التلاوة فاندفع ليكذب لا ليؤكد رأيا يراه في لغة أو نحو، ولا لغرض من الأغراض التي يمكن أن ينتحل من اجلها شعر، ولكنه مجرد إيحاء لم يستطع الواضع التخلص منه، وعذر الكاتب أن القرآن وصف الهجر بالجمال لما أهاب بالرسول أن لا يشتط في هجر قريش وقطيعتها، وأن يهجرها هجر تأديب تسترجع معه صوابها من غير ضغينة ولا وقيعة.

وهذا هو الجمال في الهجر، وإن لم يكن في الهجر من جمال، فما توسل امرؤ القيس إلى فاطمته أن لا تسرف في تدللها عليه، ولا تصرفه، وإذا كان لابد من أن تفعل، ليكن هذا الهجر محتملا لا تعنت فيه ولا إسراف، كان لابد أن يكون هذا المعنى منتحلا وموضوعا، لأنه من معاني القرآن التي لا يمكن أن تفتح عنها عقول البشر، أولا يتهيأ لإنسان أن يسأل من معذبه أن يكون به رحيما فيخفف عنه قليلا من العذاب، وأبعد الأستاذ النجعة في فهم هذا البيت:

وإن كنت قد ساءتك مني خليقة
         فسلي ثيابي من ثيابك تنسل

فتمثل في تفسير الثياب بالنفس كما فسرت فهذا المعنى في آية« وثيابك فطهر»، ليؤكد انتحال البيت وأنه موضوع خاصة لتفسير الآية السابقة، وما أظن هناك حاجة إلى هذا التعسف وصرف الثياب إلى غير مفهومها المتبادر، فسل الثياب من الثياب إنما كنى به الشاعر عن المفارقة والمتابعة، كما كنى القرآن باللباس عن شدة الاتصال والقرب بين الزوجين في قوله: « هن لباس لكم وانتم لباس لهن» فتفسير الثياب هنا بالنفس غير متعين، ويجزم الأستاذ في هذا البيت:

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
         فألهيتها عن ذي تمائم محلول

يجزم بأنه موضوع ليستدل به على أن مثل تكون مقصورة لذاتها، كما في القرآن وترد مقحمة زائدة في الكلام، ولعل الواضع كان في غنى عن تكلف هذا العشر وكلام العرب طافح باستعمالها في الحالين فهل غاب عنه قول طرفة:

على مثلها أمضى إذا قال صاحبي
            ألا ليتني أفديك منها وافتدي
وقول الخنساء:
فلم أر مثله رزء لإنس
            ولم أدر مثله رزء لجن
وقول عنترة:
أن المنية لو تمثل مثلت
         مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل

لست أفهم لماذا يجهد الإنسان نفسه لينحل غيره شعرا عصر ذهنه في صياغته، وكان أحرى به وهو شاعر أن يعتز بإنتاجه ويضن به على الآخرين، ولست أدري هل عرف التاريخ شاعرا مهنته الوضع وانتحال الشعر لخصوص امرؤ القيس كلما سنحت له فرصة يؤيد فيها مسألة في التفسير واللغة والأدب ؟ لا أنكر أن يكون في شعر امرؤ القيس أو غيره من الشعراء شعر منحول عارض به أصحابه من أعجبوا بقصائدهم فنظموا على غرار أبياتها وتحككوا بمعانيها، ولكني لا استطيع أن أجزم بأن هذا الشعر وضع خاصة للاستدلال به على هذا اللفظ في القرآن، ولتأييد هذه القاعدة في العربية، وما أشبه هذه الافتراضات التي تتحول معها الظنون إلى حقائق مسلمة، وجاء في القرآن«فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها»مفسرة بأنها أقبلت في صيحة وصراخ وهي تلطم وجهها فلما قرأ الأستاذ هذا البيت:

فألحقنا بالهاديات ودونه
            حوافزها في صرة لم تزيل

توقف عند الصرة، وقال: لابد أن تكون هذه من تلك، ولا بد أن يكون البيت موضوعا ليفسر معنى الصرة في الآية، والأستاذ يعلم أنها في البيت بمعنى الجماعة، فكيف وهذه الحال يكون البيت موضوعا لخدم الآية ويفسرها ؟
إن ملاحظات الأستاذ – كما يرى القارئ- تشبه أن تكون تصيدا وترصدا لكل ما فيه ملامح قرآنية، فيكفي أن يكون في البيت لفظ أو معنى وراد في القرآن، حتى يكون ذلك كافيا للحكم بانتحال البيت، فورود الضوء والسنا في هذا البيت:
يضيء سناه أو مصابيح راهن
               أمال السليط بالذبال المفتل

إنما هو من قوله تعالى: «يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار»، جاء به الوضع ليؤكد أن السنا عربي وليس بحبشي، إن كان هذا المنتحل من إتباع أبي عبيدة، المنكر لوجود المعرب في القرآن، وتشبيه الليل يموج البحر يجب إن يكون استدلالا لقوله تعالى: «أو كظلمات في بحر لجي»، وهذا التعبير الوارد في قوله: وبات بعيني قائما غير مرسل...إنما هو تفسير لقول الله: « تجري بأعيننا»، فكل ما فيه ملامح من القرآن هو في رأي الأستاذ موضوع ليخدم القرآن ويفسره ويحتج له، إن في القرآن من مسائل النحو وقضايا الإعراب ما يفوق بكثير هذه الصغائر التي يرى الأستاذ أن الأبيات وضعت لها، وكان أحرى بهذا الواضع أن يعيرها قليلا من اهتمامه ويفيض عليها رذاذا من شاعريته، وأظنه لو فعل لأغرق سائر المعلقة، ولتحولت إلى أنماط من الشواهد وسلسلة من الاستدلالات، وإذا افترض الأستاذ في تأملاته في الأبيات أنها عناصر قرآنية، وأنها مصنوعة ومستوحاة منه، فقد يباح لنا أن نفترض كذلك أن هذه الأساليب الشعرية الواردة في شعر امرئ القيس وغيره قد يكون الأصل لما ورد في القرآن الذي أنزل بلسان العرب وأساليبهم فكان كلامهم لحمته وسداه، وللأخ الأستاذ أطيب متمنياتي.


 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here